قطار الموت 1963

ربيع نعيم مهدي
2019 / 7 / 10

القطارات في العراقِ لَها حِكايات لا تُنسى، فواحدٌ مِنها أُجبِرَ على الوقوفِ في محطةِ الحلة والانتظار لساعاتٍ قبلَ إكمالِ رِحلَته الى بغداد حاملاً مَعهُ الأمير الذي سيُصبِحُ مَلِكاً على البلاد، وسببُ التأخير إن المندوب السامي البريطاني "بيرسي كوكس" لم يَكُن على استعداد للتضحيةِ بساعة القيلولة واستقبال فيصل الأول، وقطار آخر بدأت رِحلَته مِنَ الشمال وتحديداً من الموصل، قادماً الى بغداد يَحمِلُ معه ما تبقى من القوميين الذين أُخمِدَتْ نيران انتفاضتهم التي عُرِفَت بإسم "حركة الشواف"، وكِلا القطارين لم يَحصُل على صفةٍ للتَميزِ عن غيرِهما، لكن القطارَ الذي يَتَحدثُ عنه المقال يَختلِفُ بَعضَ الشيء، فحالُ قطارِ الموت يَشبَهُ كثيراً حالَ ذِئبِ أولاد يعقوب، فالأخيرُ بريءٌ من دمِ يوسف كما القطار في براءتهِ من شُبهَةِ القتل التي كانت مُعَدّة لاغتيال "520" معتقل سياسي.

ما قبل الرحلة:
في البدء لا بدّ من الإشارةِ الى أن رحلة قطار الموت لم تَكُن مُدرجة على جدولِ جرائم البعث التي شرعَ رِجاله في تنفيذها بَعدَ وصولهم الى السلطة (على متن قطار أمريكي بحسب قول علي صالح السعدي!!) في شباط 1963، فبعد قُرابَة خمسةِ أشهر، حدثت انتفاضة العريف "حسن سريع" في معسكر الرشيد، والتي كان من أولوياتها إطلاقُ سراحِ الضباط المعتقلين من سجن رقم "1"، للمشاركة في الانقلاب وقيادة الحركة، لكن المنتفضين أخفقوا في اقتحام السجن، لتكتب نهاية الحركة بعد ساعات على ولادتها في الثالث من تموز سنة 1963.
تسببت الحركة بعقدِ اجتماعاتٍ لما يُسمى بـ (المجلس الوطني لقيادة الثورة)، كان محورها عن كيفية التخلص من معتقلي سجن معسكر الرشيد، وبالرغم من اتفاق الجميع على إعدام بعض المعتقلين إلا انهم اختلفوا في العدد، ليخرج صانعي القرار باتفاقٍ يوجب نقل معتقلي السجن الى نقرة السلمان قرب الحدود السعودية، لكن آلة القتل الحاكمة قررت الاحتيال على الاتفاق الذي تبناهُ أعضاء المجلس، بنقل المعتقلين في قطار لنقل البضائع الى مدينة السماوة، ومن ثم الى نقرة السلمان، حيثُ تمت تَهيئة عرباتِ الشحن الحديدية وطُليت بالقار من الداخل، عسى ان تتسببُ حرارة تموز وقِلّة الهواء وانعدام الماء بوفاة المعتقلين، وعندها بالإمكان تلفيقُ الأعذار وحصرها بإهمال وتقصير أحد العاملين.

المحطة
قُبَيّل منتصف الليل في بغداد، استضافت المحطة العالمية على أحد أرصفتها المظلمة رئيس الجمهورية عبد السلام عارف، يرافقه رئيس الأركان طاهر يحيى والحاكم العسكري رشيد مصلح للإشراف على سير ما خُطِطَ له، فما ان أوقفت عربات الشحن بعيداً عنهم حتى وصلت آلياتُ العسكر وهي تحملُ المعتقلين، الذين شَعرَ بعضهم بالرضى لأن الرحلة لم تذهب بهم الى ساحة الإعدامات في أم الطبول، وبعد انتظار دامَ لبضع ساعاتٍ حُشِرَ "520" معتقلاً في عربات الشحن الخمسة عشر، حيثُ أبقى الحراس على حبالِ القنّب فقط لربط أيادي المعتقلين، الذين سارعوا بالتخلص منها فور إغلاق الأبواب عليهم، لتبدأ الرحلة الى وجهتها.
لكن القطار لم يتحرك، لأنه كان ينتظرُ رفيقَ دربه، السائق عبد عباس المفرجي، الذي استيقظ فجراً لاستلام بلاغٍ يطالبَهُ بسرعةِ الحضور الى المحطة، والتي وجدها مزدحمة برجال الحرس القومي، الذين أكملوا كافة إجراءات الرحلة، حيث ربطت عربات النقل والشحن وأُقفِلَت أبوابها بإحكام شديد، وهذا ما أثار الكثير من علامات الاستفهام حول ما يحدث، وزاد الطين بلّة عندما انتبه السائق الى وجود عددٍ من قيادات انقلاب 8 شباط وهي تراقب وتقدم التوجيهات، التي شددت على ضرورة السير ببطءٍ شديد للحفاظ على "البضاعة الخاصة"
لم يبدأ القطار رحلته إلا بعد الساعة الثامنة، فيما كان سائق القطار منشغلاً في أمرين، الأوامر التي وجّهت له والرحلة ذاتها، فالقطار يحتاج الى ما يقرب العشر ساعات لقطع المسافة بين بغداد والسماوة، هذا عند سيره وفق المعتاد أما الآن فربما ستتأخر الرحلة لخمس ساعات أو اكثر عن موعد وصولها، لكن المحطات التي مرّ بها شغلته بأمر آخر لم يَكُن معتاداً على رؤيته منذ ان بدأ العمل، فالجماهير التي تجمعت لإطلاقات صرخاتِ الغضب والتوسل لم يستطع ان يجد لها معنى في جوٍّ مشحون بالتوتر.
أما في الجهة الأخرى من القطار فقد بدأت حالة المعتقلين بالتدهور، بعد ان ارتفعت شمس تموز لترفع معها درجات الحرارة الى ما يقارب 50 درجة مئوية، والتي تسببت بحالة اختناق وغثيان والبعض منهم فقد الوعي، وكثير منهم أدرك انهم سائرون نحو بوابات الموت، لكن النعش لا يصلح للأحياء، لتنطلق الأناشيد من أفواه منهكة، جعلتهم يستذكرون رفاق الأمس وبطولات الشهداء، حتى تحولت عربات الشحن الى انتفاضة ضد إرادة الموت.

نقطة تحول
لم تَكُن في حسابات من خطط لهذه الرحلة أنها ستشهد نقطة تحول، تُعيدُ الأملَ الى راكبي قطار الموت، ففي محطة "المحاويل" تسلل رجل مجهول الى قاطرِة السائق عبد عباس وكشف له سر البضاعة، التي كانت مجموعة من الضباط والكفاءات العلمية، التي أُريدَ لها الموتَ بطريقةٍ بشعة.
لكن المجهول الذي تسلل الى قاطرة السائق لم يَكُن الوحيد، إذ يَذكُر ركاب الرحلة إن شرطياً طَرَق أبواب العربات واحدةً تلو الأُخرى، ليتحدث الى ركابها بصوتٍ خافت يوصيهم بالصبر والتحمل، وإن سائق القطار سيعلم بأمرهم وسيعمل على إنقاذهم.
نعودُ الى سائق القطار، الذي لم ينتظر لسماع التفاصيل، واكتفى بأطلاق صافرةٍ حملت رسالته الى الركاب يعلن فيها اشتراكه في انتفاضة المعتقلين، فما هي إلا دقائقَ حتى شعروا بتزايد سرعة القطار الى حدودها القصوى فصارت المقطورات تهتزُ وتتأرجح كأنها تطير على سكتها.
ان الرجل المجهول الذي كشف حقيقة الموقف للسائق القطار، وأرسل باقاتِ الأمل الى ركابه، سعى الى فضح المخطط، وانتشر بين الأهالي خبر قطار الموت، فسُرعان ما ازدحمت المحطات بالناس الذين ساهمت رشقاتهم للمياه بتخفيف حرارة الجدران الحديدية، وتشجيع المعتقلين على الصمود في محنتهم.
هنا لا بد من الإشارة الى ما كان يَحدثُ داخِلَ العربات من معاناة، إذ سقط بعضهم فاقداً وعيه نتيجة الاختناق، والبعض الاخر تقيأ ما في جوفه الخاوي، وقسم آخر استسلم الى الوهم محاولاً استنشاق الهواء من ثقوبٍ صغيرة، لم يَكُن لها وجود إلا في خياله، ولم تُفلِح نصائح الأطباء المعتقلين إلا في تخفيف شدة الألم الذي رافقهم.

محطة السماوة
لم يختلف الحال في محطة السماوة عن باقي المحطات إلا في إن الأهالي قد استعدوا لاستقبال الواصلين، إذ حملت نِساءُ المدينة ما استَطعنَ تَجهيزهُ لإنقاذِ حياةِ المعتقلين، فيما رافقهم الرجال والأطفال مسلحين بالسكاكين والعصي، وبعضهم حضر وهو يحمل ما استطاع من أغذية التقطها من سوق المدينة.
وما أن توقف القطار في المحطة قبل موعد وصوله المحدد بأربع ساعات، حتى قفز السائق راكضاً نحو ناظرِ المحطة، راجياً إياهُ بالإسراعِ في فتح الأبواب وإخراج المعتقلين الذين أنهكهم غليان المقطورات، ليخرجوا كالأشباح المتهاوية ممددين على الأرصفة.
هرع الأهالي لمساعدة من استطاع الخروج من السجناء وسقيهم بالماء المالح عملاً بنصيحة الاطباء، فيما تجرأ الآخرين على تحدي مفرزة الحرس القومي والدخول الى العربات وإخراج من فقد الوعي منهم في لحظة هي أقرب ما تكون الى الموت، مما استوجب نقل سبعة من المعتقلين الى المستشفى، حيث فارق أحدهم الحياة متأثراً بمرضه وهو الرائد يحيى نادر.
وانتهت أحداث المحطة بعد تفادي المتواجدين فيها لمواجهة مفتعلة من قبل عناصر الحرس القومي، كان القصد منها السيطرة على الوضع ومنع الأهالي من تقديم المساعدة، ليتم في نهاية اليوم نقل المعتقلين الى مركز شرطة المدينة، وانتظار عربات السجن القادمة من نقرة السلمان، لتكتب نهاية الرحلة، وعودة القطار الى بغداد حاملاً معه لقباً سيبقى ملازماً له أبد الدهر "قطار الموت"، أما سائق القطار فلم يسلم من الأذى حيث تسلم امر فصله من العمل لمدة ستة اشهر بعد عودته بيوم واحد.