نُبْذة من حقوق الإنسان

إيمان بوقردغة
2019 / 7 / 9

لئن دأب القانون الدولي على حماية حقوق الإنسان وهو ما جسّدته قرارات دولية لعل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أبرزها فإن هذ ه الحقوق قديمة أسّست لها الشرائع السماوية.
ففكرة حقوق الإنسان تسبق الدولة وهي جزء من كينونة الإنسان كمخلوق للّه و ترتيبا على ذلك فإن هناك حقوقا سابقة للدولة و هناك حقوق فوق الدولة.
فالدولة ملزمة باحترام الحقوق الطبيعية للإنسان و بقبول التقييدات التي تنطوي عليها هذه الطبيعية و بعبارة أدق فإن حقوق الإنسان تفترض دولة ذات صلاحيات محدودة حتى لا تتحول إلى "اللفياثان" أو إلى "الإله الأرضي" على حد تعبير "هوبز" الذي أسّس نظريته السياسية على سايكلوجيا واقعية براقماتية تمنح الدولة سلطة مطلقة على أفراد تحكمهم "الفوضى".
إنها استنتاجات منطقية لفطريّة حقوق الإنسان المخلوق على صورة اللّه فحريته و كرامته إذن جبلّة متأصّلة فيه وهي غير قابلة للتصرف.
ومضامين هذه الإستنتاجات منصوص عليها في التشريعات الإلهية ففي نصوص "العهد القديم" أو "عهد اللّه مع إسرائيل" نُلفي "الوصايا العشر" وهي ناموس موسى المؤسِّس لقوانين تضعها سلطة عليا إلهية و هي السلطة التشريعية الأصلية ليطبّقها الخاضعون لهذه الشريعة.
ومن أبرز الوصايا هي "لا تقتل" وهي قاعدة آمرة بمنع قتل النفس البشرية في" سِفر الخروج" و نجد التحذير من القتل أيضا في "سفر الأمثال" ٨إسمَعْ، يا ابني مَشورَةَ أبـيكَ ولا تُهمِلْ نَصيحةَ أُمِّكَ. ٩إآليلُ نِعمةٍ هُما لِرأسِكَ وقلائِدُ برآَةٍ لعُنُقِكَ. ١٠إنْ أغراكَ الخاطِئونَ يا ابني، فإيَّاكَ أنْ تَقبلَ إغراءَهُم. ١١إنْ قالوا: تعالَ نكمُنْ لِلقَتلِ ونتَرَقَّبْ ضَحيَّةً بريئةً، ١٢فنبتَلِعُهُم آالهاويةِ وهُم أحياءُ آالقبرِ وهُم هابِطونَ أصِحَّاءُ، ١٣فنَحظى بكلِّ شيءٍ نفيسٍ ونَملأَ بُيوتَنا غنائِمَ، ١٤ويكونَ حَظُّكَ آحظِّنا، ولجميعِنا آيسٌ واحدٌ. ١٥لا تَسِرْ حيثُما يَسيرونَ. وامنَعْ قدَمَيكَ عن سُبُلِهِم. ١٦خطَواتُهُم تسيرُ إلى الشَّرِّ وتُسْرِعُ إلى إراقةِ الدِّماءِ.
و تقول آية أخرى ، الأمثال عأ: خ ، في النسخة الدولية ، إنه لا ينبغي "حرمان جميع المظلومين من حقوقهم"
و التأسيس لحِرمة القتل و تجريمه ضمانا لحق الحياة الأسمى و الأكثر قداسة بين الحقوق منصوص عليه في تشريعات العهد الجديد تنصيصا لا ريب فيه إذ جاء فيه «تَعرِفُونَ أنَّهُ قِيلَ لِآبائِكُمْ: ‹لا تَقتُلْ. [ث] وَكُلُّ مَنْ يَقتُلْ يَستَحِقُّ المُحاكَمَةَ.› ءء أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ إنَّ مَنْ يَغضَبُ مِنْ شَخصٍ آخَرَ فَإنَّهُ يَستَحِقُّ المُحاكَمَةَ، وَمَنْ يَشتِمُ شَخصاً آخَرَ يَنبَغِي أنْ يَقِفَ أمامَ مَجلِسِ القَضاءِ. وَكُلُّ مَنْ يَقُولُ لِشَخصٍ آخَرَ: ‹أيُّها الغَبِيُّ› يَستَحِقُّ الجَحِيمَ. " متى٥.
و من جهة ثانية فإن مضامين الإقرار بحقوق الإنسان و تاجها الحق في الحياة منصوص عليها تنصيصا تشريعيا قطعيا في القرآن و في ذلك يقول جل ثناؤه: {من أجْلِ ذلك كتبنا على بني إسرائِيلَ أنَّه من قتلَ نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنَّما قتلَ النَّاس جميعاً ومن أحياها فكأنَّما أحيا النَّاسَ جميعاً ولقد جاءتهُم رسُلُنا بالبيِّناتِ ثمَّ إنَّ كثيراً منهُم بعد ذلك في الأرض لمسرِفونَ(32)} و يقول أيضا: {ولا تقتلوا النَّفسَ الَّتي حرَّمَ الله إلاَّ بالحقِّ ومن قُتِلَ مظلوماً فقد جعلنا لوليِّه سُلطاناً فلا يُسْرِفْ في القتلِ إنَّه كان منصوراً(33)}
فإذا اعتبرنا, من الناحية الأنطولوجية أن أصل حقوق الإنسان هو الإرادة الإلهية فإن المحاولات العملية الأولى لتطبيقها يمكن العثور عليها حتى منذ الكتابة الأولى للقانون التشريعي "مدونة حمورابي" , بابل( العراق) أو ميثاق كورش (إيران) بمبادرة من الملك الفارسي أو Magna Carta
أي"الميثاق العظيم" بإنجلترا وهو بمثابة الأساس لمبادئ الدستور، فيما يتعلق بحكم الملك ومحدودية نفوذه وسلطته .
أما في فرنسا فقد أثقبت الثورة الفرنسية لسنة 1789- ضرمة نقاشات فلسفية و قانونية محتدمة غيّرت وجه العالم بتكريسها لمبادئ حقوق الإنسان فصدر إعلان حقوق الإنسان و المواطن.
و الحديث عن حقوق الإنسان في العصر الحديث قد تبلورإبّان الحرب العالمية الثانية حين رزحت الإنسانية المعذّبة تحت نير البغي و سفك الدماء و إزهاق الحق و إعلاء الباطل فاتّجه الحلفاء في هذه الحرب إلى إنشاء منظمة الأمم المتحدة سنة 1945 و في 10 ديسمبر 1948- صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لتتأسّس الشرعية الدولية لحقوق الإنسان.
فإن كانت الشرائع السماوية و الوضعية تؤسّس للإيمان المشترك بحقوق الإنسان حتى اعتبر أحد محرّري وثيقة الإعلان العالمي René Cassin, الحائز على جائزة نوبل للسلام, أن الأصل الإيديولوجي للإعلان يمكن العثور عليه في "الوصايا العشر"
فإن ضمان هذه الحقوق للأفراد العزّل في مواجهة سلطة الدولة مازال بعيد المنال.
فما أحوجنا إلى نظام عالمي جديد قوامه حقوق الإنسان" الثمينة و التي لا غنى عنها" مثلما أومأ إلى ذلك الفيلسوف السياسي Joel Feinberg إذ قال: " “A world without them, however benevolent and preoccupied by accomplishing its own responsibilities,would suffer from a great moral poverty. People would no longer hope for a decent treatment from others based on merits and legitimate expectations.Moreover, they would get to believe that they have no right to expect goodness and respect from others, so that, when they benefit even from a minimum decent treatment, they will consider themselves rather lucky than inherently entitled to that treatment, and their benefactors will be considered as particularly virtuous and worthy of gratitude. On the other hand, rights are not just gifts´-or-favors motivated by love´-or-by mercy, for which gratitude is the only adequate answer... A world with rights that can be claimed any time is a world where all the people (...) are objects worthy of respect, both in their eyes and in other people’s eyes.”