حماية الحق في الحياة في مواجهة الإرهاب

إيمان بوقردغة
2019 / 7 / 15

إن الحق في الحياة ينتمي إلى فئة حقوق الإنسان الأساسية وهي حقوق غير قابلة للتصرف وغير قابلة للتقادم،و "متأصلة في جميع البشر" .
إستنادا إلى الحق في الحياة يتمتع أي إنسان بجميع الحقوق الأخرى المنصوص عليها والمضمونة بالدساتير والوثائق الدولية و تاجها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يعد الوثيقة الأهم في الصكوك القانونية الدولية .
إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يعطي شعورا جديدا وقوة خاصة لحقوق الإنسان، بتكريسه لحماية قانونية للحريات و الحقوق الإنسانية كمفهوم مشترك يحتشد حوله المجتمع الدولي وهو مفهوم يخرج من الحدود الضيقة للدولة ليمسي شاغل العالم بأسره.
أما الوثائق الدولية الأخرى التي يقصد بها تكريس الحق في الحياة وضمان حمايته و التي اعتمدتها الدول فنذكر منها " اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها "التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 كانون الأول 1948 و التي تنص في مادتها الأولى على أنه:
"تصادق الأطراف المتعاقدة على الإبادة الجماعية، سواء ارتكبت في أيام السلم أو أثناء الحرب، هي جريمة بمقتضى القانون الدولي، وتتعهد بمنعها والمعاقبة عليها."
أما المــادة الثانية من الإتفاقية فتقرّ بأنه:
"في هذه الاتفاقية، تعني الإبادة الجماعية أياً من الأفعال التالية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه:
( أ ) قتل أعضاء من الجماعة.
(ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.
( ج) إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً.
( د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.
(هـ) نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى."
وفي الساحة الدولية، يخصّ عدم سريان تقادم الجرائم التي يعتبر من الصعب للغاية مباشرتها قضائيًا على الفور بعد ارتكابها "جرائم الحرب، أو الجرائم ضدّ الإنسانية أو جرائم الإبادة الجماعية" بمقتضى "اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية "
و حماية الحق في الحياة في الصكوك القانونية الدولية يفرض التزاما إيجابيامن قبل الدولة باتخاذ التدابير المناسبة لضمان الحماية الفعالة لحياة كل إنسان خاصة في مواجهة الإرهاب الذي أمسى "نارا تلظّى" تحيط بالأفراد و الدول "سُرادقها" حيث ندأب على "الحفر الأركيولوجي" ءعلى حد تعبير ميشال فوكوء عن أصول ظاهرة باتت تهديدا رئيسيا لوجود الإنسان.
و هذا التهديد لسلامة الأفراد و للأمن و السلم العالميين جعل من الإرهاب فرعا جديدا من فروع القانون الدولي و له علاقة بالقانون الدولي الإنساني وكذا بالقانون الدولي الجنائي.
و في نفس الوقت فقد أجّ في فكر رجال القانون و الفقهاء و الساسة و علماء الإقتصاد و غيرهم فأُدرج في الفقه القانوني الدولي
فإذا بحثنا في الفقه العربي ألفينا عددا من التعريفات للإرهاب انتقينا منها هذا التعريف للدكتور أدونيس عكره، مدير المركز الدولي لعلوم الإنسان : الذي يعرّف الإرهاب بأنه: "منهج نزاع عنيف يرمي الفاعل بمقتضاه بواسطة الرهبة الناجمة عن العنف إلى تغليب رأيه السياسي
أو إلى فرض سيطرته على المجتمع أو الدولة من أجل المحافظة على العلاقات الاجتماعية عامة أو من أجل تغييرها أو تدميرها."
و من ناحية ثانية تعددت التعريفات الفقهية الغربية للإرهاب تنخّلت منها تعريف الأستاذ ألوازي Aloisi الذي اعتبره "بمثابة كل فعل يرمي إلى قلب الأوضاع القانونية والاقتصادية التي تقوم على أساسها الدولة"
فأمسى غنيّا عن البيان أن الإرهاب يعد تهديدا صريحا لحق الإنسان المقدس في الحياة و للأمن الدولي برمّته .
و ترتيبا على ذلك, فعلى الدول باعتبارها الكيانات الوحيدة التي لديها الوسائل المناسبة للقيام بذلك، أن تعيد النظر في هذا الحق المبجّل فتعتمد وسائل فعالة لحمايته.
و تحقيق هذا المقصد "المشمخرٍّ سامي المنال "على حد تعبير الشاعرابن نباتة المصري يتطلب أن تعتمد الدولة نهجا شاملا لمكافحة الإرهاب و ضمان الحقوق والحريات الأساسية.، مع التركيز بوجه خاص على منع الإرهاب
و مواجهة التطرف العنيف الذي يؤدي إليه مع تعزيز حقوق الإنسان و سيادة القانون كجزء من التزاماتها في مجال حقوق الإنسان بضمان الحق في الحياة والحق في الأمن وغيره من حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
والتطرف الإرهابي هو عملية دينامية يأتي بموجبها الفرد العنف الإرهابي كمسار ممكن بل "مشروع".
فينبغي أن تشمل استراتيجية الدولة في حماية الأفراد ضد الإرهاب اتخاذ اجراءات فعالة في مجال العدالة الجنائية، امتثالا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان ضد تحريض الآخرين على الإرهاب والسعي إلى تجنيدهم للعمل الإرهابي عن طريق العمل الدعوي" لشياطين الإنس "التي" توسوس في صدور الناس" فتحملهم على إزهاق الأرواح و سفك الدماء و اتّباع "خطوات الشيطان" وهو "عدو مبين" فيعتدي المُجنَّد على حرمة الروح البشرية من ناحية ولايعترف بالكيان المادي للدول الأخرى غير المسلمة من ناحية أخرى.
و من جهة ثانية فإن إنشاء " الشرطة المجتمعية" كاستراتيجية تنظيمية آضَ ضرورة قصد ترسيخ أعمال الشرطة في إحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون و تحسين فهم الجمهور للشرطة والتفاعل معها و تحسين الاتصالات مع الجمهور بشأن مكافحة الإرهاب قصد توطيد الوشائج و دعم الثقة المتبادلة.
وينبغي أن لا تميّز إجراءات الشرطة ضد الإرهاب، أي عرق بعينه، وتحويله إلى "مشتبه به" لأن التمييز ضد الأقليات العرقية ووصمها ليس أمرا غير مشروع فحسب بل قد يكون هدّاما لأنه قد يؤدي إلى مظالم و "ضلال مبين".
و من نافلة القول فإن الامتثال للحقوق والحريات الأساسية ,الذي يفرض على الدولة بذل جهود متعددة التخصصات قصد معالجة ظاهرةالإرهاب , أمسى أوكد التحديات التي تواجه النظام الدولي .
فالتقدم نحو نظام دولي أكثر شرعية، بتأصيل الاعتراف العالمي بالقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني, صار ضرورة لتحقيق "عدالة عالمية" وبصفة عامة، لا يقصد بالاتفاقيات أن تحل محل النظم المحلية لحماية حقوق الإنسان ، بل وضع ضمان دولي، بحيث تتم حماية حقوق الإنسان و أشرفها الحق في الحياة بفعالية على الصعيد الوطني.
فلن نصنع العالم بالعنف الذي يمارسه السلاح ولا بدكتاتورية الاقتصاد بل بقوة القانون .