مشروع إعادة بناء الدولة العراقية _ خطط ومناهج ج2

عباس علي العلي
2019 / 7 / 11

ثالثا (الأليات)
هذا الطرح وإن كان البعض يرى فيه مشروع كبير حالم يحتاج إلى توافقات أجتماعية وسياسية غالبا ليس من المحتمل إدراكها الآن، إضافة للتدخلات القانونية والدستورية المرافقة والتي ليست من السهل الحصول عليها أو تبنيها في ضل التخندقات المذهبية والطائفية والعنصرية وواقع متشظي ينفذ إرادات أكثرها خارجية لا علاقة للمجتمع العراقي بها لا قريبا ولا بعيدا، عليه فسيكون طرح هذا المشروع كما يقول المعترضون هو أعلان موت له ومن غير الممكن أن نناقش أو نتبنى مشروعا مجهضا أو سيكون له في كل خطوة من يجهضه بحسن نية أو بسوئها، الجواب الذي نرد به على هؤلاء وكي نتغلب على هذه الهواجس والأفكار والمبررات لا بد لنا من رسم أليات ومنطق عمل ومنهج تدبيري وعملي للوصول به إلى حدود عليا من إمكانية التجسيد والتسويق له، والوصول به إلى مرحلة التبني والتوافق المغالب مؤطر بهدف القوننة والتشريع لاحقا.
هذه الآليات أو المناهج التي ستعد بناء على العزم في مسك المبادرة وأتخاذ القرار الوطني تبدأ أولا في التهيئة الفكرية والأكاديمية لها وفق لمراحل زمنية متعددة وصولا إلى إنضاج المشروع ليكون طرحا عاما مقبولا وعمليا ووسطيا، خاصة بعد أن أثبتت كل الطروحات السابقة عجزها وعقمها فيأن تنتج حلا متناسبا مع الواقع العراقي وأصحابها ينظرون من زاوية واحدة وكأنها زاوية الأسرار السحرية، سواء أكانت هذه الطروحات سياسية أو دينية أو حتى مجرد أفكارا وفلسفات عامة تبحث عن مصاديق لها، تبحث عن جمهور ورأي عام يساندها في حين أن الحلول الحقيقية هي التي تلد من رحم الواقع وتترجم أهدافه وغاياته، خاصة وأن الشارع الجماهيري والرأي العام لم يعد يتقبل أن يكون فأر تجارب ويخدع فيكل مرة بشعارات براقة ما أن يبدأ التطبيق حتى نرى وجها اخر، وجها يمثل الظل الخفي والرؤية ما بعد ترجمتها وليس كما ولدت.
وللمضي بهذا المشروع لا بد من أن يؤسس وفق عمارة بنائية وهندسية فكرية تستحضر روح البناء العمودي والأفقي، ومن وأعمدة وروابط يشد بعضها بعضا بأدق التفاصيل بحساب الزمن وتكامل الجهد البشري المتنوع، ووفق رؤية تخطيطية لا تهمل التفاصيل الصغيرة وهي تبني رؤية إجمالية عمومية تحسب لما هو متوقع وما هو متعامل مع متغيرات ومتحولات، وليست قوانين ثابتة مقولبة بأطرها لا يخطئها التوقع ولا يتخللها الغير محسوب، هذه الرؤية ستكون واضحة وشفافة وقابلة للتحديث والتأقلم في حركتها التفصيلية وقابلة للترجمة إلى أسلوب عمل متناسق ومتوالي لا يقفز على النتائج ولا يبستر الأمور بنا على رغبات وأمنيات هذا أو ذاك أو أستجابة لظرف طارئ أو أحداث غير متوقعة.
المشروع مرتسم لبنائه ز اخراجه و الانتهاء منه يحتاج الى فترة زمنية تمتد من (سنة) الى (سنتين) كحد اعلى، وفريق عمل يتكون من ذوي اختصاص اكاديميين ورجال فكر وسياسة وفقهاء دستورين ورجال قانون وقضاء وخبرات محلية و دولية، وبمساعدة اممية وتقنيات تخطيطه توزع على محورين :-
أ‌- محور الاسباب
ب‌- محور الحلول
في المحور الاول يتم التركيز على دراسة اجتماعية وتاريخية وقانونية ترتكز على البحث على العلل و الاسباب المؤدية والتي انتجت هذا الواقع او مهدت له بكل جرأة وشجاعة ودون خطوط حمر او ممنوعات، يكون عدد افراد هذه المجموعة بين (40-50) شخصا تقسم على مجاميع بحدود (5-8) لكل مجموعة وتبحث تحديدا في احد المواضيع التالية :-
1- النظم القانونية
2- النظم السياسية
3- النظم الاقتصادية
4- التغيرات الديموغرافية
5- النظم الادارية
6- الاسس التقنية و الاجتماعية
7- العلاقات التاريخية و الدينية والاجتماعية المسؤولة
في المحور الثاني تطرح النظريات والدراسات الحضرية والاجتماعية والاقتصادية التي يقدمها اعضاء المجموعة وحسب الاختصاصات التي تقسم اليها المجموعة و التي تقدر ايضا بين (50-60) عضوا موزعين لمجموعات صغيرة لكل مجموعة تخصص واحد بموضوع محدد كالاتي :-
1- لجنة التشريعات القانونية و القضائية
2- لجنة التخطيط البشري و الديموغرافي
3- لجنة الرؤية الاقتصادية صناعة تجارة زراعة
4- لجنة المالية و ادارة الثروة
5- لجنة العلاقات السياسية الدولية
6- لجنة ترسيم خط الانطلاق باعتماد فكرة ان المجتمع العراقي مجتمع شباب و يافعين
7- لجنة التربية
8- لجنة التعليم العالي و التكنولوجيا و الاقتصاد ما بعد المعلوماتية و ادارة المعرفة و الاقتصاد النانوي
تجتمع كل من اللجنتين لمدة 3 اشهر للانتهاء من تقاريرهما على انفراد على ان تمنح فترة شهرين اخرين للاجتماع كل لجنة ( محور ) على حدا لتخرج بتقرير موحد يتضمن خلاصة نهائية بتوصيات محدد وعلمية و عملية بعيد عن الانشائيات وضمن توقيتات محددة .
تجتمع اللجنتان معا بعد انتهاء مهامهما الاولية وتتوحد في ورشة عمل ولمدة شهرين اخرين ايضا لرسم اسس الرؤية الوطنية العراقية المتكاملة بجانبيها (الاسباب و الحلول), وتوضع الدراستان في قالب واحد يشترط فيه ما يشترط في عمل اللجان السابقة من ضرورة أشير ورسم خطوات عملية وعلمية لخطة عمل ما بعد الرسم .
استغرقت هذه الدراسة ما يقارب الثمانية اشهر لرسم المشروع الذي تتولى اللجنة العليا المعدة لهذا العمل بمبادرات وطنية وجراء حوارات عامة وشاملة ووفق منهجية إعلامية وإعلانية، تتولى تسويقه وطرحه من خلال جملة من الاليات والمناهج، دستوريا وقانونيا وثقافيا وسياسيا والعرض على الفاعليات السياسية و الاجتماعية و الدينية المؤثرة في المجتمع، وتلقي الاجابات وتدوينها بملاحق ومخاطبات مكتوبة لمدة اربعة اشهر، يكون فيها المشروع معروضا شعبيا ورسميا وسياسيا و قد اشيع تمحيصا ونقدا واكمالا واستدراكا ليكون مرة اخرى على منضدة الدراسة من جديد .
تقسم الردود و الاجابات ايضا حسب المحورين ويدعى اعضاء اللجان للاجتماع مرة اخرى وضع كل ذلك موضع الدراسة والتحليل و الاجابة لمدة شهر او شهر ونصف، ويصار فيه الى التعديل او الاضافة او التحوير او التصحيح وفقا للدراسات التي تجريها اللجان، وتقدم كل (لجنة محور) تقريرها موحدا بعد انتهاء الشهر والنصف وتجتمع اللجنتان ايضا شهر الى شهر ونصف وتقدم تقريرا معدلا شاملا كاملا جاهزا لطرحه كمشروع رؤية عراقية على الجهات الرسمية و الدستورية، أو ان يطرح للتصويت عليه في استفتاء عام ليكون جزء من الدستور او وثيقة دستورية ملزمة مكملة للعقد الأجتماعي أو أعتباره وثيقة عهد كـ (المكناكارتا) وأساسا من أساسيات العقد الأجتماعي للعهد الجديد.
أسئلة بدون جواب شجاع.....
في العاشر من حزيران عام 2014 سجل التاريخ انتكاسة حضارية كبرى ومنعطف غير جزء كبير من وجه العالم المعاصر، وستتردد أصداء ما حدث ليس في فلك الزمن الحاضر بل ربما يمتد لعشرات السنين القادمة، ليس لأنه حدث استثنائي فقط ولكنه بما أفرز من صور كارثية تتعلق بعنصر الدين والعقيدة ومدى تفاعلهما تحت ظروف ومعطيات ومقدمات لا يمكن تجاهلها أو التقليل من قوة الصدمة التي أحدثها ظهور التطرف الإسلامي بصورته المعلنة، الكراهية والعنف ورفض قبول الأخر والعودة بالحياة جبرا إلى صورة ماضوية قاتمة، نالت من كرامة الدين ومفاهيمه وتعاطي الناس معه على أنه الجانب الروحي الذي يقتضي أصلا الرحمة والتسامح والإصلاح الدنيوي بمفهومه الشامل.
وأيضا يخطئ من يظن أن الواقع الإسلامي كان مهيأ بالقوة أن يفرز مثل هذه الحالة لأننا أصلا مشبعين بجو الرفض وجو الانعزال الحضاري، مهما كانت الأسباب التي ساهمت بدفع هذا المشهد المأساوي للواجهة علينا أن نتذكر أن هناك عوامل وأدوات ونظريات وأفكار عملت خلال سنين طويله من خلال التسلل للعقل الديني الإسلامي ليكون على استعداد لتقبل هذا الواقع الذي أريد له وبه أن يعطي مثالا على أن الدين ليس أكثر من مجموعة أفكار يمكن أن تتحول لبركان تدمير للمجتمع، وليس بعيدا عن نظرية المؤامرة فقد أجتهدت جهات وأفكار على طرح ممارسات في الغالب لا تنادي بالمطلوب ولكنها ومن خلال فشلها المتوقع سوف تجعل من الشعوب باحثة عن نقيضها لتتلمس الحل، هكذا تمت صياغة الفكرة وعممتها على الكثير من الزوايا الأجتماعية ومن خلال أليات وأدوات غير صالحة الهدف منها الحصول على النتيجة المتوخاة منها وهو إفلاس زمني حضاري للتجربة السياسية والاجتماعية في المجتمع الإسلامي.
المجتمع الإسلامي ككل المجتمعات التي عانت من تغيب قسري لوعيها نتيجة تراكم وطغيان التسلط الديكتاتوري على مقدراتها تحت عناوين وشعارات، كانت على أستعداد نفسي وفكري أن تتقبل أي شكل من أشكال التحول الذي يناهض السلطة وقمعها وتطرفها في قمع الشعب ومصادرة قراره، لا سيما تلك الشعارات التي تمس الجانب الروحي للشخصية الفردية وخاصة الدين منفعلا برؤية ذاتية أنانية، لذا حينما شعرت الشعوب الإسلامية أن هناك أرتخاء وتململ في صفوف قوة السلطة سارعت نحو هذه الأفكار الروحية لتنهل منها ليس الأكثر جدارة بالأخذ لبناء مستقبلها، بل انحازت إلى الجوانب الأنتقامية التي تحاول بها أجهض مشروع السلطة، ويمنحها القوة المسلحة بالقداسة والتعظيم المزيف الذي روعي فيه تقديم الفعل المناهض الهدمي بدل نظرية البناء على ما تبقى من أسس صحيحة.
هكذا وجد الشباب المسلم في الفكر الديني العنيف والمتطرف قوته الكامنة لمحاربة السلطة ومن يعتقدون أنه سبب في الوصول بالحال إلى ما هو عليه، ولادة داعش ومن قبلها القاعدة ومن قبلها جماعة التكفير والهجرة وكل الحركات العنفية في المجتمعات الإسلامية ولدت من شعارات محاربة الطغيان والقضاء عليه، حتى تحولت فكرة الحرب والمحاربة والقوة القاهرة إلى نغمة قرأ فيها الإسلامي كل الفكر الديني وكأن العنف والقهر هو منهج الدين ومنهج الحياة، لذا فالعقلي الديني لهؤلاء لا يتعب نفسه في البحث عن التي هي أحسن بل عن التي هي أقوى وأسرع وأشد، فتحولت الذائقة القرائية للمتلقي من وضعية السلم والدعوة للسلام والإصلاح والمؤاخاة بين الناس إلى النقيض المتطرف في فهمه للقوة ومصادرها وكيفية إدارتها لتحقيق الغرض المناسب من أستخدامها زمنا وحالا ومكانا.
ومن المخطئ أيضا من يبرئ جهة أو طرف إسلامي من مسؤولية التطرف وإشاعته، بل أن وجود الطوائف والمذاهب الدينية هي الحاضنة الأساس ومكان تفريخ لكل الأفكار المتطرفة والعنفية، لا توجد بين أدبيات الأفكار المذهبية الدينية الإسلامية بعموميتها حس وسطي عقلاني متسامح يدعو للتعايش على فكرة واحدة هي أننا جميعا مسلمون نعبد الله وإن أختلفت قراءاتنا لما بين أيدينا من تعاليم ومنهج، الكل بلا أستثناء يدعي الوصال الحقيقي مع الله ويرمي بتهمة الكفر والشرك والظلال والتحريف والتزوير على المختلف الأخر، هذه الحالية لا يمكن معها وبها أن نسير أمنين في وسط طريق مزروع بالألغام الفكرية والعقائدية التي قامت عليها المذاهب، حتى وصل الأمر بالمسلمين أنهم تقاسموا أرث الله ورسوله بينهم، لك هذا ولي هذا وعليك أن لا تتعدى على ما لي ولكن من حقي أتعدى على ما لك، ولدت هذه الأفكار الظلامية في عقول الفقهاء والمجتهدين والقادة الفكريين العقائديين لتتحول كمسرح وملعب كبير إلى عقول العامة من الناس، مسنودة بالكثير من النصوص والقراءات المسمومة الكاذبة والمحرفة والمزورة التي تساند هذا وتعادي ذاك.
هذا الكلام لا يعني أن الدين الإسلامي هو بذات الوصف الأنف ولا يعني أننا ندين الفكر الديني بعموميته، ولكن حينما يتجزأ الدين كفكرة بين فرقاء وأحزاب قائمة على مبدأ الإزاحة والتنافس والصراع يختفي المبدأ الأساس الجامع أو ضياع خط الشروع الأول الذي أنطلق منه الدين، وتتحول النقاط الهامشية التي أختارها الفرقاء كمحدد ابتدائي وإن تعارض مع أصل الفكرة وجذورها، فحينما يعلن الفرد أنه من الطائفة الفلانية ومن الحزب الفلاني من الصيغة المحددة فهو يعلن بصراحة انفصاله وأبتعاده عن الدين الإسلامي وأختياره الجزئية الفردية مع أحترامنا لحق التنوع بدلا من العنوان الأشمل، الإسلام كدين يؤمن بحق القراءة الأخرى بميزانها العقلي ولكن لا يؤمن بالأختلاف الاعتباطي الذي يجعل من الواحد الجامع عامل تفريق وهدم لقوة المجتمع الإنساني العاقل والمعرفي، الأختلاف في القراءة رحمة عند الإسلام طالما أنها لا تهتك حراما ولا تحرم حلالا متفقا عليه بعلاته، أما شؤون الحياة ومداراتها والنظر فيها كمواضيع خصوصية تتعلق بأدوات الإنسان فهي في حل من تحديدها وتقيدها بقوانين قطعية مطلقة لا تقبل النقاش أو التساؤل والبحث عنها.
بعد هذا التقديم الموجز هل يمكننا أن نثير مجموعة أسئلة في وجه من حملوا لواء العنف والتطرف والإرهاب الفكري السلبي والإيجابي بمعنى الفعلي المجسد، أول تلك الأسئلة التي نثيرها بعد أن شخصنا الخلل في إيجاد عوامل الرفض والأقصاء والكراهية بين المسلمين، هل من فقيه أو مجتهد أو مفكر إسلامي قادر على أن ينتزع نفسه من هذه المنظومة الصانعة والمبررة والداعمة لما ذكرنا؟ وهل بإمكان المؤسسات الرئيسية في المذاهب والطوائف تملك القوة والقدرة على التراجع عن مواقفها في دعم الفئوية والعودة إلى ساحة الدين الواحد؟ وأيضا هل ينجح أفراد أو بعض المجموعات لو تبنت الخطاب الوحدوي الإسلامي في إقناع عشرات الملايين من أتباع المذاهب والملل والأحزاب الدينية أن مشروع الوحدة والتوحد هو مشروع الله ورسوله وما خلا ذلك فهو البهتان المبين، بل هل تقبل لمؤسسات الرأسية والقيادات المذهبية أن ترى المشروع التوحيدي يحضر بقوة في وعي العقل المسلم؟ هذه بعض الأسئلة التي تحتاج إلى شجاعة إيمانية حقيقية قبل الرد عليها أو حتى مناقشة أساسياتها التي تلتصق بالإيمان أصلا ولا تنفي ولا تعارض في حق التنوع والأختلاف طالما أن هذا التنوع والأختلاف سيكون مصدر قوة وإثراء للفكر الديني دون تزمت ولا قدسية له في وجه المبدأ الأول وهو أن الدين رحمة وإصلاح وتطور.