مناقشة ديوان سرايا في دار الفاروق

رائد الحواري
2019 / 7 / 15

مناقشة ديوان سرايا في دار الفاروق
ضمن الجلسة نصف الشهرية التي تعقدها اللجنة الثقافية في دار الفاروق تم مناقشة ديوان "سرايا" للشاعر الفلسطيني خليل عانيني، وقد افتتح الجلسة الروائي محمد عبد الله البيتاوي، منوهًا إلى أن هذا الديوان هو باكورة أعمال الشاعر، ورغم تواضع حجمه، إلا أننا نجد فيه ما يميزه من خلال استخدام الشاعر للتراث الشعبي.
ثم فتح باب النقاش فتحدث الشاعر عمار دويكات عن الحكاية والأصوات في ديوان (سرايا) قائلاً: هل فعلاً ما زال كثير من كُتابنا لا يفرقون بين مسميات النصوص الأدبية !!، فأنا سأظل أحتفظ وأدافع عن الشعر مصلحًا وممارسًا، وليس هذا من قبيل التقليل بالنصوص الأخرى، فقد يكون هناك نصوصٌ نثريةٌ تفوق آلاف الأبيات الشعرية، ولكن يجب تسمية الأمور بمسمياتها. ثلاثةٌ وثلاثون نصًا نثريًا أدبيًا تتفاوت في جودتها تتحد في رؤاها واستخدامها التراث والتناص والحكاية، ولعل هذا الشيء بالتحديد أعطاها الحيوية والمتعة. أما اللغة فجاءت سهلة تحمل في مفرداتها الطبيعة ما بين جبل وسهل وقمح وبيادر و ريح و رياح و وغيرها من العناصر الجميلة والتي استخدمها الكاتب وسط حالة نفسية وواقعية مؤلمة، ولعل ذلك بُغيت التخفيف من هذا الألم. هناك صوت طفولي يعلوا أحيانًا ويخفت أحيانًا، هي حالة اللاشعور في الكاتب التي استمدها من عمره وحنينه ووطنه. هناك وحدة كاملة وانسجام وشاعرية متفاوتة على طول خط الرسم البياني للنصوص، ذلك يرجع للعنوان الذي استمده الكاتب من تراثنا، وأود الإشارة هنا أن هناك حكاية تشبهها في التراث الألماني وهي حكاية (رابونزل) من كتابة الأخوين غريم 1870م والتي تم إخراجها كفيلم كرتوني في "استوديوهات وايت ديزني" الأمريكية بتكلفة260ملون دولار عام2010، وهذا يعطينا الدليل الحي أن الشعوب والأمم عليها المحافظة على موروثها الحكائي والتراثي فهو يبقى جزء من حياة تلك الشعوب. في قصيدة "لا شيء يشبهني" رأيت التقارب إلى درجة الالتصاق مع قصيدة محمود درويش "لا شيء يعجبني" وخاصة في بدايتها. ثم أن الكاتب كان يخرج أحيانًا عن الانسجام في اختيار الكلمات ودلالاتها فمثلاً في قصيدة: "سرايا ضباب" المقطع الرابع ص17 في قوله: "يا للعجب سرايا غيمة لها ثديين كالجبليين واحد يروي الغروب وآخر يروي السهول لها نبع لا يزول سرايا في الجبل تدور حول الكهف..." هنا نجد التناقض في استخدام الكلمة فكيف أن لسرايا ثديين كالجليين ثم يحتويها جبل آخر!! فلو كان بدل كلمة "سرايا في الجبل" قال: سرايا في الأفق لكان مقنعًا أكثر. وفي قصيدة "كلا والقمر" ص21 يقول الكاتب: "ولكني بقيت خلف الغيم أكتب بالدماء بنور الصبح أرسمه حتى الغياب.. لماذا يكتب بالدماء حالة صعبة ومنفرّة. وكذلك عندما قال الكاتب (عيناك جمرتان) كان التشبيه مؤذيًا!! كذلك ركز الكاتب على القمح في نيسان مع العلم أن القمح يحصد ويولد في أوائل أيار في غالبه ص20. لقد غابت الموسيقى والسلاسة في كثير من النصوص، مما جعلها سردية أكثر من شاعرية، باستثناء بعض النصوص مثل "لا باب" ص56 و"لا تبتعد " ص57. في مُجمل النصوص نستطيع القول أن الكاتب استطاع استخدام حكاية تراثية واحدة في أكثر من موقع وجعل دلالاتها تشير إلى التنوع الواقعي بكل آلامه وآماله.
وتحدث الفنان سمير عودة فقال: ميزة ديوان سرايا أنه يتناول حكاية شعبية، تراثية، لهذا نجد حضور للطبيعة وللمرأة في الديوان، وأضاف أتوقع للشاعر ـ لو أنه يكتب مسرحية، أو يمسرح الديوان ـ فسيكون هناك ما هو مذهل، فنحن نفتقد للتراث الشعبي في الأعمال المسرحية.
وتحدث رائد الحوري فقال: ميزة الديوان المتعة التي يحصل عليها القارئ، فمهما كانت ثقافة القارئ إلا أنه يستمتع به، ويصل إلى المضمون الذي طرحه الشاعر، كما أن تغريب الحكاية التراثية "زرقاء اليمامة" يجعلنا نتوقف عنها متفكرين فيها، وإذا ما أضفنا حضور المرأة وما تمنحه من هدوء وسكينة فإن هذا الحضور عمل على خلق/إيجاد توازن مع العنف الصخب الكامن في الديوان.
وتحدث الأستاذ سامي مروح فقال: أبدع الشاعر في ديوان سرايا (بنت الغول) الذي غرب الحدث/البحث عن سرايا، من يقرأ الديوان يجد الثقافة الشعبية والتراثية والأسطورية التي تميز الشاعر، كما أننا نجد في مقدمة الديوان ما يقترب من القصة القصيرة لو تم إجراء بعض التعديلات والإضافات، فزخم التراثي الشعبي يجعله ديوان ليس بإمكان أي شاعر أن يأتي بمثله.
وتحدث الشاعر مهند ضميدي فقال: "بداية سأقدم قراءتي بناء على ثلاث أبعاد أساسية الأولى نقد البناء الأدبي الشعري والثانية البعد الفلسفي والثالثة البعد العاطفي . من الناحية الأدبية وجدت أن الشاعر يكتب شعر التفعيلة في هذا الديوان، وقد سررت ببعض ما كتب ولكن البعض الآخر وكان هو الأغلب فلم تسلم نصوصه من الأخطاء النحوية والهفوات والزلات العروضية وهذا ما استغربته، إضافة إلى أن الشاعر لم يوفق في التصوير الفني لبعض القصائد وبعضًا منها كان فيه حشوًا كثيرًا لا لزوم له.. وهناك قصائد أخرى ذات طابع وطني قومي وجدت أن الشاعر قد وفق فيها، ونرجع السبب إلى أن الإنسان عندما يكتب عن أمور تلمس قلبه مباشرة يبدأ بوصف حالة وليس كتابة شعر، وكان هذا نقد وجه لي من أستاذي فراس حج محمد على قصيدة عاطفية كتبتها وأرسلتها له مرة. أما البعد الفلسفي نجد أن الشاعر قد تناول أيقونة معينة وهي "سرايا " فربما هي تعني له الكثير فقد وجدها في عدة أماكن في حياته وذاكرته، وهذه فلسفة الإنسان في سبيل التعبير عن الرأي فيأخذ فكرة معينة أو رمز ويجده في كل مكان ويعني له الكثير، وأنا شخصيًا أحب هذه القصة التي تتحدث عن الفتاة الشقراء الجميلة ذات الضفائر الطويلة وصاحبة البرج وحبيسة الساحرة أو الغول فهي تعني لي الكثير وأنا أشكر عبقرية مؤلفها. استخدمها الشاعر ليصف معاناة معينة يشكو منها وعن قضايا أخرى تشغله فكانت هذه الفتاة هي العقدة الأساسية في كل قصيدة تقريبًا والشاهد والراوي الوحيد، تمنيت لو كان توظيف هذه القصة بشكل إبداعي أكثر. أما البعد العاطفي فكان الديوان مليء بالمشاعر الجياشة والحزن والفرح ربما والأمل، فقد لمس الشاعر حالة عاطفية عاشها ولا يزال يعيشها. أتمنى له التوفيق في الإبداعات القادمة إن شاء الله.
أما الشاعر فراس حج محمد فقد طرح مجموعة من الملاحظات: صنعة الديوان كانت متقنة، حيث جاءت القصائد منسجمة فيما بينها تتمحور حول منهجية محددة، فالديوان منسجم الإيقاع، ولا يوجد فيه (شواذ) تخرجه عن مساره اللغوي أو مضمونه الفكري، حضور سرايا في العديد من القصائد أسهم في إضافة جمالية عاليه، العتبات التي تستوقفنا، عتبه ما يسبق النص، العتبة الأولى صورة الغلاف، وهي تشير إلى فكرة ومضمن الديوان، فرمزية المرأة التي تعني الخصب والتجدد في الحياة، العتبة الثانية الإهداء إلى أمه، فهي امرأة، وهي سرايا، وهذا الجمع والتوحد بين الأم وسرايا والمرأة يخدم فكرة انسجام الديوان، العتبة الثالثة مقتطف شعري لعبد اللطيف عقل، وهنا يربط الشاعر بينه وبين اميل حبيبي وعبد اللطيف عقل عندما قال أن الديوان يأخذ بعدًا فلسطينيًا، من هنا أقول على كل كاتب أن يرى في كتاباته اهو جديد، ما يضيف إلى المشهد الأدبي جمالية تميزه عما سبقه في الأعمال السابقة، العتبة الرابعة، وضع مقتبس من قول عمر النايف في خلفية الديوان. كل هذا يسهم في فتح آفاق أمامنا عندما ندخل إلى متن الديوان.
ثم تحدثت القاصة فاطمة عبد الله قائلة: يركز الشاعر في هذا الديوان على الأرض والقضايا الوطنية، فأنا أرى سرايا تساوي المرأة، أسطورة فلسطينية، والغول يمثل الشر الذي لحق بها، فهناك صراع بين المرأة/ سرايا والغول، فالحديث عن سرايا في العديد من القصائد يشير إلى تعلق وارتباط الشاعر بها، بفلسطين/ بالأرض/ بالمرأة، كما أن وجود الصور الشعرية منح الديوان لمس جمالية تضاف إلى جمالية التراثية والشعبية فيه.
ثم تحدث الشاعر "خليل عانيني" معقبًا على مداخلات المشاركين فقال: أنا سعيد جدًا بهذا اللقاء الحميم، وبهذا القراءات المتنوعة والمتعددة للديوان، وأتمنى أن نلتقي في عمل شعري آخر، وأضاف: الحديث عن استقلالية النص عن الكاتب هو كذبه/ خدعة، فهناك علاقة تربط الكاتب بما يكتبه، وعلى الكاتب أن يكون نصه قابل للتأويل. كافة القصائد في الديوان لها مناسبات/ دوافع فهي لم تكتب جزافًا، أو للتسلية، سرايا بالنسبة لي ليست امرأة فقط، هي حبي للحكاية الشعبية، لكنها لم تأتي بعين الحكاية الشعبية، فهي في الديوان لم ترجع، وبقيت في غربتها/ أسرها، من هنا يمكن أن يثار القارئ الذي سيفكر ويبحث عن هذا التغريب لحدث الحكاية الشعبية.
وقد حضر اللقاء كلاً من الشاعر جميل دويكات، والشاعر اسماعيل حج محمد، والكاتب همام طوباسي، وفي نهاية اللقاء تم الاتفاق على أن تكون الجلسة القادمة يوم السبت الموافق 27/7 لمناقشة ديوان ما يشبه الرثاء للشاعر الفلسطيني فراس حج محمد.