آبار الدولة الاسلامية

ربيع نعيم مهدي
2019 / 7 / 10

في الحقيقة، ان الكتابة عن الدولة الإسلامية أمرٌ يستهوي القلم، لكن البحث في خفاياها يقودنا الى الدخول في دهاليز التنظيم المؤسس لها، حيث الكثير من علامات الاستفهام المثيرة للجدل، فبعض هذه العلامات تتحول الى إشاراتٍ للدلالة على ان التنظيم ودولته ليس سوى آلةَ حرب في معارك ما بعد الحرب الباردة، والبعض الآخر تدور حول مضارب خيام الخلافة، والتي غَرَستْ أوتادها على أرضٍ غنيةٍ بالذهب الأسود.
ان الاجابات التي يبحث عنها القلم لا تقف عند نتيجة محددة، فالدولة التي أعلن التنظيم عن قيامها، نشأت في الظِّلّ وعادت اليه سريعاً، ولم تُفلح لغة الدم في إبعاد نيران النهاية عن راياتها السود.
واذا أردنا كشف أسرار الدولة وخفاياها فيجب علينا العودة بالزمن الى بدايات الالفية، وبعد الاحتلال الامريكي للعراق تحديداً في عام 2003م، حيث شهد العالم ولادة التنظيم الحقيقية على يد رجلٍ صنعته ماكنة الحرب الباردة، أبو مصعب الزرقاوي، والذي تزعّم جماعة التوحيد والجهاد بعد عامٍ على الاحتلال، ليعلن البيعة لتنظيم القاعدة في وقت لاحق، ساعياً في الوقت ذاته الى لملمة شتات الفصائل المسلحة تحت خيمة "مجلس شورى المجاهدين".
ان المجلس الذي تشكل في عام 2006م، لم يكن سوى ذلك الرحم الذي خرجت منه "دولة العراق الإسلامية"، وهي خلاصة مشروعٍ لإقامة اقليم للسُنّة في العراق، لكن صعود أبو بكر البغدادي الى رأس سلطتها في صيف2010م غيّر من استراتيجيات التنظيم، إذ تعامل الرجل مع مجريات الاحداث في المنطقة بذكاء وسياسة برجماتية، ففي نيسان2013م أعلن البغدادي عن "الدولة الإسلامية في العراق والشام" بعد ان وضع يده على بعض الاراضي في شرق سوريا، حيث بدأ التنظيم باستغلال حقول النفط السوري لتوفير التمويل واستيعاب المقاتلين من المهاجرين الى دولته.
وما ان تدفقت أموال النفط الى خزينة الدولة، حتى بدأ البغدادي بإعادة ترتيب أوراقه واستغلال منظومة الفساد المنتشرة في مفاصل الدولة العراقية، ففي تموز2013م هاجم مقاتليه أثنين من السجون العراقية لتهريب أكثر من ألف معتقل، والذين أصبحوا جزءً من القوة التي سيطرت على عدّة مدن عراقية في العاشر من حزيران 2014م.
في التاسع والعشرين من حزيران 2014م صعد ابو بكر البغدادي الى منبر جامع النوري في مدينة الموصل، لا بصفته إمام جماعة أو زعيم تنظيم بل باعتباره أميراً للمؤمنين وخليفة للمسلمين. حيث أوضح في خطبته انه قبل الخلافة وهو كاره لها، متجنباً ذكر البيعة التي فرضتها لغة الموت على الاهالي.
قد يعتقد البعض ان التنظيم نجح في تحقيق أهم أهدافه بإقامة دولة الخلافة، لكن الواقع يشير الى أمرٍ مختلف، فعند النظر الى سياسة البغدادي ومجلس الشورى نجد انهم استطاعوا سحبَ البساط من تحت أقدام تنظيم القاعدة، إذ سُرعان ما التحقت اغلب التنظيمات المسلحة بالدولة معلنةً البيعة للخليفة، حيث استمر الأخير بتطبيق استراتيجية استثمار آبار النفط المُسيطر عليها لتجنيد أكبر عدد ممكن من المتشددين على وجه الارض.
وفي الوقت الذي نجحت فيه رسائل البغدادي في استقطاب المهاجرين الى "أرض الخلافة"، كانت آلة الموت تحقق نجاحات أخرى في تحشيد المعادين للدولة الاسلامية، أذ بدأ التحالف الدولي عملياته العسكرية ضد التنظيم في ايلول 2014م.
وبالرغم من تطبيق اساليب القتال المعهودة لدى التنظيم في فتح عدة جبهات لتشتيت ساحة المواجهة، إلا ان الدولة فشلت في الحفاظ على الارض التي استولت عليها، واكتفى قادتها بدفن المهاجرين في الخرائب وإخفاء المليارات التي وفرتها آبار النفط في العراق وسوريا، حيث أعلن رئيس الوزراء العراقي عن نهاية الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في 9 كانون الأول 2017م.
قد يكون ما سبق مجرد سرد قصير لحكاية لم تعرف النهاية، وهو في ذات الوقت مقدمة صغرى لما نوّد الاشارة اليه، إذ ن علامات الاستفهام التي ذُكرت في صدر المقال تتجاوز التنظيم لتقف عند مواضيع مختلفة، منها الحرب بالإنابة، والتي تُعدّ أحدى مخلفات الحرب الباردة، ومنها ما يقف عند سوق النفط وتعاملاته المؤثرة على السياسة والتجارة الدولية.
فقد يعتقد البعض ان الدول المنتجة للنفط هي المتحكمة في تسعيرة الذهب الاسود، وهذا خطأ شائع، لأن الواقع يشير الى ان سياسات الدول المستهلكة كانت ولا تزال تتحكم في كم الانتاج النفطي وتسعيرته، فعند النظر الى الأزمات السياسية التي حدثت منذ نشوء أسواق الذهب الاسود سنجد ان الازمات المُفتعلة وتأثيراتها هي التي تحدد الاسعار، حيث اثبتت الوقائع ان النفط منذ اكتشافه قد تحول الى سلاح شديد التأثير في الحروب التي دارت على وجه المعمورة.
واذا نظرنا في واقع بعض الازمات التي حدثت منذ بداية الالفية الثانية سنجد الكثير من الروابط التي تجمع بينها، فمنذ احتلال العراق الذي شكل نقطة تحول في المسارات السياسية، نجد ان سقوط النظام في بغداد اسقط معه هيبة الاصنام التي جثمت على قمم أهرام السلطة منذ عقود، حيث ان اغلب هذه الانظمة تفتقد الى بعد النظر عند التعاطي مع الازمات السياسية، إذ فشلت في ادراك ما ستنتج عنه معسكرات التنظيمات الاسلامية، والتي سارعت الى استغلال نيران ما بات يعرف بالربيع العربي.
ان ابرز ما انتجه انتفاضات العرب هو اخراج ما يقارب 1.6 مليون برميل من النفط تُنتج من آبار ليبيا وسوريا واليمن، مما أثر على أسواق النفط التي تعاني من غياب مليون برميل من النفط الايراني بسبب العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في عام 2012م، وفي المحصلة تجاوزت تسعيرة الذهب الاسود حاجز الـ100--$-- للبرميل، متأثرةً بالمخاوف من انضمام بعض النفط المنتج في العراق الى قائمة الخسائر بسبب الحرب الداخلية مع تنظيم الدولة الاسلامية، والذي انهى المرحلة الاولى من المعركة باحتلال ثلث العراق في منتصف عام 2014م.
هنا قد يعتقد البعض ان اسعار النفط سترتفع بعد ان فقدت الاسواق ما تنتجه الدول المذكورة، لكن الواقع مختلف تماماً فالنفط المنتج من الابار التي سيطر عليها التنظيم قد وجد له مكاناً في السوق السوداء، والتي تشهد إحدى مفارقات السياسة الدولية، فالمشتري لنفط الدولة الاسلامية هو ذات العدو الذي يحاربها عبر وسائل الاعلام، ليخسر برميل النفط30% من قيمته في العام الاول لقيام دولة الخلافة.
الغريب هنا ان الدول المنتجة للنفط لم تعمل على تقنين انتاجها لرفع الاسعار ، فبعضها كانت تسعى الى زيادة الحصة الانتاجية لافتقار خزائنها الى السيولة والاحتياط المالي، والبعض الاخر أصرّت على ان تبقى معدلات الانتاج على حالها، لان خزائنها متخمة بما يجعلها قادرة على تجاوز الازمة.
المهم هو ما حدث بالتزامن مع العمليات القتالية للقضاء على الدولة الاسلامية، إذ استعادت ايران حصتها في سوق النفط بعد رفع العقوبات عنها، فيما خرج العراق وليبيا من الحرب ضد التنظيم بزيادة كبيرة في معدلات الانتاج، وتمكنت الشركات المنتجة للنفط في الولايات المتحدة من تصدير النفط المحلي بعد صدور قرار من الكونغرس الأمريكي بالموافقة على رفع الحظر المفروض على تصدير النفط منذ أربعين عام تقريباً.
وهنا نقطة يجب الوقوف عندها، فمن المفترض ان دخول هذه الكميات من النفط الى الاسواق العالمية سيعمل على زيادة تخمة المعروض، وبالتالي تتعرض الأسعار لمزيد من الهبوط، لكن ما حدث عكس المتوقع تماماً، فالأسعار لا زالت تشهد ارتفاعاً تدريجياً لا يتناسب مع ما هو معلن او ما هو معروف في قواعد التعاملات التجارية.
وعند التفكير في الاحداث التي تزامنت مع ولادة دولة الخلافة وغروب شمسها، سنجد ان واقع الحال يشير الى ان التنظيم لم يكن سوى أداة فاعلة فيما بعد الحرب الباردة، وعامل مؤثر بشكل كبير على تسعيرة الذهب الاسود، وبالرغم من خسارته للأرض في العراق الا ان بالإمكان اعادة استثماره وربما اعادة تدوير الوجوه في صراع لا نهاية له.