موعدنا 30 يونيو!

فاطمة ناعوت
2019 / 7 / 10

موعدنا 30 يونيو!

(موعدنا 30 يونيو). تلك هي العبارة التي كنتُ أختتمُ بها جميعَ مقالاتي منذ قررنا قبل سنوات ستٍّ تطهيرَ عرش مصر من سرطان الإخوان وإسقاط الجواسيس الذين سرقوها بليلٍ، فيما نحن غافلون. على مدى شهرين كاملين بدأتُ الحشدَ ليوم عظيم من عمري بكامل عُدّتي وأسلحتي: (القلمُ) في مقالاتي، (الحاسوبُ) في التغريدات والبوستات، (الحنجرةُ) على شاشات الفضائيات والإذاعات والمحاضرات، (اللافتاتُ) في الطرقات والشوارع.
تخلل ذلكما الشهرين (اعتصامُ المثقفين)، الذي تزامن مع بداية يونيو 2013. كان "اعتصامُ المثقفين" الشرارةَ التي انطلقت من دار الأوبرا تضامنًا مع "مديرة دار الأوبرا" آنذاك، "د. إيناس عبد الدايم"، وزير الثقافة الحالية، التي قرر وزير الثقافة الإخواني آنذاك "علاء عبد العزيز" إقالتَها، ولكننا، نحن الشارعَ الثقافي، لم نقبل هذا وخرجنا من دار الأوبرا واحتللنا وزارة الثقافة، واعتصمنا بها لا نبرحُها أبدًا حتى نمنع الوزير الإخواني من دخولها. قاومنا بلطجيةَ الإخوان الذين تحرّشوا بنا، ولقّنا البلطجيين "أحمد المغير، وعمرو عبد الهادي"، الإخوانيين الهارببين الآن، درسًا لا ينسياه. أجّج اعتصامُنا حماسَ الشعب المصريَّ ضد أعداء الحياة خونة الأوطان، وتصاعدت مطالبنا من إقالة وزير الثقافة الإخواني (عدو الثقافة والفنون)، إلى إسقاط "مرسي العياط" (عدو الوطن) عن عرش مصر. رددنا على خطاب مرسي المتوعّد بأن رقصنا "زوربا" مع فرقة باليه القاهرة في الشارع أمام وزارة الثقافة، وشاركتنا جموعُ الشعب المصري من المارّة وحُراس العقارات المجاورة وسُيّاس الچراچات، فكانت تظاهرةً شعبية راقصة هائلة الجمال. من داخل الاعتصام هتفتُ للإخوان: “أهلا بكم في عُشّ الدبابير، موعدُ رحيلكم آنَ أيها الإخوان". فالمثقفُ قد يصمتُ ويغضُّ الطرفَ مادام عُشُّه الثقافيُّ مُحصّنًا وشرنقته الإبداعية في أمان. فإذا ما تهدَّد ذلك العشَّ خطرٌ ما، خرج عن صمته وانتفض. وهو ما كان، حيث التحمَ المثقفون والفنانون والأدباء على قول واحد وقرار، ربما لأول مرة من عقود طوال، وربضنا في مقر وزارة الثقافة بشارع "شجرة الدرّ" بالزمالك قرابة الشهر. هنا أيقنتُ أن إسقاطَ الإخوان بات وشيكًا. ثم جاء أحدُ أعضاء مجلس الشورى بحزب النور السلفيّ، وهَرَف قائلا: "الباليه فنّ العُراة"!! وأفتى بتحريمه! يومها سألتني صديقتي الباليرينا النحيلة "نيفين الكيلاني" والدمعُ في عينيها: (هل أجسامُنا مثيرة للشهوات حقًّا ونحن نرقصُ الباليه؟) فأجبتها بسخطٍ: (من تُثِر شهواتِه الفراشاتُ، فعيناه ليستا في رأسه، بل في مكان آخر). هنا أدركتُ أن إسقاطَ الإخوان، بات قابَ قوسين أو أدنى. فالإخوانُ وحزبُ النور وتيارُ الإسلام السياسي والتكفيريون، جميعهم تنويعاتٌ مختلفة على نغمةٍ نشاذ واحدة تكره العلمَ والفنَ والحياة، بقدر ما يكرهون الوطن.
شكرتُ الرجلَ الذي فضح فكرَهم المريض حين كشف أنه لم يرَ في راقصة الباليه الساحرة إلا شهواتِه وأمراضَه، وطلبتُ من فرقة باليه القاهرة أن يهبطوا من برجهم العاجي/ خشبات مسارح الأوبرا، ويقدموا رقصة للناس في الشارع، كما كان يفعل فنانو التروبادور في أسبانيا. وبالفعل استجابوا ورقصوا الباليه في الشارع ورقصنا معهم أمام مبنى وزارة الثقافة بشارع شجرة الدر. أمسك بيدي راقصُ الباليه الأول بمصر "هاني حسن" وهو يعلّمني خطوات الرقصة ومعي مئات المصريين من مختلف المشارب والمستويات. أقسمنا نحن المثقفين ألا نفُضَّ اعتصامَنا، حتى لو أُقيل الوزير المزعوم، حتى يلتحم اعتصامُنا بثورة 30 يونيو الشعبية الخالدة. وكانت لوحةُ المثقفين التي رسمناها باعتصامنا الطويل القطعةَ الفنية الأرقى والأكثرَ أناقة بين كل ما أنتجته الشعوبُ من قطع فنية خالدة.
وحين حان يوم 30 يونيو، هدرت جموعُ الشعب من كل صوب تنادي بسقوط الخونة عن عرش بلادنا. وجرت المياهُ في النهر من جديد.
كان رهانُنا هائلا. وكما ظنّنا أن يوم 12 فبراير 2011 هو بدايةَ مصر الجديدة بعد تنحّي الرئيس مبارك، لولا سرق ثورتَنا الإخوانُ والوهابيون فأرجعونا للمربع الأول، كنا على يقين من أن بداية النور والتنوير والانعتاق سوف تبدأ في اليوم التالي لإسقاط مرسي العياط، يوم 3 يوليو 2013. لكن مشوارَ النتوير مازال طويلا وشائكًا وقاسيًّا، لأن البناءَ عسيرٌ بعد طول هدم مظلم بدأه أعداءُ الحياة منذ نصف قرن يضربون خاصرة التنوير بمصر بمعاول الظلام والتجهيل ومحاربة الفكر. طويلٌ مشوارُنا التنويريُّ حتى نوقدَ ما يكفي من شموع لمحو الظلام الذي رسمه الظلاميون في أركان مصر وجوانبها. دعونا نوقد شموعَ التنوير في مصر ونعمل بجدّ كما يعملُ الرئيسُ السيسي بجد، حتى ننهضَ بمصرَ؛ وتُكلَّلَ ثورتُنا بالنجاح، ويغمر قلبَ مصرَ الفرحُ. “الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن.”
***