يوميات عراقي – الدم الأول

ملهم الملائكة
2019 / 7 / 14

أول معركة خضتها طيلة عمري حتى تلك اللحظة العاصفة جرت في مخفر موسى الكاظم العراقي على الحدود الإيرانية متقدما عشرة كيلومترات عن منطقة قره تو.

تسير بي سيارة الواز على طريق يمتد على طول الحدود الشرقية الشمالية، وتنتشر عليه مخافر عدة، أبحث عن مخفر موسى الكاظم وهو النقطة التي شرع منها لواؤنا قبل ساعات الهجوم على القوات الإيرانية. ولأنّ التقدم تم بشكل مفاجئ، وفرض علينا صمت لاسلكي مطبق، فكان علي أن أبحث بنفسي عن هذه النقطة، بين ارتال من السيارات والقوات الراجلة وبعض الدبابات، فيما تتساقط القذائف هنا وهناك بشكل متفرق.
جثث على الطريق
معي في السيارة سائق شديد السواد من أهل البصرة، ومخابر شديد البياض من أهل بغداد. وصلنا إلى مفرق نيسمي (النيسم وهو الطريق الترابي) في أعلاه مخفر شرطة يبعد بصريا نحو كيلومتر واحد. دخلنا النيسم للوصول إلى المخفر، فانعطف الطريق بنا إلى مفرق نياسم غامض محجوب عما حوله، استقرت عنده على رابية مستترة سيارة كاز روسية، تكدست في حوض حمولتها جثث لجنود يرتدون بدلات مغاوير، ومن غير الواضح إن كانوا عراقيين أم ايرانيين لأنّ وجوههم منكفئة إلى الأرض. المنظر صادم ومرعب، قرب السيارة يقف سائق يدخن بعصبية وقد نزع خوذته، توقفنا عنده وقد خيل لي أن رائحة الموتى تعمّ المكان، وسألته ما هذا، ماذا جرى؟ لم يجبني بل تلعثم بعصبية وقال: نحن مغاوير قوات القعاع.
سألته - لماذا لا تُخليهم إلى وحدة الميدان الطبية؟
أنهم إيرانيون، وانتظر المزيد منهم، نحن قوات فوج مغاوير القعقاع، الفرقة الرابعة (مشاة جبلي مقرها في الموصل).
هل هذا المخفر فوق الرابية هو مخفر موسى الكاظم؟
لا أعرف.
هل فيه مقر لواء 23 ؟
لا أدري.
فقال السائق الذي معي: لواؤنا ليس هنا سيدي، علينا أن نبحث باتجاه الشمال. ونبهني إلى أن المخابر معنا مريض جداً.
وفعلا كان متعرقا، ويكاد يغمى عليه، وأدركت أن القصف ومنظر القتلى قد أرعبه، وهو لعمري منظر مرعب. تحركنا بحثا عن مقر لوائنا، فبدأ المخابر يتهوع، فأسرعنا إلى التوقف، وانزلناه ليتقيأ، نزل يتقيأ ومعه السائق يساعده بزمزمية ماء.
وصفرت صارخة بشدة قذيفة إيرانية ثم سقطت في مكان ما حولنا، خلف التلال. تمددنا على الأرض فيما تصاعد غبار من موقع سقوطها.
صرخت بهما، لنتحرك من هنا، نحن مكشوفون، بسرعة !
جرعة أمل مع عصير من عريف "عاد"
سحب السائق المخابر المتداعي من ذراعه، وأركبه السيارة، ومضينا في طريقنا نبحث عن مقر لوائنا. حتى وصلنا مفرق ينزل إلى نيسم، كانت تقف عنده شاحنة ايفا ألمانية. صرخ السائق، هذا حانوتنا سيدي، لنسألهم.
ونزلت معه لنحاور العريف "عاد" مأمور حانوت مقر اللواء، واجهنا وهو مبتسم كعادته وقال: أهلا بكم وسلامتكم. مقر اللواء في مخفر موسى الكاظم، سيروا مع هذا النيسم ، دائما خذوا يسارا، وستصلوه بعد نحو 2 كم. حين تصلون القنطرة المهدومة اعبروها وسيروا بخط مستقيم، لا تنحرفوا الى النيسم الأيمن. كنت عندهم قبل قليل ولم يسمحوا لي بالتوقف لضيق المكان. عليكم أن تتركوا السيارة أسفل المخفر وتصعدوا على أرجلكم، تقريبا 300 متر. ولكن لحظة واحدة!
صعد الى ظهر الايفا، وعاد لكل منا بسندويتش دجاج، و علب عصير راوخ مثلجة، أودعها عند السائق وهو يقول: كلوا هنيئاً، نتحاسب فيما بعد، امضوا في طريقكم على بركة الله وبالسلامة!
كانت جرعة معنويات هائلة. تماسكُ العريف عاد كان باهراً فعلاً وسط هذا الجحيم، أخذت المتاع ووضعته على أرضية السيارة بجانبي. ما إن سرنا في النيسم، حتى سقطت قذيفة أمامنا على بعد 200 متر تقريبا، فتوقف السائق مرعوباً يسألني :هل نواصل الطريق؟
كان علي أن أقرر بسرعة هل نستمر في الطريق الذي تسقط عليه القذائف، أم نتراجع لنبحث عن طريق آخر. وحسمت الأمر وقلت له: اسرع بعبور الطريق، لا يمكن التراجع، يجب أن نصل مقر اللواء!
القنطرة المهدومة أول الطريق!
سرنا بسرعة، وبين حين وآخر تساقط حولنا قذيفة، وصوت الرمي لا ينقطع. حتى وصلنا القنطرة المهدومة، فأخذنا جانبها الأيسر، وعبرنا، فاشتد تساقط القذائف. من حجم الانفجارات كان واضحاً أنها قنابر هاون متوسط العيار. أسرعنا فيما كان المخابر يقول متاوها "راح أموت، لا استطيع، سيدي اتركني هنا لأموت".
شجعته على المضي معنا قائلا: ابق معنا فنعيش معاً أو نموت معاً، هيا، سنعبر هذه القطعة الخطرة خلال دقائق، لنصل مقر اللواء.
وسرنا سريعا، فيما كان السائق يناور حول الطريق النيسمي الذي مزقته القذائف، صادفتنا شاحنة زيل خرجت عن الطريق، وتبدو عاطلة عن العمل، ثم صادفتنا سيارة واز مهجورة على كتف الطريق، ووصلنا فجأة إلى صعدة مرتفعة متعالية عما حولها، ومن خلفها يتصاعد دخان أسود كثيف مصحوب بانفجارات، تردد السائق، فقلت له: سر بسرعة، لابد أن نعبر!
حين ارتقينا قمة الصعدة، سقطت حولنا 3 أو 4 قذائف، ما يعني أن الراصد المعادي اتخذ من هذه الصعدة هدفاً ثابتا يقصفه كلما ظهر عليه شيء. ونزلنا منحدرين عنها، لتصادفنا شاحنة إيرانية تحترق، هل ظللنا الطريق؟
فيما كان عتاد يتفجر في مكان ما قريباً منها ولكن ليس في الشاحنة. تردد السائق مرة أخرى، فقلت له: سر قدماً!
وسار السائق مسرعا وهو يرى أننا نسير إلى حتوفنا بلا شك !! ولكن لم يكن لنا أن نتراجع. إذا كان العريف عاد بشاحنة حانوت قد وصل مقر اللواء، فلا بد أن نصله نحن بسيارتنا الصغيرة مهما كان الثمن.
مخابرنا فقد الوعي، هل يموت؟
وفيما كنا نسير أعلن السائق أن المخابر قد فقد الوعي، وهو ما أربكني فعلاً، إذ لابد من اسعافه، ولكن كيف!؟ السير قدماً هو الحل الوحيد، فقلت له: سر بسرعة، لم يبق شيء، سنصل قريبا.
وفعلا وصلنا إلى بداية نيسم على يمينه انتصبت لافتة كتب عليها "مخفر موسى الكاظم". سرنا بضعة أمتار، فوصلنا نقطة الترجل، حيث تكدست السيارات، يمين ويسار النيسم بلا موضع. أوقف السائق السيارة بشكل عبثي، وترجل منها وهو يسألني ماذا نفعل بشان المخابر؟
ققلت له: أنا صاعد لمقر اللواء، تعال معي وعد له بعناصر من مفرزة الطبابة، هذا هو الحل الوحيد.
أخذ السائق بندقيته، وسرنا سراعاً نتسلق الرابية، كان صوت القذائف والرمي الكثيف يشتد خلفها في الجانب الإيراني، ما يعني اشتداد المعركة.
وصلنا القمة، ودخلنا مخفر موسى الكاظم المطوق بجدار صخري، وفي وسطه مرصد محكم، ترتفع منه عدة هوائيات، وإلى جانبه تقف دبابة. سرنا بضع خطوات، فصرخت قذيفة معادية بشدة وانفجرت قربنا داخل ساتر المخفر الدائري، تمددنا على الأرض، فتطاير الحصى والشظايا حولنا. بعد أن هدأ الضجيج ، نهضنا فسقطت صارخة قذيفة أخرى، لكنها خارج ساتر المخفر. شعرت بأن أمعائي باتت في فمي، ونظرت إلى السائق فكان شاحب الوجه كأنه جثة، سألته: هل أصبت؟ نظر إلي بيأس وهو يقول: لا أدري. أظن أنني بخير حتى الآن؟
تحركت باتجاه المرصد حيث الهوائيات، ثم اكتشفت ملجأ أسفله تقف فيه ناقلة اشخاص مدرعة ترتفع منها عدة هوائيات وعلى بابه تكدس جنود وعناصر حماية مسلحين. أردت ان أدخل المكان، فاعترضني أحد الحمايات، وهو يقول: ممنوع سيدي!
قلت له، بعد أن عرّفت نفسي: أنا من منتسبي اللواء، وعلي أن التقي بقيادتي.
قال بوجه نصف مرتبك وخائف: ممنوع سيدي، السيد القائد في الداخل!
جريحٌ دون أن أدري؟
تحركت بضع خطوات الى ملجأ مجاور مفتوح من الجوانب، ورأيت فيه وجها عرفته، إنه ضابط حركات لوائنا، الرائد الركن ح.، دخلت عنده فقال لي وهو مرتبك وما زلت أخطو منحنيا عند المدخل: ملازم ملهم، أين أنتم، اين استقرت سرية المقر؟ نحتاج بدالة ميدان فوراً هنا، على أن تؤمن خطوطاً مع الفوج الأول المتقدم ومع مرصد اللواء المتقدمين!
وما إن دلفت بكامل قامتي الى المكان وأديت له التحية، محاولاً الكلام، حتى فتح عينيه وهو يقول: أنتبه، أنت مصاب! وأشار إلى صدري، نظرت، فإذا الدم قد لوث بدلتي مختلطا بالغبار والوحل!
دسست يدي داخل قميص البدلة أتلمس صدري فوجدت انتفاخا فوق الثدي الأيمن ينزف دما، لكنه ليس نزف غزير، ولم أشعر بأي ألم.
قال وهو ينظر في وجهي مرتبكا: سلامات، إن شاء الله بالريش؟
اجبته: لا أدري، لا أشعر بألم، لكن الجرح ينزف.
قال هل تستطيع الحركة، أم أدعو المفرزة هنا؟
نظرت حولي فوجدت المكان ذي السقف المنخفض مكتظا بضباط من مختلف الرتب، علاوة على محطات مخابرة و جنود مخابرين. حتى لو أردت أن اتمدد، لا مكان لي.
قال رائد ركن ح. ليحسم حيرتي: الأفضل أن تخرج بنفسك، وتذهب إلى مفرزة الطبابة، وسأبلغ السيد آمر اللواء أنك مصاب، عليهم أن يخلوك إذا تطلب الجرح إخلاء.
خرجت أبحث عن مفرزة الطبابة، فسقطت قذيفة في مكان ما خارج الساتر، واستترت خلف الدبابة الواقفة، فرأيت أمامي ن. ض غازي، مسؤول قلم حركات اللواء، وسألته عن مفرزة الطبابة، فأجاب بلهجته المشوبة بلكنة تركمانية "لست متأكداً، لكن ربما يكونون في بهو المخفر، هناك في الجانب الآخر" مشيرا إلى النهاية الغربية للمخفر المطلة على ما يشبه وادٍ تزاحمت فيه الاشجار.
دبابتنا الروسية التي أطاحت بي!
نهضت متجهاً إلى حيث أشار، وما إن سرت خطوة أو خطوتين، حتى دوى انفجار هائل، رفعني عن الأرض وألقى بي على بعد أمتار خلف ظهر الدبابة! لم أدرك ما حدث، وفي أذني دوي رهيب، والغبار يتصاعد ورائحة البارود تملأ المكان، فيما كانت الدبابة تهتر متراقصة لشدة الضربة. ظننت لوهلة أنّ قذيفة قد أصابت الدبابة، ثم تنبهت إلى أن الدبابة ترجع إلى الخلف باتجاهي، فابتعدت راكضاً متجاهلاً كل شيء، فسائق الدبابة لا يراني وقد يسحقني.
وفعلا تراجعت الدبابة إلى الخلف، ثم عدّلت مسارها إلى اليمين، واتجهت الى مرتفع أرض ممهد ( يسمى دكة الرمي) وصعدت إليه، وعدّلت وضعها، فأدركت أنها تستعد لإطلاق قذيفة باتجاه هدف، ثم فهمت خلال ثوانٍ حقيقة ما جرى، اذ أن الدبابة نفذت قبل هنيهة رمية مباشرة، فقذفني العصف بعيدا عنها.
وانتهى المشهد، بأن داوتني مفرزة الطبابة، وقد قال المضمد الذي فيها أنه لا يستطيع أن يلمس الجرح، وعلينا أن نذهب إلى وحدة الميدان الخاصة بالفرقة. وجدت سائقي جالساً عندهم وهو يحتسي ماء من زمزميته ويلتقط أنفاسه من الرعب الذي لا ينتهي. قلت له، هيا نذهب إلى السيارة، أين المخابر؟
إنه في السيارة سيدي، ما زال فاقداً لوعيه!
وانتهى يومي الأول 22.9.1980 بجرح سطحي في الصدر، وقضينا عصر ذلك اليوم مستريحين في وحدة الميدان الطبية، بعد أن استخرجوا الشظية، ووضعوا ضمادا على الجرح. رفضتُ الإخلاء وليتني لم أفعل فقد ضاع حقي لأنّ رائد ركن ح. لم يدرجني في الموقف المسائي والصباحي، لأنه ببساطة لم يكن يعرف أن كتابة الموقف كانت وظيفته في ذلك الظرف!؟
بين هنيهة وأخرى كان على الجميع في وحدة الميدان الطبية 18 ضمن مقر الفرقة الثامنة أن يستتروا تحسباً من هجمات جوية يُعلن عنها باستمرار "طيران معادي منخفض" و"تشكيل جوي معادي على ارتفاع عال" وما إلى ذلك.
وعدنا ليلاً، بدون مخابرنا الذي كان مصابا ب"صدمة المعركة" وبقي على أثرها في وحدة الميدان الطبية. عدنا إلى حيث تنتظرنا سرية مقر اللواء، محمولة بقلق على قافلة عربات في سفوح بردي علي، على بعد بضع كيلومترات خلف جحيم موسى الكاظم.

*هذه الوقائع، مشاهدات في حرب السنوات الثمان التي أؤكد على تسميتها "قادسية صدام" لأنّها حربه وحده. أنقل اليوميات كما عشتها وعاشها أغلب ذكور العراق المكلفين بالخدمة الإلزامية ضباطاً وجنوداً ومراتب. بعضها شهدته بنفسي، وأخرى رواها لي بأمانة شهود عيان