-الظمأ والحنين- رواية تطالب بحل مشاكل الأمة بالعلم والوحدة

صلاح شعير
2019 / 7 / 8

دراسة لروايتي الظمأ والحنين بقلم : معتز محسن عزت

رواية "الظمأ والحنين" للكاتب د. صلاح شعير تنتمي إلى أدب الخيال العلمي الملامس للواقع دون المبالغة في التحليق للعالم السرمدي حتى لا يصاب العقل باللامعقول أو الخيال المبالغ فيه، لأن بالواقعية المتزنة مع إطلاق العقل لعنان التحليق والسباحة في وادي التأملات، تظهر لنا أجيالاً تتسم بالواقعية و التأمل من أجل عالم أفضل لغد أفضل.

سارت الرواية على هذا المنوال في أوقات عصيبة نحياها بين فقاقيع مدمرة تصيب العقول والأفئدة بالإحباط والقنوط، ليأتي الدور على الأدب والفن لإيقاظ الأمل المدفون وسط هذه الأنقاض المتناثرة من طيات القرارات الحارقة لبساط العالم من أجل حلم الهيمنة و السيطرة لقوى الإمبريالية بألوانها المختلفة.

من لا يملك الحلم لا يملك قراره، ومن لا يملك قوته لا يملك مصيره هكذا كانت الرواية التي أرادت أن تنير لنا الطرق التائهة وسط ظلام المشاحنات المتزاحمة ما بين الفضائيات والمواقع والصحف الورقية والإلكترونية مع التباري في السبق للوصول إلى أسبقية إصطياد الخبر المجهول و المصير المحتقن من بين أنياب الأسود و النمور وقد وضع الكاتب اسم (واحة البلح) و (واحة الزيتون) كرموز للدالة على العربية.

(فارس المختار) بطل الرواية الذي رسمه الكاتب بإقتدار و أحد رموز واحة البلح جسد وقعية التاريخ في الانتماء للمقاوم الكبير عمر المختار ، رمز الصمود الليبي ضد الغزو الإيطالي لمدة تقترب من العشرين عامًا. أضفت تلك الشخصية بعدًا يحمل في جعبتها الأمل المنتظر حتى ولو بعيد المنال؛ فأنه يمكن تقريبه والوصول إليه إن سرنا على ما فعله العالم الشاب مع خطيبته الجميلة المثقفة العالمة وفاء حلمي المنتمية لواحة الزيتون، مستعينًا بروح (روميو و جولييت) في تخفيف وطأة الصراع من خلال قصة حبهما الدافئة تحت ظلال العلم والتكنولوجيا.

ضفر الكاتب تلك القصة الغرامية جامعًا بين جناحي الخيال والواقع، فالخيال تمثل في أجمل قصص الغرام (روميو و جولييت) والواقع في قصة حب نشأت بين أحضان العلم والمعامل كتلك القصة الممثلة في العالمة البولندية الفرنسية (ماري سلودوفيسكا / كوري) وزوجها العالم الفرنسي القدير (بيير كوري) اللذان حصلا على جائزة نوبل في الفيزياء مناصفةً مع الفيزيائي الفرنسي القدير (هنري بيكريل) في العام 1903. تأكدت صحة رسم تلك القصة الغرامية العلمية أيضًا بقصة الحب التي جمعت بين العالمة الكيميائية القديرة (إيرين كوري) إبنة ماري وبيير كوري مع العالم الكبير (فريدريك جوليوت) لتلعب الجينات دورها في تكرار دورية التاريخ بحصولهما على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1935 وهذا ما كان يأمله الأحبة في تهيئة المناخ المناسب لجيل يسير على العلم والثقافة و المعرفة. لم يكن الكاتب في برج عاجي وقت تناوله لتلك الشخصيتين بل سبك الأحداث ما بين الواقع والخيال مع إبراز النتاج المدهش في وقف الأشرار عند حدهم مع إيقاف سمومهم للنيل من جسم المنطقة التي إن سنحت لها الفرص في التعبير عن نفسها، لتوقفت كل ملاحم أباطرة الشر في العبث بمصائر الجميع.

توافر عنصر الصراع الركن الأساسي الذي يبنى عليه أحداث الرواية والذي ظهر عبر الراوي العليم من خلال الحمام والغراب الملخصين لما يحدث بين الفريقين عبر التناول المسرحي في القالب الروائي للتفاصيل المتعددة بين الخير والشر، هادفًا إلى توصيل الرواية لجميع الأعمار كنوع من الإجتهاد في توصيل المعلومة القيمة والثقافة من أصغر إلى أكبر فرد في المجتمع. هذا ما كان يفعله الكاتب الكبير محمود سالم صاحب سلسلتي (المغامرون الخمسة) و (الشياطين ال13) في جعل الثقافة وعاءً موحدًا بين الأجيال لإذابة الحواجز القائمة بينهم لخلق مجتمع يعرف معنى التواصل و التفاهم من أجل مجتمع متطور يحيا على نور المعرفة و قيمة العلم. لا يوجد حلم بلا أعداء، ولا يوجد سرب من الحمائم دون مطاردة الغربان له، ذلك المعنى تجسد في أوقات تمازج الصراع بين مختلف الكائنات في صور متوازية توضح لنا تنوع المعنى في الصراع الدائر بين الخير و الشر إلى أن وصلنا لفتك الحمائم بالغراب وقت الإنتصار المبهر للواحتين على أعداء الحياة. فريق الخير (الموازي للحمامة) تمثل في سيف المختار ووفاء حلمي ، فريق الشر (الموازي للغراب) تمثل في هاشم العقرب وهند الحافي أي الصراع بين الوطنية والعمالة والتي نراها الآن في مختلف البقاع العربية منذ هبوب عواصف الفتنة؛ مع وجود الشخصيات الثانوية التي تدعم تحريك الأحداث والتي تمثلت في الجنرال الوزير سيف وخليفته جورج ديفيد.

وضحت لنا الرواية بأن الصراع القائم الآن هو صراع العلم والطاقة طبقًا للمقولة الإنجليزية التي تقول : "هذا العصر هو عصر العقل و العلم و ليس عصر العضلات و الفتوة" تجسدت هذه المقولة في الفارقة بين أبناء المنطقة العربية ( واحة البلح و واحة الزيتون) والعالم الغربي (مدينة الأثرياء) ومدى تعامل كليهما مع الصراع حسب التعامل مع الواقع إلى جانب إشارة الكاتب لنبوءة تسير في التحقق و هي " :إن السيادة القادمة بلون النمور الصفراء، بإشارته بتعليم سيف المختار بجامعة شنغهاي الصينية ووفاء حلمي بجامعة بونباي الهندية.

برز لنا معنى اسم هاشم العقرب الموازي للغراب مع واقعية معنى اسم هند الحافي التي أصيبت بالحفاء لغرقها في الفساد بكل معانيه لغياب الضمير عن قلبها وروحها في ظل سعيها لإتلاف أخلاق الشباب تحت ستار الترفيه والسعادة بأبخث الأثمان وهذا ما نعانيه الآن، والعلاج الناجع هو سلاح العلم و الثقافة كما قال سيف المختار في أكثر من مناسبة.

كل هذا لن يأتي إلا بالوحدة المبنية على أسس لا تعرف الوهن و التففت إن وحدنا الأهداف وأكملنا النواقص فينا كعملية تكاملية تسير على منوال الوحدة الحقيقية دون ظواهر صوتية وشعارات رنانة لا تجلب لنا سوى الحنين الهادر للبكاء على اللبن المسكوب. بجدية العلم تم التوحيد بين الواحتين المتنازعتين عبر إكمال الناقص لكليهما وقت المجاعة والتصحر مع تفعيل العقول العربية في إيقاف نزيف الشر كما فعل سيف المختار و وفاء حلمي مع هاشم العقرب وهند الحافي. العمليات الإرهابية التي تدبر من قِبل الغرب عبر التنكر المخابراتي تتم تحدث عبر بعض سواعدنا نحن؛ وذلك من خلال بعض الجماعات المتطرفة، وهذا ما وصفه مهندس الدبلوماسية الإسرائيلية موشيه شاريت لأستاذه بن جوريون قائلاً : "لا داعي لقتال أعدائنا بأنفسنا بل دعهم يتقاتلون مع بعضهم البعض للوصول لأهدافنا المرجوة".

صَدَّق بن جوريون على كلام تلميذه في كتابه (الصراع العربي الإسرائيلي) في العام 1955 قائلاً : "إن عظمة إسرائيل لا تكمن في أسلحتها الذرية و لا ترساناتها النووية بل في القضاء على أعظم ثلاثة دول عربية (العراق – سوريا – مصر)".الصراعات الدائرة الآن في الدول المتناحرة بخطط صهيوغربية و أيدي عربية حتى لا نفكر في مقاومة أعدائنا و بالتالي لا بد من النظر بالتوازي الواقعي لما يحدث على الساحة دون أن نُمني النفس بالأوهام المعسولة التي تخفف من وطأة إخفاقاتنا.

تسير الرواية بإنسيابية في تدرج أحداثها حتى مشهد فداء أم وفاء لفارس المختار زوج إبنتها يوم عرسهما كنوع من التكفير عن ذنب رفضها له في البداية و سعيها لتزويجها من هاشم العقرب ، مما يؤكد لنا على أن الأيام لا تسير على وتيرة واحدة بل تتعاقب بمختلف التفاصيل كتعاقب الليل و النهار.