صفقة القرن وتيار الاستلاب للصهيونية/الغرب

حاتم الجوهرى
2019 / 7 / 10

في الفلكلور العالمي حكاية تتكرر بعدة صور في مختلف الآداب يدور مضمونها حول وجود كائن خيالي يأكل لحم البشر، وفي مرة اختطف مجموعة منهم وحبسهم في قفص كبير دون أن يعرفوا حقيقته، وكان يقدم لهم الطعام الوفير وهم فرحين يظنون فيه كل الخير، في حين كان هو يقدم لهم الطعام خديعة لتسمينهم قبل أن يشرع في التهامهم واحدا تلو الآخر!
يصلح هذا المثال بشدة للرد على التيار الذي ظهر في مصر والوطن العربي فيما بعد موجة الثورات العربية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، والذي يمكن تسميته بتيار "الاستلاب" للذات الغربية/ الصهيونية والخروج من الذات العربية، وهذا التيار مضمون مقاربته تلك يختلف عن شعارات التطبيع الفضفاضة العامة التي ظهرت مع جيل التسعينيات من المثقفين بعد حرب الخليج واتفاقية أوسلو، فهذا التيار الجديد يقدم تنظيرات أو تصورات لتبرير فكرة الاستلاب للآخر والخروج من مستودع هوية الذات العربية ولا يقف عند حدود التطبيع وشعاراته التقليدية، ويقف في واسطة هذا التيار د.يوسف زيدان فكريا، ويتحرك على ضفافه د.سعد الدين إبراهيم على المستوى السياسي، مع حضور صحفي وإعلامي واسع لخطاب هذا التيار في بعض الأوساط الخليجية.
في هذا السياق خرج علينا مجددا د.سعد الدين إبراهيم في مقال السبت 6 يوليو أول هذا الأسبوع بجريدة "المصري اليوم" بعنوان "نصيحتى للأشقاء الفلسطينيين: خذوا.. وطالبوا!"، ملخص حجته في المقال إن العرب والفلسطينيين لم يقبلوا منذ البداية تكتيك الحلول الوسط والتدرج في استعادة الحقوق، ولم يدركوا مرور قطار السياسية الدولية ففاتتهم كل الفرص السابقة لينخفض سقف التفاوض المطروح في كل مرة أمامهم بتقدم الزمن.
مستعرضا بداية الحلول السياسية للصراع في قرار التقسيم عام 1947م، مرورا بالحروب العربية الإسرائيلية التي انتهت إلى أن ابتلعت الصهيونية كل الأراضي الفلسطينية وبعض الأراضي العربية، مثنيا على اتفاقية أوسلو ومشروع سلام التسعينيات، ثم ينتقل للحديث عن صفقة القرن مبرزا لب فكرته في القبول بما تطرحه أيا كان ثم المطالبة بالمزيد بعد ذلك!
الحقيقة أن خطاب د.سعد الدين إبراهيم متهافت في منطقه وعرضه ذاته، ففي عرضه لتاريخ الصراع السياسي مر مرور الكرام المتغافلين عند ذكره اتفاقية أوسلو، دون أن يذكر لنا مآل الفلسطينيين وحالهم بعد أن انتقلوا لمبدأ القبول بالمتاح وتحت ضغط القوى الدولية، وتحديدا أمريكا التي انفردت بالملعب الدولي في حينه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي! تكاد تفاهمات أوسلو وما سبقها من إرهاصات أن تكمل عقودا ثلاثة الآن، وما الذي حققته للفلسطينيين؟ سوى المزيد من الخيبة والحصار وغياب الاختيارات والبدائل وتآكل احتمالات المستقبل!
ما لم يلتفت له د.سعد الدين إبراهيم أن الفلسطينيين اختبروا بالفعل منطق تيار الاستلاب الذي يدعو له، ومر على هذا الاختيار ما يقرب الثلاثة عقود من الزمان منذ بداية التسعينيات، وأصبحت السلطة الفلسطينية الآن تواجه الحائط وظهرها للبحر، بعد أن أدى قبولهم لمنطق المتاح إلى تآكل كل الوعود التي قطعتها أمريكا، وإلى عودة أمريكا لتبني الفكر الصهيوني التوسعي ومنطق الهيمنة الوجودية المباشرة والمعلنة لإسرائيل على العرب.
وفي ختام مقاله حدد د.سعد الدين إبراهيم سببين لقبول صفقة القرن المزعومة بمنطق أسماه "لا ضير ولا ضرار"! وهما عدم وجود بدائل أخرى للتعامل مع الصراع، والسبب الثاني حسب قوله أنها لن تكون آخر المطاف فيمكن بعدها المطالبة بالمزيد! ويستند لدعم منطقه هذا بفكرة الزيادة السكانية ومعدل المواليد المرتفع للفلسطينيين بالمقارنة بالإسرائيليين.
الغريب هنا هو منطق "لا ضير ولا ضرار" ذلك وكأن الصراع بوضعه الحالي لا بأس به، ومن ثم يمكن القبول بعملية تحسين شروطه بالنسبة للفلسطينيين والعرب! الغرابة هى منطق الحيادية والهروب من مستودع الذات العربية والتزاماته والرضا بالتعامل بمنطق التجار فيما يسمي "صفقة"، وفي واقع الأمر خيار المتاح هو ما أوصل المفاوض الفلسطيني لما نحن فيه الآن، ويوجد العديد من الخيارات البديلة فلسطينيا وعربيا، ولكنها تتطلب إرادة عربية ومشروعا واضحا لاستعادة اللحمة مع الحاضنة الجماهيرية في مواجهة الضغوط الغربية، يمكن للفلسطينيين فك الارتباط بسلطة الاحتلال في حال توفر التمويل البديل لتسيير المؤسسات الأساسية للحياة هناك، ومقارعة العدوان بالعدوان والردع المتبادل والصمود والمقاومة الشعبية، مع العودة للمنظمات الدولية في تحميل الاحتلال مسئولياته والالتزام بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
كما يمكن للدول العربية العودة للمربع صفر وتغيير الصورة الذهنية للصراع مرة أخرى وعزل الكيان الصهيوني وسلطة الاحتلال تدريجيا إذا لم يستجب للمطالب العربية، وذلك وفق خطة طويلة الأجل ومشروع عربي جامع وواضح، ما نفتقده د.سعد الدين إبراهيم هو مشروع طويل للمواجهة الحضارية والسياسية وعزل سلطة الاحتلال عالميا، وإن كانت الظروف الدولية غير مناسبة الآن فما علينا سوى محاولة تغييرها والصمود في وجه الزمن، لا الرضوخ للضغوط الآنية والقبول بالمتاح وهو الخيار الذي أثبت عجزه مع اتفاقية أوسلو.
ناهيك عن أن د.سعد الدين إبراهيم تعمد التغافل عن شق حاسم في صفقة القرن، يتعلق بدول الطوق ودورهم في صفقة القرن، خاصة المخططات سيئة السمعة التي تتعلق بمصر وشبه جزيرة بسيناء، وهو ما تمثل في تصريحات مطاطة غامضة لمستشار البيت الأبيض جاريد كوشنر حول إقامة مشاريع في سيناء ضمن الصفقة تصب في صالح الفلسطينيين المقيمين في غزة! ولا أدري لماذا سكت د.سعد الدين إبراهيم عن هذه المسألة، أم إنها تأتي أيضا ضمن منطقه القائل بـ "لا ضير ولا ضرار"، منطق غريب منطق الشخص الحيادي أو المفرغ من جل التزامات مستودع هويته التاريخي.
وفي الحقيقة خطاب د.سعد الدين إبراهيم هو خطاب سياسي عام يأتي في إطار الترويج والدعاية وجس النبض لمشروع الاستلاب الجديد، في حين يبدو أن د.يوسف زيدان ينتظر اللحظة المناسبة والمدخل الإعلامي والفكري المناسب كعادته ليتحفنا بمقاربته التي سينتقيها ليروج للصفقة، بوصفه العراب الفكري للاستلاب للآخر والخروج من الذات العربية.
ليست صفقة القرن تلك سوى مجرد تحسين لظروف الاحتلال، أو تتويج لاختيار القبول بالمتاح الذي أًجبر عليه الفلسطينيون منذ التسعينيات، ليتحول الآن لتصفية القضية رسميا، فالاسم الصحيح لما يجري الآن هو تصفية القضية مع منح الفلسطينيين ظروفا أفضل تحت الاحتلال وفي السجن الكبير، انتظارا لذلك الكائن الخرافي الذي سيأكل منهم بالتدريج كل من يشعر بالسمنة ويحاول رفع رأسه.