ثورة الفلاشا: اليهودي الأبيض أم اليهودي الأصفر

حاتم الجوهرى
2019 / 7 / 15

نجحت الصهيونية في تقديم مشروعها السياسي في فلسطين كدولة ديمقراطية عصرية ترى نفسها امتدادا للحضارة الغربية المعاصرة، واستطاعت تغيير صورتها النمطية عالميا كمشروع استعماري عنصري صعودا من نهاية السبعينيات وتوقيع اتفاقية السلام مع مصر، وانتقلت من مرحلة تغيير الصورة السلبية إلى بناء الصورة الإيجابية من خلال محاولة تقديم نفسها كضحية للعنصرية النازية، التي كانت تجبر يهود أوربا على وضع شارة تميزهم عن غيرهم باللون الأصفر، ومن هنا أوجدت الصهوينة المشترك النفسي بينها وبين دول القارة السمراء باعتبار التمييز العنصري الذي تعرض له أصحاب البشرة السوداء في أمريكا والغرب، وكان ذلك هو المشترك النفسي والوتر الذي لعبت عليه، بالطبع إلى جوار حزمة المصالح المتنوعة التي قدمتها الصهيونية لدول القارة.. بداية من السلاح والدواء وحتى الخبراء والتقنيات والدعم المالي والتمويل المباشر.
لكن الآن وفي خضم الأحداث الجارية ومع انتفاضة يهود أثيوبيا المعروفين بـ "يهود الفلاشا" (الفلاشا مصطلح له عدة تفسيرات في اللغة الحبشية التي كان يستخدمها اليهود هناك) ، يمكن القول إن الإدارة السياسية والثقافية الناجحة لصورة اليهودي في العالم وأفريقيا تحديدا شيء، والواقع ذاته شيء مغاير له تماما، فمع أول اختيار حقيقي للمجتمع الصهيوني في فلسطين ظهرت عنصريته والجانب السيء في عقليته العنصرية التي تعد امتدادا لعقلية الرجل الأبيض الأوربي المتفوق، فرغم أن معظم الجماعات اليهودية التي هاجرت لاحتلال فلسطين مشكوك في صحة نسبها التاريخي أو نقائها العرقي أو الديني؛ إلا أن أحدا لم يفجر مشكلة ما مع أي من تلك الجماعات، سوى مع يهود أثيوبيا " ليشكك الصهاينة البيض في صحة عقيدتهم ومذهبهم الديني اليهودي، وفي صحة نسبهم للعرق "الإسرائيلي" أو قبائل بني إسرائيل.
رغم إنه من وجهة نظر أخرى ربما سيعتبرهم التاريخ واحدة من أعرق الجماعات المحسوبة على اليهودية، التي لم تتعرض للشتات والاختلاط بالآخرين كما الجماعات اليهودية في معظم بلاد العالم عبر العصور، فهم لم يتعرضوا منذ أقدم العصور لعمليات الفك والتركيب التي تعرضت لها الجماعات اليهودية الأخرى، غير أن أحداث الاحتجاجات الأخيرة التي بدأت بمقتل واحد منهم على يد الشرطة الإسرائيلية، فجرت العنصرية الكامنة في في العقلية الصهيونية التي تعتبر نفسها امتدادا لحضارة الرجل الأبيض المتفوق، إلى جانب فكرة نقائها الديني والعرقي التاريخية، وتلك سمة معروفة في العقلية الصهيونية التي تأخذ دائما ما يفيدها من معظم مستودعات الهوية التي احتكت بها.
المدهش أن هذه ليست هى المرة الأولى لتفجر مثل هذه الأحداث، فعلى الرغم من حداثة توطين يهود أثيوبيا في فلسطين المحتلة التي ترجع إلى الربع الأخير من القرن الماضي، إلا انه في هذه المدة القصيرة تفجرت ثورتهم أكثر من مرة احتجاجا على التهميش الذي يتعرضون له، وعدم اهتمام السياسيين الصهاينة بإعادة تأهيلهم لسوق العمل ودمجهم في المجتمع الصهيوني الذي يرسمون له صورة وردية في كل انحاء العالم، بل ظل يهود أثيوبيا يعيشون كجماعات جيتو جديدة على أطراف المدن وفي احياء فقيرة أحيانا من الصفيح، يشكون من الجهل والفقر والمرض وارتفاع معدلات الجريمة بينهم.
اللافت للنظر أيضا هذه المرة هو ارتفاع أصوات البعض داخل إسرائيل تستنكر على يهود إثيوبيا هذه الاحتجاجات، وتصفهم بالزنوج والعبيد الذين يجب ان يقبلوا ما يمنحه لهم اليهودي النقي/ الأبيض/ المختار! ورغم–كما قلنا- إن معظم الجماعات اليهودية المهاجرة لأرض فلسطين مشكوك في خلفيتها العرقية والدينية، على عكس يهود الفلاشا أصحاب التاريخ الطويل المتصل نتيجة انعزالهم بعيدا عن أحداث فلسطين القديمة والحديثة، إلا أن هناك من يثير مشكلة تنصرهم في العصر الحديث كمبرر للتعالي عليهم، حيث أن المجموعة كانت قد تعرضت لحملات التبشير التي صاحبت الاستعمار الغربي الحديث لأفريقيا، ورغم حصولهم على اعتراف ديني من المرجعيات الدينية اليهودية في إسرائيل، إلا ان شبح العنصرية العرقية والدينية والتعالي مازال يطاردهم بقوة.
بيت القصيد هنا أن ملف يهود الفلاشا والتعامل العنصري معهم من قبل إسرائيل ونخبها، يمكن توظيفه لضرب صورة اليهودي الأصفر المظلوم والمطارد والمقهور التي روجت لها الصهيونية في أفريقيا كمدخل محدد للمشتركات مع القارة السمراء، بوصف القارة السمراء تعرضت لأكبر حملة اضطهاد وتمييز عبر التاريخ، في فترة الاستعمار الغربي الحديث وكان الإنسان صاحب البشرة السودداء يعامل معاملة غير إنسانية تماما حتى وقت قريب في القرن الماضي، من هنا يمكن تسليط الضوء على صورة الصهيونية العنصرية وتقديمها كامتداد لصورة الرجل الأبيض المتعالي، واستعادة بعض المساحات التي كسبتها الصهيونية في أفريقيا والعالم كله..
كما يمكن الاستفادة من ذلك على المستوى السياسي في ملف أثيوبيا والعلاقات المصرية العربية معها، ويمكن اتخاذ ذلك تكأة لاستعادة المساحات في الدول التي تغلغلت فيها الصهيونية على حساب التاريخ المصري ووجوده في القارة السمراء..
كشفت الصهيونية بنفسها عن وجهها العنصري الأبيض تجاه أصحاب البشرة السمراء، حتى ممن يحسبون دينيا وتاريخيا على اليهودية، وهى فرصة ليست هينة وثغرة ليست صغيرة في آلة الدعاية الصهيوينة وصورتها التي تسعى لنشرها في العالم، كواحة للديمقراطية والرخاء والتقدم.
وفي الوقت نفسه يمكن للداخل الفلسطيني من خلال التمثلات السياسية العربية التي تعبر عن مصالح العرب تحت الاحتلال والمطالبة بها في مؤسسات الدولة الإسرائيلية، أن تمد جسور التواصل مع يهود أثيوبيا والعمل على ملف التمييز العنصري تجاه الجماعات المغايرة للنمط التقليدي السائد لليهودي الأبيض المتفوق..
نقطتان يمكن للعرب العمل عليهما وتوظيف ثورة الفلاشا لصالحهم؛ على المستوى الدبلوماسي والثقافي وإبراز صورة اليهودي الأبيض العنصري وليس اليهودي الأصفر الذي اضطهده هتلر، وعلى المستوى الفلسطيني يمكن تعزيز مساحات التعاون والعمل المشترك مع يهود أثيوبيا، الذين يحلو لبعض الصهاينة العنصريين أن يطلق عليهم "زنوج إسرائيل".