بنادق الجماعة

ربيع نعيم مهدي
2019 / 7 / 9

في القرن الماضي بدأت الجماعات الاسلامية بتشكيل وتنظيم حراكها السياسي لمواجهة المدّ الاشتراكي الذي ساد الشارع العربي، حيث انطلقت هذه الجماعات محملةً بموروث اسلامي متجذر في العقل العربي، والذي أثَرَ وتأثر منذ نشأته بالواقع الذي أُقْحِمَ فيه من خلال ما عُرِفَ بالفتوحات ونشر الدعوة، وقد يكون من الصواب القول ان الاسلام الذي انتشر في بقاع الارض قد تأثر بالمجتمعات التي اعتنقته بشكل أكبر من تأثيره عليها، ولأسباب كثيرة قد يكون أهمها الصراع السياسي والفكري الذي نشبت نيرانه منذ العام الحادي عشر للهجرة، حيث خرج المجتمع الاسلامي بحصيلة غير متجانسة لمدارس ومذاهب وفرق تنضوي تحت سقف واحد لكنها تختلف في التوجهات والاساليب والاهداف.
موضوع المقال محدد بالجماعات الاسلامية التي اتخذت لها أجنحة مسلحة، وتحديداً تلك التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، في ضل أنظمة هجينة حكمت باسم الاشتراكية لكنها برعاية رأسمالية، فمن يعيد النظر الى مجريات النصف الثاني من القرن الماضي سيجد ان السطور الاولى لفكر الاخوان المسلمين قد كتبت في تلك الفترة.
وهنا لا بد من الاشارة الى مسألة مهمة جداً، وهي ان المدّ الشيوعي في دول الشرق الأوسط لم يكن بالإمكان مواجهته دون الاستعانة بالجماعات الاسلامية المتشددة، والعكس صحيح أيضاً، وهذا ما يدركه صانع القرار السياسي الذي يتلاعب بالبيضة والحجر للحفاظ على الاستقرار الهش، لكن هذه السياسة لها من المخاطر ما يجعلها كارثية النتائج، فالرئيس "انور السادات" تبنى هذه السياسة لينتهي به الأمر مقتولا على يد الاخوان، كذلك الشاه في إيران والذي انتهى به الأمر منفياً ليترك البلاد بيد العمائم وهي تعالج مسألة التفاحة التي نضجت بل واقتلاع أشجارها من الجذور.
ان الحقيقة التي دائما ما تغيب عن قيادات القوى الاسلامية هي عدم إدراكهم للمساحة التي تترك لهم، فبالرغم من صعود العمائم الى سدة الحكم في ايران إلا انهم وقعوا في فَخٍ مجهول التدبير، وانشغلوا بحرب الثمان سنوات التي لم نعرف لها منتصر وإن كنا على يقين بهوية الخاسر، أما تنظيمات الاخوان فلم تستطع تجاوز حاجز الملاحقة الأمنيّة بالرغم من تحقيقها لانتشار واسع على المستوى الدولي، وبقيت أغلب فروع التنظيمات ملتزمة بسياسة العمل في الظل واللجوء الى حرب العصابات عند الدخول في مواجهة القوى التي تدخل في دائرة العداء للجماعة.
وإذا اردنا رسم صورة واضحة لواقع الاسلام السياسي المعاصر فيجب علينا اعادة النظر في واقع الصراع الدولي وتأثيراته على المنطقة، فعند النظر الى واقع إيران في سبعينيات القرن الماضي سنجد ان الحزب الشيوعي الايراني كان على بعد خطوات قليلة عن قصر الشاه، لكن الاحتجاجات التي استمرت لأكثر من عام أجبرت أقطاب السياسة الدولية على القبول بنظام يستطيع سحب البساط من تحت اقدام الشيوعيين، لتحدث ما عرفت بالثورة الاسلامية في أيران، الثورة التي سرعان ما أطلق قادتها شعار تصديرها دون النظر الى الآثار المستقبلية على واقع المنطقة سياسياً.
وفي المحصلة خسر الشيوعيين الارض الايرانية، لكنهم حاولوا بشتى الوسائل الحفاظ على افغانستان كمنطقة نفوذ لهم، وبالرغم من احتلالهم لها لعشر سنوات إلا انهم فشلوا ايضاً، لتنتهي قصة الغزو بانسحاب تسبب في صناعة مشكلة أكبر من الاحتلال، ألا وهي الجماعات الاسلامية وتنظيمات المجاهدين التي تُرِكَتْ بلا عدو .
ان المفارقة الكبرى في واقع الجماعات الاسلامية تكمن في ان الدواء تحول بين ليلة وضحاها الى داء تصعب معالجته، فالمقاومة الافغانية التي استقطبت آلاف المجاهدين من العرب وغيرهم قد تحولت بعد الانسحاب الى قوة فاعلة على الارض واستطاعت إخضاع أغلب الاراضي لسلطانها، وهنا برزت الى الواقع مشكلة أخرى وهي ان المجاهدين تدربوا وأتقنوا فنون الحرب فقط، في مجتمع تغلب عليه القيم والأعراف القبلية، فيما يحل الاسلام وعقائده في مرتبة ثانية.
لذلك سعى قادة الجماعات التي عرفت فيما بعد بتنظيمات القاعدة الى تصدير مشاكلهم من خلال الاستعانة بالموروث الفقهي واختيار عدو جديد حتى وإن كان من حلفاء الأمس، لكن المساعي التي صنعت أحداث الحادي عشر من ايلول تسببت في فتح العديد من الجبهات المتناثرة، كانت في محصلتها خسائر متتالية، فبعد الاستنزاف الممنهج للرصيد البشري والمادي للتنظيم، انفرط عقد الجماعة لتولد تنظيمات فرعية لكل واحد منها منظومة عقائدية تشترك مع الباقين في الاسس لكنها تختلف في الاهداف، ومثال على قولنا ان جبهة النصرة وتنظيم الدولة ينتميان الى جذور مشتركة لكنهما يختلفان في الغايات.
ان الملفت للنظر في واقع هذه الجماعات، ان نقاط القوة هي ذاتها نقاط الضعف، فجميعها تتبنى اساليب حرب العصابات في أي مواجهة مسلحة، وجميعها تستعين بوسائل الاعلام في نشر عملياتها، بل والمبالغة في حجم انتصاراتها على ارض الواقع، لكن الامر لا يقف عند هذه الحدود، فما بين السطور يقف عند عدة مسائل مهمة، أولاها مركزية القرار الفردي والذي غالباً ما تغيب عنه استراتيجية العمل السياسي واعتماده على القرارات الارتجالية، ومركزية ادارة التمويل لضمان القدرة على الاستمرار والبقاء في دائرة الحرب.
قد يعتقد الكثير ان الدخول في مواجهة ضد الجماعات الاسلامية يعني التورط في حرب لانهاية لها، لكن الحقيقة لها قول آخر، فاغلب هذه الجماعات فشلت في الحفاظ على الارض بعد مسكها، وكأن سطور النهاية لأية جماعة تُكْتَب قبل اعلان النصر.
وفي خاتمة المطاف تجد الاشارة الى ان جميع الاطراف الفاعلة في ادارة الصراع الدولي تدرك جيداً ان الجماعات التي نتحدث عنها هي من افضل الوسائل التي يمكن الاستفادة منها في إعادة رسم موازين القوى المتناثرة على هذه الارض.