الحوار المتمدن ليس من الله (1)

ميشيل نجيب
2019 / 7 / 11

Michael Nagib

" الحوار المتمدن مؤسسة مجتمع مدني تطوعية غير حكومية وغير نفعية وغير ربحية، تعنى بقضايا الثقافة والإعلام، ونشر الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي الإنساني والتقدمي الحديث".
أى أن الحوار المتمدن مؤسسة تطوعية مستقلة فى حال نجاحها لن تفوز بالجنة وحور العين ولا بالعقاب فى نار جهنم إذا حدث تقصير أو فشل فى سياسات أسرة الموقع، الحوار المتمدن تنتظر التنوير الفعلى لقرائها وتفعيل ثقافة التغيير فى إعمال العقل فيما يقدم على صفحاتها من مقالات، ومن أجل ذلك العالم المتقدم لن ينتظرنا ونحن ما زلنا نتحاور ونتلاسن ونسجن ونقتل من أجل نقد عورات الديانات السماوية، وتقدم الحكومات خدماتها لتلك العقول العتيقة المتشبثة بخرافات تراثية يحشو بها عقولهم رجال الدين والكهنوت.

الأديان أو الشرائع السماوية هو شعار أطلقه فقهاء وعلماء الدين الإسلامى فى مرحلة كان الإسلام فى حاجة إلى تثبيت وجوده وأن يحظى بالإعتراف الشعبى والعام، فوضعوا إعترافهم باليهودية والمسيحية ليكونوا الدين الخاتم للأديان التى نزلت بوحى من السماء أى الأديان السماوية، لكن رغم أعترافهم بالأديان السابقة عليهم إلا أنهم يقولون بأن الإسلام أو إلههم نسخ ما قبله من أديان وشعب الله المختار ليكون الدين عند الله الإسلام، والمسلمين هم شعبه الوحيد الذى سيتمتع بالجنة المحمدية بما فيها من ملذات وخيرات أعدها لهم خصيصاً، أما بقية شعوب الأرض التى ترفض إله محمد سيكون مصيرهم جهنم أو الجحيم أو النار الأبدية.

هذه بعض العقائد الرئيسية فى تلك الأديان التى نحترمها ونحترم المؤمنين بها ولهم حرية ممارسة عباداتهم وأعتقاداتهم الشخصية، لكن ليس لهم الحق فى فرض تلك العقائد علينا من خلال مقالاتهم التى ينشرونها فى الحوار المتمدن لأن مكانها المواقع الدينية الخاصة بكل دين، ولا يجب أن يكون موقع الحوار مكاناً لمن ينشرون مقالاتهم المؤمنون والمشجعون لقانون إزدراء الأديان، وفى الوقت نفسه يعلنون بكل بساطة أن الأديان أو الإسلام خاصةً يعترف بالإعلان العالمى لحقوق الإنسان، بالرغم من أن غالبية تلك الحقوق يعترف بها الإسلام وإلهه للمسلم فقط وليس للكافرين!!

لذلك فى كل الدول الإسلامية العربية وغير العربية يصدرون القوانين التى تصدق على ديانة الدولة هى الإسلام، لكنها لا تستطيع أن تصدر قوانين تقول أن الإسلام تنص شريعته على عدم مساواة المسلمين مع أهل الكتاب حتى لا يتعارض ذلك مع إعلان حقوق الإنسان، ولا نستطيع منع الدول والبرلمانات العربية الإسلامية من إصدار القوانين التى تحمى الدين الرسمى من منع التبشير مثلاً بديانات أخرى أو إقامة معابد لها، وبما أن مؤسسة الحوار المتمدن مؤسسة مجتمعية مدنية مستقلة ليست مؤسسة من الله.

إذن ليس من حق أصحاب المقالات الدينية المتخفية فى قالب علمى أو مدنى أن تنشر مقالاتها على صفحات الحوار المتمدن، بل على أسرة الحوار المتمدن أن تمارس حقها الشرعى فى تخصيص زاوية أو مكان خاص للمقالات الدينية، دون أن يحدث أختلاط بينها وبقية أنواع المقالات، حتى لا يخطئ القارئ الذى لا يريد قراءة مقال تبشيرى أو دعوى بالآلهة الغير موجودة ويختار مقال لا يعرف فحواه من عنوانه، لذلك من الأفضل أن يكون القارئ على بينة من أمره وهو يدخل إلى تلك الزاوية أو المكان المخصص للدين ليقرأ مقالاً يخص دينه وإلهه.

الحوار المتمدن ليس موقع تبشير أو دعوٌى لأى دين من الأديان السماوية لأن موقعنا خارج عن حدود ما يسمى ( الله)، لأنها كلمة يعرفها ويعتقد بها ويعبدها أصحاب الديانات ويقدمون لها العبادات المطلوبة منهم حتى يرضى عنهم، لكننا كل من لا يعترف بصحة وجود شئ غيبى أسماه الإنسان الله نرفض أن يكون له سلطة علينا أو التدخل فى أفكارنا أو التحكم فى إرادنا حتى تتوافق مع إرادته، وفى الحوار المتمدن لنا شريعتا الإنسانية الأخلاقية التى تحكم سلوكياتنا وترشدنا إلى حمل شمعة العقل لتنير لنا طريق الحق ليختفى ظلام بدع الآلهة والأساطير التى أبتدعها الإنسان القديم، طريق الحق الذى يقودنا بالعلم والمعرفة والثقافة إلى بناء حضارتنا الإنسانية، التى يرتفع بناءها بأيدينا وفى كامل وعينا ونصنع نهضتنا الإنسانية لخدمة الإنسان، لأنه لا وجود لله الغيبى الذى يصنع نهضتنا لأن الغيب هو العدم.

إن النقد الذى يقدمه بعض كتَّاب الحوار المتمدن إلى الأديان هو خدمة إنسانية كبيرة لتعريف القراء الذين ما زالوا يعيشون فى اللاوعى الذى تضخم بالخرافات والأساطير، بأن الله الغيبى لا وجود له إلا فى خيالاتهم التى صنعها لهم رجال الدين، لكن الحوار المتمدن هو واقع موجود فى حياتنا منذ إنشائه وتكوينه وحتى يومنا هذا.