رسائل المشترى: الرسالة الثانية

مختار سعد شحاته
2019 / 7 / 15

الرسالة الثانية:
عزيزي المشترى، مساؤك عنبر...
ثم أما بعد؛
سمحت لنفسي كما وعدتك أن يسبقك الوصف (عزيزي)، مؤكدة لك على احترامي لكلمتي معك، وإن كنا في زمن يعز فيه احترام الكلمة كثيرا أيها العزيز المشترى.
بالأمس حلمت بك؛ يُسمح لك بالضحك مني الآن، فكيف لحبة رمل أن تحلم؟! وكيف يجوز أن يشطح بي الخيال بعيدا هكذا لأحلم؟! لا عليك، اضحك، أو ابتسم حتى، فهذا أمر نادر في حقيقته في دنيانا هنا حيث نكون، بينما أنت في عليائك لا أعرف إن كنتم تضحكون أو تبتسمون أو حتى تحزنون وتبكون. أتصدقني لو قلت لك كثيرًا ما شعرت تجاه البشر هنا بالقرف، نعم قرف مجرد خام تمامًا، يصلح أن يكون مادة يتم تصنيعها للتوزيع على كل الكائنات ما عدا البشر، قرف من هؤلاء الذين ينزعون عنا (نحن المصمتون) كل شيء يوحي بالحياة، فهم وحدهم مسموح لهم بأن يحبوا ويكرهوا ويبتسموا ويحزنوا بل ويحلموا. يا للأنانية!!
أيها العزيز؛ مشتراي،
ألا تتفق معي في ذلك؟ ألا تحلم؟ ألا تسعد وتشقى؟ لا عليك إن لم تحب الإجابة أو شعرت بالحرج معي ومع تساؤلاتي تلك، لكن ظني أن الموجودات كلها لها نفس الانفعالات والمشاعر، غير أن تعاطيها يختلف، وأن هؤلاء البشر لكونهم مساكين ولا يستطيعون صبرًا، منحتهم روح الكون هذه الخصيصة، فينطلقوا معبرين عن انفعالاتهم بسلوكيات شتى.
قبل أن أنسى، استشعرت مفردة (روح الكون) من الجميلة التي تجالسني هنا على الدوام، والحقيقة أنني استشعرت منها كذلك جرأتي للحديث إليك عبر تلك الرسائل، وهذا من باب رد الحق إلى أهله.
المشترى يانع الضياء والنور؛
مرت ساعات وأنا أطالع صورتك ورسالتك التي جاءتني، دققت كثيرًا لساعات في كل تفاصيلها، مرة قرأتها بقلق، وأخرى قرأتها بنشوة؛ إذ كيف لمثلي حبة رمل أن تفلح في جذب انتباهك أيها الفريد؟! وذلك ما دعاني لإخفاء رسالتك، خبأتها حيث لا يتسنى لمخلوق غيري أن يصل إليها، قرأتها عشرات المرات ثم رحتُ أعيدها كنص مقدس واجب الحفظ، ولما اطمئن قلبي، قمت بحرقها ثم طيرتها إلى مجرى النيل العظيم، وأنت تعرف عن نيلنا هنا كيف يحفظ الأسرار، ويحمل في قاعه الكثير والكثير منها. لا تخف يا عزيزي، أحفظ رسالتك جيدًا، حتى أنني حين ضغطني خنصر الجميلة التي تجلس هنا تناجيك مثلي، أفلحت في تمرير رسالتك إلى مسامها، فانطلقت كلماتك في دمها تجري، وضمنت بذلك مستودعًا آخر لسري إلى جوار النيل. أنت تعرف الآن أين خبأت رسالتك الغالية، تجدها في مجرى النيل مستودع الأسرار، ومجرى دم الجميلة الذي ينتهي إلى قلبها مباشرة.
المشترى القريب؛
لا تخف؛ قلب الجميلة ويالجماله، ورغم كونه محفوف بحزن كبير، لكنه طيب المُحيا، رؤوم، وظني أنه يستحق أن تسكنه رسائل تنشر السعادة في حناياه كرسالتك تلك إليّ. صدقني هي تستحق تلك السعادة المفرطة التي بعثتها كلماتك.
دعني هنا أمنحك بعضًا من حزنها، لا لتحزن، لكن لنتشارك معها هذا الكرب العظيم، فالحزن لا يفله إلا السعادة، وأنت تمنحها بسخاء ورضا فريد، ومثلها لا ينبغي لها الحزن أن يأتيها من أي اتجاه. هي خلق يستحق السعادة بإنصاف متى كان في عالمنا هنا إنصاف.
أتعرف يا نجمي الأثير؛ سمعتها ذات مرة تتحدث إلى الروح الأولى للكون، تمنت أمرًا بسيطًا للغاية، ولا أعرف كيف جعلته دنيانا هنا عسيرًا إلى هذه الدرجة؛ تمنت، وفقط، لو أن حبيبًا يضمها إليه، فقط ضمة السكون والسكينة، لا ضمة اللهفة والشوق، يضمها فيأخذها إلى حيث لا رجاء ولا أمل، لا فرح ولا حزن، حيث السكون الأول العدمي، فلا حزن ينبت على جدار الروح، ولا مستحيلاً يعذب القلوب. أكان مستحيلاً إلى هذه الدرجة؟! يا الله!! كان مجرد حضن لا أكثر!!
أيها المشترى العظيم؛
أكرر سعادتي برسالتك، أكررها كلما صاح ديك أو دندنت يمامة بالرضا، وأغمض عين روحي على ما بين سطورها مما لم تكتب، لكني أستنطقته بين السطور، وأروح معها حيث أنت هناك في البعيد، لا تفصلني المسافات عنك، فأراك حينها في كل ما حولي، وأبينُ ما أراك، حين أراك في بؤبؤ عين تلك الجميلة التي اختارتك دون الموجودات لتكون لك ابنة، فصارت (ابنة المشترى)، فهنيئًا لك بها، وهنيئًا لي بقربك وعينيها حيث تسكن أيها العظيم.
بقى أن أقول؛ أنتظر رسالتك القادمة، وأعدك كما طلبت أن أبحث عن السعادة على الدوام، وأن أقبض جذوة نورها ولو للحظات.
ابق عظيمًا كما أنت، وقريبًا مني بعيدًا عن مكاني هنا فوق سطح البيت في جوار النيل البديع.
تحياتي، واسمح لي بقبلة على جبين طالعك السعيد.
حبة الرمل فوق سطح بيت في جوار النيل.
❤--------️--------
ماتغروسو دي سول، البرازيل
14 يوليو 2019م.