سقوط المثقف (غسان سلامة نموذجا)

محمد حسن البشاري
2019 / 7 / 11

سقوط المثقف
غسان سلامة نموذجا

تفاءل كثير من الليبيين وأنا من بينهم عندما تم تكليف الدكتور/ غسان سلامة بديلا عن مارتن كوبلر كرئيس للبعثة الأممية في ليبيا في يونيو 2017 على إعتبار أنه مثقف عالمي كبير وعربي الوجه واليد واللسان يعلم ويعيش أجواء وأفكار العرب ومشاغلهم وطريقة تفكيرهم ويستطيع التواصل مع جميع الأطراف بشكل مباشر دون الحاجة الى مترجم ولديه خبرة طويلة في دهاليز السياسة اللبنانية الشبيهة ظروفها بالظروف الليبية من موقع تبوؤه لوزارة الثقافة اللبنانية ردحا من الزمن وقبلها مشاركته في البعثة الأممية في العراق والتي نجى منها بأعجوبة بالغة عندما تم استهداف مقر الأمم المتحدة في بغداد عام 2003 وأدى الى موت الكثيرين منهم رئيس البعثة سيرجيو دي ميللو.
وأتذكر أنني كنت أتابع تعليقاته في راديو مونتي كارلو اليومية ابان الغزو العراقي للكويت في 1990 وكنت أردد تحليلاته الى درجة أدهشت أصدقائي وظنوها أنها تحليلاتي فصرحت لهم بأنها تحليلاته وأخذوا بدورهم يتابعونه وكنت حريصا على متابعة كل شاردة وواردة عنه ومنها كان برنامج في قناة الجزيرة يهتم بالمهاجرين العرب المتميزين لست متأكدا ما إذا كان (المشاء) أم غيره وما أتذكره عنه أنه ذكر بأنه يقضي أغلب وقته في القراءة ورياضة المشي وهما النشاطان الملازمان لكثير من المثقفين.

ولذلك فإنني أتصور أنه كان مسموعا لدى مختلف النخب العربية فموقعه في جامعة السوربون في باريس أدى به الى استقلاليته التامة عن سلطات العرب وبالتالي أمكانية ادلائه بتصريحات قد تزعج البعض ولكنها في المحصلة تساعد الشعوب العربية البائسة على النهوض من تخلفها المزمن والفريد في تجارب تاريخ الشعوب.

فيا ترى ماذا فعل بالقضية الليبية وماذا فعلت به أو بالاحرى لماذا فشل هو وكل المبعوثين الخمسة السابقين له في وضع ليبيا على سكة الحل الذي يراه الكثير من الليبيين البسطاء وغير المثقفين منذ أول يوم بل منهم من تنباء به ابان الثورة في 2011 ولا أدري ان كانت واقعة صحيحة ام لأ وهي أن أحد الشياب (كبار السن) في أجدابيا أنتبه الى الشباب الذين كانوا مندفعين غربا وتسآل : "وين ماشيين ها الشباب ؟" فقيل له : "يبوا يشدوا معمر" فرد قائلا : "وهضوم م اللي يشدهم" وهذا بالضبط ما حدث بل أن كل الحكومات المتعاقبة شجعت هؤلأ الشباب على حمل السلاح والتغول على السلطة وإفساد ذممهم بدفع مبالغ نقدية كبيرة لهم فور الأنتهاء من الحرب على القذافي أي تحويلهم من ثوار الى مرتزقة وكل ذلك تم بتخطيط وإشراف مباشر من الإخوان الذين بدأوا بإغتيال كل الشخصيات التي تشكل خطرا على مشروعهم حتى قبل الانتهاء من جبهة البريقة وكان أبرزهم رئيس أركان الثوار عبد الفتاح يونس الذي أغتيل بطريقة وحشية وبالغة في الخسة والدناءة والغدر بعد إستدراجه ورفيقيه من غرفة العمليات في اليوم المقدس لهم (28) من يوليو 2011 وتهميش قوى الجيش والشرطة والامن بحجب الانفاق عليها بما فيها المرتبات الهزيلة وتشكيل الدروع واللجنة الأمنية العليا وشرعنة كل الكتائب المسلحة ليس فقط التي شاركت في الحرب بل حتى التي تم تشكليلها بعدها حتى أن إحداها في بنغازي تمت تسميتها "صح النوم" أي شرعنة الكتائب المسلحة الجهوية والدينية بل حتى العصابات المسلحة الأجرامية التي لا هم لها الا المال ولذلك فقد أستفزني كثيرا مقال نشره الكاتب الاسلامي فهمي هويدي بعد إنطلاق عملية الكرامة لتخليص ليبيا من هذه الميلشيات وكان عنوانه "محاولة لفهم ما يجري في ليبيا" قمت بالرد عليه في موقع ليبيا المستقبل وهو أول مقال أكتبه لهذا الموقع قبل أن أستمر في الكتابة به على أمل أن أساهم في توعية القراء المتابعين لهذا الموقع وكان أغلبهم من سكان مصراتة وطرابلس والغرب الليبي بصفة عامة قبل أن يغلق للأسف الشديد وهو موجود على الرابط:
http://archive2.libya-al-mostakbal.org/news/clicked/56932
فأسباب الأزمة الليبية لم تكن سياسية يوما ما بل هي عسكرية بأمتياز وحلها لا يمكن أن يتأتى بغيرها وكل المحاولات لايجاد حل لها بآت بالفشل لأنها تبنت رأي الاخوان بأن القضية سياسية وهم يعرفون بأنها عسكرية بأمتياز لرفضهم حل الميليشيات من الايام الاولى لنجاح الثورة في طرابلس بشهادة الدكتور/ محمود جبريل الذي ذكر أكثر من مرة بأنه أجتمع بعدد كبير من زعماء الكتائب وطلب منهم تسليم أسلحتهم فوافق الجميع ما عدا واحد أو أثنان وفجاءة دخل عليهم مسئول قطري كبير وطلب منهم عدم تسليم السلاح ودخلت ليبيا في أتون الجحيم منذ ذلك اليوم الأسود.

الأمر الآخر الغريب والمحير هي أن الناتو تدخل في ليبيا حسب قرارات الأمم المتحدة لحماية المدنيين فلماذا لم تتم حمايتهم في تاورغاء وبني وليد و ورشفانة وغيرها من المدن؟ بل أن حماية المدنيين تلزم الأمم المتحدة نزع سلاح كل الميليشيات وحصرها في الجيش والشرطة وقوات الأمن فقط ، وهذا هو مطلب الجيش الوطني الليبي منذ إنطلاق عملية الكرامة في مايو 2014

ولا يفوتني هنا الأستطراد الى مقابلة تلفزيونية على قناة روسيا اليوم جرت مع الدكتور/ غسان سلامة الفترة الماضية ذكر فيها أن ليبيا تشظت بعد الثورة ولم تنقسم فقط أي أن كل ميليشيا أصبحت تحكم في منطقة جغرافية معينة أو مؤسسة حكومية وهو بالضبط ما خرج الجيش الوطني الليبي في عملية الكرامة لينهيه أي من أجل لملمة شظايا الوطن وهو ما نجح فيه في الشرق الليبي بشكل كامل وبشكل جزئي في الجنوب وهو ما يسعى اليه في الغرب الآن.

فهل غابت هذه الحقائق عنه ؟ لا اعتقد ذلك بل أجزم أن لديه من المعلومات والتفاصيل ما يغيب عن الكثير من الليبيين بحكم موقعه كمسئول أممي يمكنه من الاطلاع عليها سواء من المصادر الليبية أو العالمية ، فلماذا يتعامى عن هذه الحقائق ؟

يقولون في المثل الفرنسي الشهير : "إبحث عن المرأة" وأنا أقول جازما : "إبحث عن المال" فوظيفة غسان سلامة توفر له مرتبا كبيرا (ورد في أحد المواقع بأنه يفوق المليون دولار سنويا) بالاضافة الى علاوات السفر وتذاكر واقامة مجانية في أرقى الفنادق في العالم و بريستيج اللقاءات بزعماء العالم بل احساسه بأنه الحاكم الفعلي لليبيا وهو فعلا ما يمارسه على فايز السراج والصديق الكبير وغيرهم في طرابلس لذلك فنحن لا نستغرب عدم تنديده مثلا بمجزرة غريان ضد أفراد الجيش الليبي بل ترحيبه بسيطرة ميليشيات مؤدلجة مصنفة ارهابية في الامم المتحدة أو في أمريكا عليها دع عنك تصنيف الجماعة الام في ليبيا وفي دول المقاطعة العربية.
فإلى متى يستمر تساقط المثقفين العرب ؟

محمد حسن البشاري
بنغازي 11/يوليو/2019