يوميات عراقي - أول ليلة وأول قربان

ملهم الملائكة
2019 / 7 / 12

بما يشبه المعجزة وصلت أرتال الفرقة الثامنة مشاة جبلي إلى مدينة بعقوبة، وكنا نجتاز مدينة البرتقال حين صدمني مشهد لم أنسه رغم مرور 39 سنة، فقد احتشدت مجموعة نسوة وفتيات على الطريق ملوحات بأكاليل الزهور وهن يرشقن الجنود بالحلوى، سوى فتاة جميلة جداً، ما برحت تبكي وتذرف الدمع بحسرة وهي ترى الجموع زاحفة. عيناها الدامعتان الخضراوان كانتا نبوءة!

في 20 أيلول/ سبتمبر 1980، وصلنا ليلاً الى وادي دراوشكه الواقع جنوب خانقين. كنتُ ضابطا حدثاً برتبة ملازم مجند مخابرة. باتت تلك النقطة ما يعرف بمنطقة اجتماع القطعات، قبل الانتقال الى خط الشروع للصولة على المعركة.
وأبلغنا من قبل القيادة العسكرية، بعدم تفريغ السيارات من حمولاتها، والاكتفاء ببسط أفرشتنا على الأرض (مد اليطاغ) بانتظار الأوامر. لكنّ المرتفعات شرق هذا الوادي، كانت مشتعلة بنيران المدفعية، وفهمت لاحقاً، أنها المدفعية الإيرانية التي تقصف بشدة منذ أيام مناطق خانقين، زين القوس، سيف سعد، قره تو، ميدان والقصبات والقرى القريبة منها. وكان مقدّراً لنا أن نتوغل في هذه المناطق، لكن حتى قائد الفرقة ما كان يعلم أين وكيف؟
ما رأيته بعيني كان قصفا مدفعياً إيرانياً كثيفاً على مدن عراقية قبل يوم 22 أيلول/ سبتمبر 1980 الذي يسميه العراق يوم الرد الشامل، وتسميه إيران يوم العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران. والكلام هنا مفصلي حاسم، لأنّ العراق كان يقول إن إيران بدأت منذ يوم 4 أيلول بقصف المدن العراقية، وإنّ الهجوم العراقي الشامل الذي جرى يوم 22 أيلول هو الرد على تلك الاعتداءات المستمرة.
وما إن استقر بنا المقام على أرض وادي دراوشكه الصخرية الوعرة، حتى وصلتنا وجبة طعام ساخنة، كان مطبخ الوحدة قد استبق وصولنا وأعدها للمقاتلين. تناولنا الطعام، ونمنا لشدة التعب، فنحن قادمون من "راوندوز" برحلة متصلة حتى هذا المكان. بعد بضع ساعات، ونحو الثانية ليلاً، حدث انفجار هائل من جهة خانقين، وفهمنا أن مصفى الوند اصابته مباشرة قذيفة مدفع فانفجرت خزاناته، واندلع حريق كبير بقي مشتعلا، حتى طلوع الفجر، ولم أعرف بعده متى انطفأ.
ومع الحريق تعالى في طرف الوادي المترامي الفسيح الذي نحن فيه صراخ، وتراكض الجند ينظرون على ضوء مصابيح الشاحنات حقيقة ما جرى. وبعد دقائق عرف الجميع، أنّ شاحنة من نوع كاز قد تحركت لتعديل مكانها على الهضبة، بحديث تنحدر لتشتغل عند الطلب منها أن تتحرك، لأن جهاز تشغيل السيارة" السلف" عاطل عن العمل، وأثناء حركتها، دهست رأس نائب ضابط، واعتقد أنّ اسمه كان جليل، كان نائماً تحت الشاحنة! ومات المنكوب لتوه، فكان أول خسائر الفرقة الثامنة عشية معركة السنوات الثمان.
بعد ساعات وفي ضحى يوم 21 أيلول وصلنا فطور الصباح، خبز العسكر الشهير وقطع جبن صفراء من انتاج مصلحة الألبان واباريق شاي فافون عملاقة.
تتدفق الأوامر وتلغى خلال أجزاء الساعة:
تردد الميكروفونات اليدوية: "طائرة معادية بارتفاع منخفض"! ويعتلي أعداد مدفعية ورشاشات مقاومة الطائرة أسلحتهم المحمولة في الشاحنات، ويبقون ينظرون في السماء بحثاً عن طائرة، وبعد نصف ساعة، يعلن زوال الخطر.
"تهيأ للحركة، ولف اليطغات"، فيسارع الجميع إلى جمع أفرشتهم، ورزمها في الشاحنات، ويلبثون منتظرين بلا نتيجة. وانقضى اليوم كاملاً بهذه الطريقة، فيما كانت المدفعية الإيرانية مستمرة بالقصف على المدن العراقية. وأكاد أجزم بأنها إيرانية، لأنّ القطعات العراقية المتجهة إلى القاطع الأوسط، لم تكن قد ترجلت من السيارات بعد، وبالتالي فإنّ مدفعيتها كانت غير مستعدة لإطلاق النار لأنها مكلبة بساحبات المدافع.
مع حلول غروب يوم 21 ايلول/ صدرت الأوامر أخيرا بامتطاء العجلات، وما لبثت الأرتال أن تقدمت باتجاه خانقين، واتجهنا جنوب غرب المدينة التي كانت تلتهمها حرائق مصفى الوند، وتدكّها المدفعية الإيرانية بشكل مستمر، حتى أن أعدادا كبيرة من سكانها قد غادروها وينتظرون في سياراتهم جنوبها للتوجه إلى مكان آخر، أو ينتظرون ما سيسفر عنه تدخل الجيش العراقي الذي بدا وكأنه قد توجه الى الجبهة بأكمله، حيث الأرتال تتحرك بلا انقطاع على مدى عشرات الكيلومترات.
بقينا نسير في حقول، وفي طريق مبلط، ثم أمرنا بإطفاء أنوار السيارات، وخرجنا عن الطريق المبلط متجهين في عمق الجبال نحو السلاسل الجبلية الكبيرة الواقعة على الحد بين العراق وإيران. نحو الساعة الثانية ليلاً، وصل لواؤنا إلى وادي "بردي علي"، وطُلب من الجميع أن يلبثوا في سياراتهم، بانتظار الأوامر، ومنعت السيارات من إضاءة الأنوار ومنع إيقاد النيران. نظرت في الخارطة التي بين يدي لأعرف موقعنا على ضوء تورج قلمي صغير شاع تداوله في تلك الأيام، ويُحفظ كالقلم في جيب ذراع البدلة العسكرية، فوجدت أنّ بردي علي حيث نقف تبعد نحو 5 كيلومترات جنوب شرق مخفر قره تو، وهو مخفر تابع لقضاء ميدان التابع لمحافظة السليمانية.
مع خيط الفجر الأول، أمرنا بالحركة، فدخلنا جحيماً لن نخرج منه حتى تمر 8 سنوات.

*هذه الوقائع، مشاهدات في حرب السنوات الثمان التي أؤكد على تسميتها "قادسية صدام" لأنّها حربه وحده. أنقل اليوميات كما عشتها وعاشها أغلب ذكور العراق المكلفين بالخدمة الإلزامية ضباطاً وجنوداً ومراتب. بعضها شهدته بنفسي، وأخرى رواها لي بأمانة شهود عيان.