مدينتي والصراع الاجتماعي في مصر

عصام شعبان حسن
2019 / 7 / 12

مدينتي والصراع الاجتماعي في مصر

بكلمات حالمة، ومشاهد سينمائية، أطلقت شركة طلعت مصطفى العقارية إعلانا رمضانيا لمشروعها "مدينتي" شرق العاصمة المصرية القاهرة، أحدثت أغنية الإعلان بصوت الفنانة أصالة نقاشا واسعا، تنوعت فيه الآراء، وزوايا التناول، بحكم دلالاته، وطبيعة المدينة المتميزة ذات الوحدات العقارية مرتفعة السعر، بجانب ملكيتها لأحد أبرز رجال الأعمال العقاريين، وما يمثله من ثقل مالي وسياسي، وما يستدعيه اسمه من علاقات متشابكة بين رجال الأعمال والنظام، وتشابك علاقات الفساد بتلك الطبقات المترفة، التي تبنى جزءا من ثروتها من قربها من السلطة عبر علاقات زبونية تندرج تحت مسميات منها المنح والامتيازات وحوافز الاستثمار.

بتحليل ثقافي يسعى بائع السلع، وخاصة الخدمية منها، إلى بيع السعادة، وإشعارك أن السلعة مصدر لها، لم يعد التسويق يعتمد وحسب على سعر السلعة ومقاييس التنافسية التقليدية، يلعب البعد النفسي دورا وظيفيا في التسويق السلعي، كيف يمكنك أن تشعر بالسعادة والتميز حين تشتري سلعة أو تحصل على خدمة، يتعاظم هذا الأثر مع استهلاك الطبقات المترفة، التي لا تقيس الأشياء وملكيتها بقيمتها المالية وحسب، يهتمون بما تتركه عملية الاستهلاك من قيمة طبقية ونفسية، وإحساس بالتميز.

تنطبق فكرة التميز الطبقي المرتبط بالاستهلاك على أسعار خدمات غير السكن أيضا، منها الميل لتملك سلع الماركات الشهيرة، ثقافة الاستهلاك تلك ليست ذات قيمة لدى الفقراء، ولا تسمح ظروفهم هم والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى بها، بل على العكس ربما يدفعها هذا النمط الاستهلاكي إلى كشف زيف المنظومة الاستهلاكية، بل نقد بنية النظام الاقتصادي ككل.

كثيرون ممن يشاهدون تلك الإعلانات يشعرون بأن المترفين يبنون قصورهم من عرقهم، فلا ملكية وتراكم رأسمالياً دون جهد عمال، بينما كثيرون من العمال لا يستطيعون تكملة الحياة دون بيع قوة عملهم بشكل مستمر ودون استراحة، يشعر المواطنون في اعلانات رمضان المتناقضة بأنهم أمام عالمين، مدن متطورة، وقرى ومدن تعاني نقص الخدمات أحيانا يعاني بعض أهلها الجوع.

بعد بث إعلان " مدينتي" علق أحد المهندسين الشباب على " فيسبوك" بأنه تقاضى 3 الآلف جنيه راتبا شهريا خلال فترة تشييد المشروع، فتحت شهادته أبوابا لشهادات أخرى حول أجور أقل لمهندسين وعمال في مدن مشابهة، قلّ بعضها عن 100 دولار ( 1665جنيه تقريبا)، يمكنك أن تحسب كم عام ينبغي أن يعمل شاب ليوفر ثمن سكن محدود المساحة بإحدى مناطق القاهرة البعيدة، أو مناطقها العشوائية البائسة، لن يقل الثمن عن 15 ألف دولار.

ويمكن أن تحاجج وتناقش أولئك الذين يعولون على قطاع التشييد والبناء بوصفه قطاعا كثيف العمالة، لنسألهم أي ظروف للعمالة في هذا القطاع من حيث الأجر وساعات العمل وهل يكافأ البناؤون على إنجازاتهم، ويستطيعون العيش بكرامة، ماذا قدم هذا النمط من التنمية للعمال وللمصريين وللاقتصاد.

يمكننا أن نقارن بين صورتين، مصر المنعزلة اجتماعيا بالاختيار في العاصمة الإدارية وغيرها من المدن المسورة (الكمبوندات)، ومصر الأخرى المهمشة والعشوائية التي تفتقد للخدمات وظروف بيئية وصحية ملائمة، هذه المقارنات لا تجدها غالبا في أحاديث الاقتصاد منزوعة الإنسانية، التي تحدث عن أرقام منعزلة عن البشر.

يتخذ طلعت مصطفى شعار "بناة المستقبل" ليتقارب مع النظام الذي ينتمي إليه، لا يختلف الرجل عن المستثمرين في قطاع التشييد، ثمة مقاربة بين هؤلاء وسياسات النظام اقتصادي، فكلاهما لديهما فخر زائف وترويج دعائي مكثف وادعاء بخلق التنمية والبناء، بينما يمارسون كافة أشكال الاستغلال المكثف، وكلاهما بينهما تضامن وتعاضد، طبقة وحلف اجتماعي حاكم، يهمه رسم صورة مبهجة عن ما يفعل، وتحصيل أكبر معدلات من الربح.

مؤخرا افتتح جسر "تحيا مصر" أكبر جسر معلق أدرج بموسوعة غينس، يربط بين الوراق وروض الفرج، مشهد مبهر، تكلف مليارات، كان يمكن إنفاق جزء منها على بنود أكثر ضرورة، كغيره من مشاريع إنشائية، كان ممكناً أن يؤدي دوره، دون بذخ، وتوجه باقي التكلفة لحل مشكلات أهالي جزيرة الوراق، الذين تمت معايرتهم بأنهم يصرفون في النيل، وكأنهم هم وأكثر من نصف سكان مصر الذين يفتقدون لخدمة الصرف الصحي يستحقون اللوم.

يمر جسر "تحيا مصر" فوق جزيرة الوراق، سبق أن سربت خطة إخلائها من السكان وإنشاء منتجع سياحي لصالح مجموعة مستثمرين إماراتيين.

خلال العام 2005 استحوذ طلعت مصطفى على أراضي مدينتي دون مقابل حسب ما جاء في عقد الاتفاق مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، (قدرت حينها بـ34 مليار جنيه)، كانت هذه الواقعة بداية لموجة جديدة تؤكد على نهب الأراضي كطريقة للثراء، وكجزء من سياسات اقتصادية تعتمد على الريع والرهن والتصرف في الأصول كمصدر للتمويل، سبق أن أعلنت بعض خطوط بيع الأراضي واستثمارها مع مشروع القاهرة 2050 الذي أعلن كرؤية لحكومة رجال الأعمال بقيادة جمال مبارك، ذهب مبارك وبقيت سياساته.

يخلق إعلان مدينتي قدسية ليست للملكية وحسب، ولكن للمكان، وكانت المدينة حديثة الإنشاء نسبيا (أنشئت في 2006) مكانا تاريخيا، يستبدل سكن المدينة القديمة، القاهرة التاريخية بتلك المدن الحديثة المنعزلة، التي توسعت منذ بداية الألفية الثالثة لتهرب شرائح طبقية بحثا عن عالم جديد، تتحصن فيه بالعزلة، كما تتحصن الدولة الآن بنقل مؤسساتها، وتنشئ عاصمة إدارية جديدة تستوعب أيضا طبقة تؤيدها، شكلان من العزل الاجتماعي والسياسي المقصود.

تقوم الدولة بدور المستثمرين وليس وحسب تحفظ مصالحهم، كما كانت تفعل من قبل، بات قطاع التشييد والبناء هو الرهان الأساسي في عملية تنمية اقتصادية مشوهة، وتحولت الدولة منافسا في سوق العقارات، متعاونة مع آخرين في بعض مشروعاتها، تقسمها بحسابات لتبادل الاستفادة بين فئات الطبقة الحاكمة.

تبيع وحدات سكنية للطبقات المترفة بسعر لا يقل عن 1.5 مليون جنيه، لوحدة سكنية صغيرة، بينما السوق العقاري والطبقات الشعبية تحتاج إلى مساكن شعبية، تستثمر الدولة ضمن السوق، لا تضبطه ولا تقدم سكنا اجتماعيا، بل تستثمر أزمة السكن، ورغم أنها أعلنت عن مشروع إسكاني ضخم (مليون وحدة سكنية خلال أربع سنوات) إلا أنه لم تبن نصفها حتى الآن.

حرصت الدولة أن تظل أسعار السوق كما هي، لتستفيد هي وغيرها من أزمة السكن، والتي يحتاج فيها السوق إلى مليون وحدة سكنية، بينما قدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الوحدات غير المشغولة بـ14 مليون وحدة سكنية، تتعمق أزمة السكن أيضا مع تحرير قوانين الإيجارات والذي يسمح بزيادتها من جانب المالك، والتي زادت فعليا بنسب وصلت للضعف أحيانا منذ تحرير سعر الصرف.

تحمل مشاريع عقارية مثل مدينتي تناقضات مصر بما فيها من خطأ التوجه التنموي، والفوارق الطبقية بين المصريين، والتناقضات الاجتماعية، وكذلك مظاهر الصراع الاجتماعي التي تتسع، قوى عاملة مغتربة ومستغلة، تنتج ولا تحصل على ثمار إنتاجها، ينهبها آخرون، قلة مترفة جزء منها في الحكم، وأغلبية مستغلة لا تستطيع العيش بكرامة، معضلة كبيرة ساهمت

في إعادة طرح شعارات ومصطلحات الصراع الطبقي كواقع متجسد، كل هذه المظاهر تحتاج أن نعود إلى أهمية طرح التغيير الاقتصادي مستقبلا في أي مشروع للتغيير.