مشلكة تبعية الاسلاميين في كوردستان

عماد علي
2019 / 7 / 10

من عايش الواقع الكوردستاني منذ عقود و تمعن قليلا في عمل الاسلام السياسي الذي ارتبط بقوى مختلفة و حصل فيها تغييرات و تراوح منحيات مكانتهم و حجمهم وفق تعاملهم مع الظروف الاجتماعية من جهة و الظروف السياسية الاقتصادية لشعب كوردستان من جهة اخرى، يرى بوضوح جوهر عمل هذه القوى. هنا لا يمكن ان اقيمهم ابان النضال الثوري الكوردستاني لانهم كانوا ضمن قوة سياسية عسكرية واحدة و هي الحركة الاسلامية في كوردستان، و ولدت البقية اما من رجمها او منافسا لها او تابعا لقوى اسلامية سياسية في منطقة الشرق الاوسط، غير منسجمة مع الوسط الكوردستاني، و يمكننا ان نؤكد عدم ولادة اي حزب اسلامي من مخاض كوردستاني صافي و قح و انما كانوا و تاسست الاكثرية فيما بعد انتفاضة اذار 1991 اما انشقوا عن حزب الام بدوافع كثيرة لا يسع هنا الكلام عن جميعها او انبثق الاخر تابعا لاخوان المسلمين و المنظمات و الحركات الاسلامية المختلفة الشكل و التركيب التابعة لها، وهم ارادوا نقل التجربة الى كوردستان دون دراسة و تدقيق الظروف المختلفة و الواقع الاجتماعي السياسي التاريخي الجغرافي المختلف بشكل علمي.
فمن نافل القول بانهم كانوا متحالفين مع هذا و ذاك من القوى الاسلامية و نفذوا ما طُلب منهم نتيجة محاولة ضمان مصالحهم الحزبية الشخصية الخاصة بهم، و في المقابل لا يمكن ان نؤكد بانهم جميعا خضعوا بشكل مطلق لهذه القوى التي كان لها الفضل على تاسيسهم او دافعا بكل قواهم لمسيرتهم، اي لم يدخلوا خانة العمالة بشكل كامل نتيجة ما بقي نسبة معينة في تركيب و جوهرمجموعة كبيرة منهم من الحس القومي المؤثر في فكرهم و توجهاتهم، وعليه فان من ابتلى بالعمليات الارهابية لا يعد كثيرا جدا وفق ما كانو عليه من الحجم و ما امتلكوا من الاعداد الهائلة من المنتمين في مراحل متعددة من عملهم خلال العقود الماضية. و كعادتعم فانهم تحالفوا مع القوي الداخلي و الخارجي دائما، و يُعد هذا خضوعا و عملا انتهازيا نتيجة تحقيق هدف معين دنيوي وهو ضمان متطلباتهم و ليس لتكامل بينتهم و تنفيذ عقيدتهم و فلسفتهم، و عليه كانوا معرضين لانقلاب مواقف القوى المتحالفة و تراجع بعضهم نتيجة ما فرضت مصالحهم على الانسحاب من تحالفاتهم التي كانت كثيرا على حساب الحس القومي و الوطني و المظلومية التي الحق بالشعب الكرودستاني على ايدي الحكومات المتلاحقة في الدول التي ينقسم فيها الكورد دون ان يلمسوا اي موقف مشرف من هذه القوى الاسلامية، هذا ان لم يكن هؤلاء داعمين للظالمين من حكام هذه الدول. فيمكننا ان نقول حقا انهم عندما لم يصبحوا ورقة مربحة للقوى الاسلامية العالمية فلم يبال بهم هؤلاء و شعروا بان الاموال الهائلة التي صرفت لهم لم يحتل موقعا لتحقيق اهدافهم الاستراتجية و امنياتهم الكبيرة في منطقة الشرق الاوسط، و منهم كوردستان على الرغم بقاء شيء من الحنية بينهم، بينما تغيرت الحال كثيرا بعد سقوط الدكتاتورية العراقية و اختلفت بشكل جلي المعادلات و تغيرت موازين القوى، و بعد الربيع العربي بدات مرحلة جديدة و من ثم الانتكاسة التي اصابتهم تاثرت القوى الكوردستانية بشكل اكبر و تغير سلوك و حركات حتى المتشددين منهم .
من جانب اخر في كوردستان لم تسمح لهم الظروف و الواقع الموجود من امتلاك الاحزاب لقوى عسكرية خاصة بهم و التاثير المعنوي للبيشمركَة التي كان لها الدور الاكبر في الثورة الكوردستانية التي سيطرت على زمام الامور من السلطة، ففقد الاسلاميين ابسط الطرق و هو التحالف مع العسكر، و هذا لم يسمح لهم في كوردستان كما حصل في الدول الاخرى و ادوا الموالين في المواقع الحساسة للدولة اي عمل طُلب منهم من قبل الاسلاميين، و هكذا نفذوا عمليات كبرى اهترزت بها الدول كما حدث من اغتيال السادات، اضافة الى عدم وجود دولة خاصة في كوردستان بل بقي كاقليم تابع للدولة العراقية التي تغيرت بعد سقوط الدكتاتورية، فاصبح حينئذ منحنى اوضاع و امكانيات القوى الاسلامية الكوردستانية مرتبطة بالقوى العالمية و العراقية التي اتبعوها، و كان جميعهم بشكل مطلق من السنة، و هذا ما ادى الى عدم استفادتهم بشكل كبير نتيجة سيطرة الشيعة كما هو المعلوم على السلطة العراقية، و من ثم ازداد ارتباط الكثير منهم بالقوى الارهابية و خسروا شعبيتهم و حتى مواقعهم و سمعتهم التي كانوا يمتلكونها قبل هذا.
ما يلاحظ من القوى الاسلامية في كل مكان و كوردستان من ضمنهم بانهم يتمتعون بالانتهازية و ما تسنح لهم اية فرصة يستغلونها و لكنهم يخطئون كثيرا في مراحل عزهم نتيجة فلسفتهم و افكارهم التي يعتمدون عليها في سرهم و هو السيطرة المطلقة و ازاحة القوى الاخرى و عدم ايمانهم بالمشاركة و التحالفات مع القوى العلمانية حتى تكتيكيا في اكثر الاحيان.( لاحظنا كيف تصرفوا بداية الربيع العربي في مصر و كيف شاركوا في سوريا و تونس و ليبيا) و هكذا فان الاسلاميين في كوردستان غيروا لهجتهم ايضا عندما لاحظوا ارتقاع منحنى القوى المماثلة لهم و لكنهم كسر شوكهم بعد فشل تلك القوى في هذه الدول التي انتفضت.
و عليه فان القوى الاسلامية الكوردستانية لم تشهد لهم مرحلة متنقلة و انما كما كانوا ضعيفين ابان الانتفاضة نتيجة سيطرة القوى العلمانية، و لكنهم ازدادت همتهم و تحركم بعد الوضع الاقتصادي الصعب و الحصار الذي تعرضت له كوردستان على يد صدام، فاستغلوا هذا بالمال الخليجي و برزت قوى جديدة و ارتفع رصيدهم لحين سقوط صدام و تغييير موازين القوى، فانهم عادوا الى وضعم بعد حين.
في حين اختبأت بعض القوى الاسلامية خلف عباءات شخصيات و قوى اسلامية عربية و بالاخص الخليجية في عز مرحلة انتعاشهم على حساب العلمانيين نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة، فانهم دخلوا في خانة الاهراب نتيجة حروبهم المتواصلة في تسعينات القرن الماضي و اثر هذا على مكانتهم و حددت به مساحتهم و تقلصوا كثيرا بعد ذلك، و اليوم بعد الانتعاش النسبي للوضع الاقتصادي الكوردستاني بقيت هذه الاحزاب الاسلامية في دائرة معينة دون تغيير ملحوظ او كبير، على الرغم من محاولات الاسياد التي كان لهم الفضل عليهم محاولين تحركهم و دفعهم عسى يفيدون في استخدامهم في المعادلات السياسية في المنطقة، و لكن بروز داعش و انكساره و ما حصل في سوريا و العراق و الانتهاكات التي حصلت ما وضح ما يخبئه هذه القوى عند التسلط على اي بقعة، فان التردد و عدم الانتماء اليهم انخفض جدا بل انعدم في مرحلة طويلة و التردد من التقرب منهم اصبح يفرض نفسه على من لم ينتم اليهم قبل هذه الفترة.
من المعلوم ان هناك صراعا خفيا و علنيا ايضا بين هذه القوى المنتشرة في كوردستان، و تعدديتهم تناقض ادعاءاتهم بان الاسلام الواحد هو الصحيح، و عليه انهم انقسموا الى المتشددين و المعتدلين المختلفين مع البعض و السلفيين و من انضم بين صفوفهم الى داعش و كسر جناحهم و برز زيف ما ادعوه من اعتدالهم، و اليوم يحاولون دون جدوى توحيد صفوفهم الا ان المصالح الكثيرة الدنيوية هي التي تمنعهم على الرغم من انهم يعيشون و يتحركون من اجل الاخرة و الجنة النعيمة و حور العين و انهر الخمر و الغلمان وفق ما يعتقدون و يؤمنون و يستندون عليه من النصوص. فان شعبيتهم و ان تتغير و تختلف بين مرحلة و اخرى استنادا على الواقع الاجتماعي الاقتصادي الكوردستاني المختلف، فانهم بنفسهم حددوا لنفسهم الدائرة و الشعبية التي يلتفون حولها بشكل ثابت لمدد معينة و لحد اليوم.
ان اختلاف القومية و الثقافة و التعددية الدينية الموجودة مع التاريخ المختلف عن الشعوب الاخرى من عوامل تحديد هويتهم و دائرتهم الا ان تبعيتهم للقوى الاسلامية العالمية تفرض عليهم في كثير من الاحيان الخروج من الواقع و الظروف الخاصة التي تحيط بهم في كوردستان و هم موجودون و يلعبون فيها، قد تضر بهم و يدخلون في تناقضات كبيرة تؤثر على مكانتهم و الثقة بهم اكثر حتى من قبل المنتمين لهم.