تغيير الفكر الدينى

ميشيل نجيب
2019 / 7 / 14

من الصعب أن تكتب عن الإصلاح والتنوير والحداثة والتقدم وعالم الفضاء والعلوم والفلسفات الإنسانية وسط مناخ دينى متعصب، فالفرد المؤمن بدين معين وتشكل العصبية التى هى بداية درجات العنصرية أخلاقه الدينية، ليس لديه أستعداد لقراءة الثقافات الإنسانية لأنها مرفوضة أصلاً فى معتقده الدينى، ولا يعتمد عليها لأن النصوص الدينية علمته وجود أهل العلم الدينى الذين يتولون تلقينه وتحفيظه ونقل علوم الله إليه، وطالما ان أغلبية المجتمعات العربية تعتمد فى فهمها للعالم الذى يحيط بها على ما تسمعه من أهل وفقهاء الدين، فلن تستطيع إيجاد قنوات إتصال صالحة يستمع من خلالها إلى عالم اليوم وعلومه وثقافاته الحديثة، فالسلوكيات الفردية اليومية تخضع إلى نشأة تربوية دينية تعطيك الحق فى الفخر بمكانتك الأعلى فوق الآخرين الذين لا يشاركونك الإيمان بدينك.

لكن عندما يعلن الرئيس المصرى بضرورة تجديد الفكر الدينى ويتمعن المسلم فى كلماته ثم يتذكر عشرات الآئمة وخطباء المساجد، على مدار سنوات طويله من حياته يرددون نفس الأفكار ونفس العقيدة ونفس النصوص، سيسأل المسلم العادى نفسه: أى أفكار سيتم تجديدها، هل ما كان الفقهاء والخطباء يلقونه على مسامعه طوال السنوات الماضية كانت أفكارة قديمة بالية وليس من الإسلام؟ أتق الله يا أخى ووحد الله!!

هذا ما يدور فى أذهان الغالبية التى تتلقى أسس وأصول دينها عن فقهاء وعلماء دينيين من كبار العلماء من الخليج والسعودية ومصر وغيرها، عن طريق القنوات الفضائية والبرامج اليومية التى تبث القراءات والحوارات الدينية التى تناقش القضايا اليومية التى يتكلم فيها المثقفين وغيرهم.

إذا رجعنا إلى وسائل الأتصال الإجتماعى للمؤسسات الدينية سنجد أن رجال الدين يستبدلون خطاباتهم الأعتيادية بخطابات عن الإسلام الوسطى" مبدأ التقية" المتسامح الذى يكفل حرية الأعتقاد ويأمر بالمعروف، ولديهم تراث كبير من الأحاديث وتفاسير الفقهاء الكبار الذين يشرحون لك أن الإسلام دين هداية للتى هى أحسن وديانة قائمة على التوحيد والرحمة والسلام والفطرة، أى أنها ديانة تنسجم مع متطلبات الإنسان الحديث حيث تأمر بالعلم والتفكير والإجتهاد البشرى، وهى التى لديها مجموعة من العلماء الكبار، تعلم منهم الغرب الكافر وأستفاد من علوم المسلمين وصنع بها حضارته الحالية،وأستخدم العقل الذى أعطاهم القوة لإلغاء دور الكنيسة ورجالها، ولولا أن الغرب وضع الحدود التى تعطى الحرية للعبادة وممارسة العقيدة للكنيسة، أما السياسة ومسئولية الحكم فى الدولة هى مسئولية الشعب.. ولولا هذا لما صنع الغرب تقدمه وتغلب على الجهل والفقر والأستبداد ودكتاتورية رجال الدين.

ويستمر الخطباء وأهل العلم الدينى فى إعلان هذا الخطاب الوسطى السمح ليكون متوازناً مع رغبة التجديد السياسية للحاكم التى يرددها الجميع، رغم أن مجتمعاتهم تؤمن بالوحدانية فإن أفكارها مأزومة وتجاهد من أجل الخروج من مشكلة التعددية، لأن الدين عند الله الإسلام والله واحد لا شريك له، فكيف تطالبنى بالإيمان بالتعددية وأعتبار الآخرين ليسوا كفاراً؟ من يقبل على نفسه تلك الأزدواجية وأن يكفر بوحدانية الله؟
وعندما يبدأ فى توجيه الأسئلة يجد من يهمس فى أذنه يذكره بمبدأ التقية ليشكر السائل شيخه ليخرج سعيداً وأن أفكاره هى هى لم تتغير لكنها ظروف التجديد تستلزم ذلك.

وإذا دخلنا إلى المؤسسات التعليمية سنجد المناهج الدراسية تعانى هى الأخرى من ثورة التجديد، ويلجأ القائمون على تجديد المناهج وإلغاء قصص العنف والبطولة التى تشجع على الكراهية والإرهاب، وتقام اللجان المختصة والمسئولة عن التجديد والتغيير بالبحث عن قصص ونصوص أخرى تخدم نفس أغراضهم التى يعتقدون فيها لكن بطرق ملتوية، وبهذا يتم التجديد ويظل المجتمع يعيش فى إزدواجية ونفاق يغذيه تراث كبير من السهل تأويله ليتوافق مع شعارات النهضة والتجديد والإصلاح، وبما لا يتعارض مع ثوابت دينه الإسلامى وهذا ما يريده أصحاب المشروعات الرجعية التى تتآمر على الأوطان وتتركها تتراجع عن مسيرة التقدم وتتخلف عن حضارة اليوم التى لها معالمها وطبيعتها التى تختلف جذرياً عما يفخرون به من حضارات الأمس والماضى.

إذن كيف يمكن وجود تجديد حقيقى والذين ينادون بالفضيلة وفساد أخلاق الكفار هم أنفسهم الذين يتحرشون بالنساء فى غيبة الأمن والقانون؟ بل يستغلون ملابس النقاب ويرتدى الرجال أو الشباب تلك الملابس التى لا يظهر منها شياً ويرتكبون جريمتهم، كيف يمكن التجديد ورجال الفضيلة يقفون ضده ويرفعون قضايا الأزدراء بالأديان لإيقاف حركة الثقافة والإبداع وإخماد الحماس فى الذين يرفعون شعارات التجديد، كيف يمكن الحديث عن التنوير والتحديث والقارئ يفكر فى إسترجاع الماضى العظيم المتمثل فى أسترجاع مجد الأندلس ومجد الخلافة الإسلامية والتمثل بحياة السلف الصالح؟

أينما ذهبت فى الأرض المسروقة التى كانت محروسة فى يومً ما، ستجد أصنام آلية تفتخر وتعتز بتراث الخرافات والأساطير رغم تعايشهم العقيدى الإجبارى أو الإختيارى مع نتاج الثورة التكنولوجية، الذى لولا أستيراد دولتهم لمعظم المواد الحيوية اللازمة لحياتهم اليومية لما كان له وجود، كيف يقتنع إنسان يتمتع بهذا الإنغلاق الدينى والإنفتاح الأقتصادى بأن عصرنا الحاضر عصر علماء وليس عصر جاهلية شعراء؟