كيف تنهب المحاصيل المتبقية في غربي كردستان؟ 2/2

محمود عباس
2019 / 7 / 15


بالاطلاع على تقارير المؤسسة السورية للحبوب، واستعداداتها، والأرقام المطروحة، تبين وكأننا أمام سلطة إنسانية تحمل هم المزارعين، وتقف على المشاكل المحتملة وبشكل حضاري، ولا يوجد هناك شيء اسمه النهب والإجرام وتدمير البنية التحتية للشعب. ولكن ما يظهر على العلن ويجري في المراكز، وتصاريح شريحة من المزارعين، وحديث الشارع الكردي، تبين أن مجتمعنا أمام نظام أجرامي يمص دم الشعب، ويدفعه إلى الفقر ومن ثم الهجرة، وهناك إدارة كردية تصمت أو تساير الكارثة، تحت حجج لم تعد مقبولة، وعليها أن تدرك أنها أمام مرحلة مصيرية لا تقل عن مرحلة القضاء على داعش عسكرياً، مرحلة وجود أو عدمه.
1- قال مدير فرع مؤسسة الحبوب في القامشلي، أن المؤسسة حددت مركزين للشراء جرمز والصوامع، إلى جانب مطحنتي الجزيرة في القامشلي ومطحنة الحسكة بمعدل 700 طن يوميا، لكن في الواقع هذه المراكز ظلت وهمية، فقط مركز جرمز هو الوحيد الذي فتح للشراء، وهي كما ذكرنا تستقبل المئات من قاطرات تجار الحروب وبعد أن تنتهي منهم تقوم باستقبال محاصيل الفلاحين، بعدما يتم ترضية الجميع: ضابط الدور، وموظف التقييم والسجلات، وغيرهم بالرشاوي الضخمة، والتي أصبحت شبه رسمية في مركز جرمز.
2- من أصل 41 مركزاً لتخزين وشراء الحبوب و34 صومعة معدنية، و8 صوامع بتونية كبيرة في محافظة الحسكة، ومعظمها تحت سيطرة الإدارة الذاتية، وبالتأكيد للسلطة هيمنة غير مباشرة عليهم وبإمكانهما استخدام معظم هذه الأماكن كمراكز للشراء، لكن الطرفين وكأنه بينهما اتفاق ما لم يفتحوا سوى مركزين فقط.
3- حددت فترة عمليات صرف قيم القمح بين يوم وثلاثة أيام كحد أقصى، وفي الواقع هذه المدة هي لتجار وسماسرة المحافظ والقاطرجي، أما للفلاحين يقول البعض منهم أنه مر على يوم الاستلام أكثر من أسبوعين ولا نزال ننتظر، وهذا أسلوب أخر للرشاوي، فالذي يدفع سيستلم بشكل أسرع.
4- وذكر أن الدولة خصصت قرابة مليونين و630 ألف كيس للموسم الحالي، ذات الجودة المتدنية، والتي تؤدي إلى مشاكل إضافية للمزارعين وخسائر كميات من المحصول، وزعت نصفها على السماسرة ومافيات الحرب، فأصبحت مفقودة في مراكز الدولة، رغم أنها تدعي أنه لديها فائض في الأكياس، والمزارعون لا يحصلون عليها، فاضطروا إلى شرائها أ من الأسواق السوداء، بضعفي تسعيرة الدولة، أي بقيمة 1400 ليرة سورية للكيس الواحد، وهي نفس الأكياس التي كان من الواجب أن يحصل عليها المزارع من المركز بـ 700 ليرة، كما وحصل تناقض بين الثمن وكيف سيقتطع من ثمن المحاصيل، ليس بسعر السوق السوداء، ولا بنصف سعر الدولة، رغم احتفاظ المركز بالأكياس، ولا يعوضون الفلاحين إلا عن جزء بسيط منه، إن لم تم تؤخذ كرشاوي.
5- لا شك ذكروا أنهم رصدوا قرابة 70 مليار ليرة سورة لشراء الشعير، و400 مليار للقمح، مع ذلك تتأخر فترة الدفع، وبالمقابل وضعت برامج للنهب بحيث سيرجع نصف هذا المبلغ إلى جيوب موظفي المركز وسماسرة السلطة وتجار الحروب، وبالتالي الفلاحون سيخرجون من عملية البيع وهم في عوز أمام الموسم القادم، من البذار والسماد وثمن الفلاحة، والأكياس، والأدوية المعقمة، إلى غيرها من الإشكاليات.
6- كما وأن هيئة الاقتصاد والزراعة في الإدارة الذاتية أعلنت أنها رصدت قرابة 200 مليون دولار لعمليات الشراء، لكن ما تم، هو أن الإدارة الذاتية توقفت عن الشراء، تحت حجة شح السيولة المادية، ولا يعقل أنها صرفت المبلغ المذكور.
7- على المزارعين والفلاحين أن يمروا على أربعة حواجز للسلطة على الأقل، حسب بعد قراهم، فعلى سبيل المثال قرى منطقة شرقي قامشلو يسلكون إما الطريق الدولي، أو من دوار الزور، والاتجاهان يمران من حارة الطي إلى مركز النظام، وعليهم أن يدفعوا لكل حاجز مبلغا دسما، وقبلها عليهم أن يدفعوا أجرة النقل بأضعاف ما كان يدفعونه في السنوات الماضية وهي تتراوح ما بين 350-450 ألف ليرة سورية للقاطرة والمقطورة، لأن معظم الناقلات محجوزة لتجار الحروب وقوافلهم القادمة من منطقتي الرقة والطبقة وربما ديرالزور، إلى جانب ما يشترونه من منطقة القامشلي، وجميعها تتجمع في المركز الوحيد المذكور، المكان الذي تبدأ فيها الطامة الكبرى، فلئلا يقللون من نوعية القمح، ولا يأخرونهم عن الدور، عليهم أن يدفعوا ما بين 100 إلى 150 ألف ليرة سورية على كل قاطرة، لضابط الدور، ومثلها لموظف التقييم، ومبلغ إضافي للذين وراء الطاولة والذين يمررون ويجهزون الأوراق، ونحن هنا لا نتحدث عن أجور العتالين، المصاريف الجانبية، وبدون هذه الرشاوي فإن محصوله ستظل جامدة على القاطرة ليومين وأكثر أمام باب المركز، وهذا ما يحصل عادة، لأن قاطرات المحافظ وقاطرجي تبلغ يوميا قرابة المئة سيارة إلى مركز جرمز، وبالتالي يضطر المزارعين الكرد إلى دفع تكاليف إضافية على الحمولة، وهي قرابة 25 ألف ليرة سورية إضافية لليوم الواحد.
8- وبالتالي عندما يأتي مرحلة استلام المصاري، عليه أن يدفع إكرامية كما يقال، وهي ضريبة لا مفر منها.
9- وللتغطية على هذا الفساد المستشري، نشرت السلطة ومثلها الإدارة الذاتية، أو سكتت عليها، أنهما يقومان ببيع البذار للمزارعين بقيمة تقل 45% من القيمة التي يمكن أن تبيعها للمنظمات الدولية، متناسية أنها تنافق على أنها تشتري بقيمة تقل بـ 25% من سعر السوق السوداء، والسوق السوداء هي لتجار الحرب السوريين وهم سماسرة السلطة أو المسؤولين فيها. ولا تقارنها بثمنها في الأسواق العالمية، فهي تشتري نفس القمح من المزارعين بقيمة أقل بـ 200% من ثمن القمح القاسي في الأسواق العالمية، كما وهي عمليا تعيد محصول المزارع إليه، بعدما أشترت منه بنصف ما تبيعه له كبذار تحت حجة تمريرها تحت التعقيم والتحضير للبذار.
وبالتالي يخرج الفلاح والمزارع الكردي من المركز منهكا، يحمل الأسف والأسى، على عدم بيع محصوله بأقل الأسعار لتجار وسماسرة المحافظ وقاطرجي، ويقال أحيانا بينهم من الإدارة الذاتية أيضا أو يحتمون تحت أسمها، أو لربما تنشر هذه الأخيرة لتقاعس مسؤولي الإدارة من القيام بعمل شيء أمام هذه الكارثة، مثلما لم تقدم على أي عمل للوقوف في وجه مرسوم السلطة، والذي فرض على المصرف الزراعي إجبار المزارعين الذين سيبيعون في مراكز الدولة، دفع الديون المترتبة عليهم وبفوائد فاحشة، بعد تغطية إعلامية تجميلية منافقة، بأنها قسطت الديون على مدى عشر سنوات.
وفي الجهة الأخرى علينا ألا ننسى نتائج حرب الأسعار الوهمية ما بني السلطة والإدارة الذاتية، والتي خلقت مشاكل عديدة للفلاحين، في الوقت الذي كان يجب أن تخلق منافسة للسوق بين الجهتين، وتعيد بالمنفعة للفلاحين، لكنها وللأسف وبسبب السعر وأساليب التعامل بين السلطة والإدارة وتعاملهما مع الفلاحين أصبحت طامة أن لم تكن كارثة عكست على الشعب، فقد كانت لكل جهة حججها في تحديد سعر الشراء ما بين 180 للنظام و160 للإدارة الذاتية، علما أن هذا السعر هو السقف الأعلى لأجود نوع، وهذا ما لا يحصل عليه أي مزارع مهما بلغ جودة قمحه، في الوقت الذي يقال إن السماسرة وتجار الحروب يحصلون عليها بسهولة. وعلينا ألا ننسى إشكالية الأكياس، وثمنها وتعويضها والذي أصبح ملغيا في معظم الحالات.
ومن المؤلم أن الإدارة الذاتية والتي يعول عليها تقديم خدمات أفضل من النظام، والحد من تجاوزات دوائر السلطة ومن خباثة السماسرة وتجار الحروب، الذين فاقت رائحتهم في كل المنطقة، والذين أصبحوا يتحكمون بأسواق كل البضائع، وحتى بلقمة الفقراء، أنها لا تقدم على عمل يسهل للمواطنين حياتهم، ونحن هنا لا نتحدث عن الخدمات، كالماء وتنظيف المدن وحولها، وتعبيد الطرقات، وغيرها من البنية التحتية، بل كميات الضرائب على المواطنين بدءا من المزارعين والفلاحين إلى أصحاب المحلات الاستهلاكية، ففي الوقت الذي تأمل الجميع خيرا أنها قامت بجرد واسع للخسائر التي حصلت للفلاحين، والكميات المتوقعة تحصلها، والمساحات المحروقة، وعلى أنها ستقوم بتعويضهم وبنسب مناسبة، ولكن تبينت بعد تصعيد الضرائب أنهم سيعوضون الفلاحين المتضررين على مساحة الأرض المحروقة، وليست على كمية الخسائر، فعلى كل 10 هكتارات على سبيل المثال سيحصل الفلاح على ثمن 10 أكياس قمح، أي بحدود 150 ألف ليرة سورية، في الواقع خسائر 10 هكتارات حسب الموسم الجاري تصل قرابة 5 مليون ليرة سورية، والتعويضات ستدفع:
1- من أموال الجباية على المحلات والمطاعم والدكاكين، وليست من المساعدات الخارجية ويقال إن الملايين من الدولارات دخلت المنطقة.
2- وليست من أموال بيع النفط والغاز على سبيل المثال، والتي يجب أن تكون بينها وبين السلطة حصة ما بين 40 و60% على الأقل للخدمات التي تقدمها لسوريا، وحيث تأمين النفط الخام في المناطق التي حررتها من داعش، أو التي ترسل من المناطق الكردية.
3- أو من محاولات إقناع منظمات إنسانية عالمية للمساعدة، أو حتى من دول كبرى كأمريكا وهي حاضرة في المنطقة وعيونها ترى ما يجري، أو ربما عليهم عقد مؤتمرات كالتي تمت من أجل محاكمة عناصر داعش في عاموده، والتي لا بد وأن يحاكموا ضمن جغرافي جنوب غربي كردستان، لجلب انتباه العالم على ما قدمه الشعب الكردي من خدمات للبشرية ولهذه الإشكالية الاقتصادية الكارثية، ولربما يكون حافزا لتعريفهم عل ما يجري لهذا الشعب على خلفية ما قدموه.
فلاحينا الذين لم تحترق محاصيلهم في الجزيرة يكاد يعانون مثل ما يعانيه المحروق محصوله، الكوارث مصادرها واحدة، حتى ولو كانت ذات وجهين، ومن يغمض عينيه عن هذا الفساد المخطط، وعن الغاية الأبعد من الطعن في محصول سنة، يساهم المتآمرين في محاولاتهم القضاء على مكاسب الأمة الكردية في جنوب غربي كردستان.
ولا شك النظام الذي دمر سوريا ليس صعبا عليه تدمير الجزيرة عن بكرة أبيها، ومثلها المعارضة التكفيرية المرتزقة، فمن الجهالة الطلب من المجرمين وتجار الحروب الإنصاف والعدل والنزاهة في العمل، لهذا فالمطلوب من القائمين على الإدارة الذاتية وخاصة الواعين والحريصين منهم على مستقبل الشعب، الوقوف في وجه هذه التجاوزات الإجرامية، والعمل للحد من الفساد، فلا يكفي أن يتم من جهة الدعاية على أنه تجري محاولات التعويض للمتضررين، بعدما تم دراسة الخسائر، ومن جهة أخرى جمع الضرائب التصاعدية من بين فترة وأخرى من أصحاب المحلات ذوي الدخل المتوسط أو الأدنى، وترك تجار الحروب يكدسون الأرباح أمام أعين الجماهير، وجميعهم معروفين للشارع الكردي.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
10/7/2019م