إِمامٌ وشياطين -سطور من تاريخ الثورة الاسلامية في ايران-

ربيع نعيم مهدي
2019 / 7 / 8

"1"
ان الحديث عن الثورة الاسلامية في ايران ليس بالأمر الهيّن، شأنها شأن الثورات التي تحولت الى ظاهرة مقترنة بالحرب الباردة، فأغلبها كانت متخمة بالأسرار والانقلابات التي جعلت من كل ثورة كالأم التي تقتل ابناءها لتبقى على قيد الحياة.
عند البحث في موضوع المقال وجدت ان واقع ايران ما قبل الثورة شديد التعقيد، فلكل تيار سياسي منهج وأهداف تجعل من حلفاء الثورة أعداء في غدها، ولم يكن تجنب البحث في من سيتولى الحكم بعد الثورة إلّا تأجيل للمواجهة الدامية التي ستحدث مستقبلاً.
فالثورة التي أطاحت بالملكية الايرانية كانت نتيجة تحالف القوى السياسية التي اجمعت على انهاء حكم الشاه، لكنها اختلفت في الاسلوب والاهداف كما اشرت سابقاً، فالقوى الليبرالية الدستورية حددت مطالبها بالالتزام بالدستور الإيراني لعام 1906م ، حيث تمثلت هذه القوى بـ "حركة الحرية"، و"الجبهة الوطنية"، يرافقها مجموعة يسارية لها تأثير كبير جداً على الشارع، متمثلةً في "حزب توده الشيوعي"، و"منظمة فدائيو الشعب"، و"حركة مجاهدي خلق"، وجميعها كانت في مرمى مدافع أجهزة الشاه الأمنية، لأنها كانت تسعى الى تغيير النظام برمّته، أما القوى الدينية المتمثلة بآيات الله فبعضها اكتفى بتأييد الثورة، والبعض الآخر كان أحد رجالها كآية الله الخميني الذي حمل تحت عمامته منهج وأطروحة جديدة للحكم، وهي "ولاية الفقيه".
"2"
في خمسينات القرن الماضي أصدر الخميني كتابه «الحكومة الإسلامية»، والذي طرح فيه المبادئ الأولية لما بات يعرف بـ "ولاية الفقيه"، وهي نظرية تفيد بان واقع الاسلام يحتاج الى حكومة إسلامية بزعامة الفقيه، بمعنى ان إمامة المساجد لا تكفي لإصلاح المجتمع وعلى الفقهاء قيادة النظام الحاكم، حيث ينوب الولي الفقيه عن الامام الثاني عشر في غيبته لإقامة حكم الله وقيادة الامة وادارة شؤونها الدينية والدنيوية.
ان نظرية آية الله الخميني لا زالت تتراوح بين الرفض والقبول لدى مراجع التشيّع، فالموروث العقائدي يشير الى الولاية الفقيه، لكنه يحدد صلاحياتها بالمسائل العبادية والمالية، لأن الولاية المطلقة من مختصات المعصوم الذي يستطيع اقامة دولة العدل الالهي وقيادتها، لذلك تعد نظرية آية الله الخميني خروجاً عن المألوف في حينها.
"3"
ان الناظر الى تاريخ الشرق الاوسط يدرك ان جميع دول المنطقة بما فيها ايران كانت ولا تزال محور الصراعات الدولية، ففي عام 1941م قامت بريطانيا وروسيا باحتلال ايران وتنصيب الشاه محمد رضا خلفاً لأبيه، لتمضي أمور البلاد في سنوات من الاستقرار الهش، سرعان ما تلاشت معالمه بعد تأميم الصناعة النفطية على يد رئيس الوزراء محمد مصدق، والذي سُجِنَ بعد انقلاب عسكري ساهمت في تدبيره المخابرات البريطانية والأمريكية لإعادة السيطرة على منابع النفط في عام 1953م.
ان الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي وضعت ايران في صدارة اهدافها، فالسوفييت كانت لديهم مساعي للوصول الى مياه الخليج، من خلال نشر الافكار الماركسية ودعم الاحزاب الشيوعية للسيطرة على المنطقة، لكن هذه السياسة كانت تواجه بإجراءات رادعة من الغرب، إذ عملت الولايات المتحدة على إنشاء حزام من القوى الاسلامية في الدول المحاذية لجنوب الاتحاد السوفيتي، ولم تكن ايران مدرجة على أوراق هذا المشروع، لكن فشل الشاه بالسيطرة على البلاد ومواجهة الخطر الشيوعي، اجبر الغرب على اعادة النظر والقبول بالقوى الاسلامية.
ان القبول الذي نتحدث عنه لم يكن من باب الرضى، فالقوى العلمانية المعارضة للشاه كانت تفتقد الى القوة، وجميعها ستؤدي بالبلاد الى السقوط في قبضة العلم الأحمر، وهذا ما أدركه الغرب منذ ان بدأت نيران التوتر بالتصاعد بين الشاه وشعبه.
"4"
هنا لا بد لنا من تسليط الضوء على سياسة الشاه في الحكم، فالعقود الاربع التي حكم فيها بلاد فارس، شهدت الكثير من الاحداث التي انتجت ايران بوضعها الحالي، ففي الستينيات أعلن محمد رضا عن "الثورة البيضاء"، وهي خُلاصة برنامجٍ للإصلاح وعصرنة المجتمع، من خلال تعديل بعض القوانين وتغييرها، واعادة توزيع الاراضي التي كان جزء منها تحت يد بعض رجال الدين، لتحدث أول مواجهة بين الشاه وآية الله الخميني أدت الى اعتقال الاخير ووضعه تحت الإقامة الجبرية لثمان شهور، لكن المواجهة بين الرجلين لم تنته إذ أُعيد اعتقال الخميني في تشرين الثاني عام 1964م، وتم ابعاده الى خارج البلاد منفياً.
ان مشاكل الشاه محمد لم تكن في حقيقتها بسبب وجود الخميني، فالأحداث تُشيرُ الى انه كان يؤجج نيران التوتر والعداء ضد نفسه، ففي عام1971م أقامَ احتفالاتٍ وصِفَتْ بالتبذير المفرط في ذكرى تأسيس الإمبراطورية الفارسية، في حين كانت آفات العجز الاقتصادي تتسلل الى الشارع الايراني، ليعلن الشاه في أواسط السبعينيات عن فشل سياسته وتطبيق التقشف الاقتصادي في محاولة لكبح جماح التضخم والعجز المالي الذي أصاب البلاد.
"5"
ان جميع محاولات الشاه للامساك بزمام الامور لم تفلح إلا في توحيد القوى المعارضة لحكمه، والتي عملت على استغلال الاحداث والدفع بها لإشعال فتيل الثورة، ففي حزيران 1977م حاولت الشرطة إزالة الأحياء الفقيرة عن أطراف العاصمة، لتحدث انتفاضة دامية شاركت المعارضة في تأجيج نيرانها التي أُخمِدَت بتراجع النظام عن قراره، لكن المعارضة لم تترك الشارع الايراني ليهدأ، فبعد وفاة المفكر علي شريعتي وجّهت أصابع الاتهام بقتله الى الشرطة السرية "سافاك"، والتي اتجهت نحوها ذات الاصابع عند انتشار نبأ وفاة مصطفى الابن الأكبر لروح الله الخميني في تشرين الاول1977م، حيث تسبب إعلان وفاته بإقامة مجالس عزاء في عدة مدن ايرانية.
وهنا حدث ما يمكن اعتباره نجاحاً لقوى المعارضة في توجيه أنظار النظام بعيدا عن عناصرها، إذ نشرت احدى الصحف الموالية للشاه مقالاً تتهم فيه الخميني بأنه "عامل بريطاني وهندي مجنون يتآمر لبيع إيران"، وهذا ما أغضب طلبة المدارس الدينية ودفعهم للاشتباك مع الشرطة، التي لم تتردد في استخدام لغة القتل، حيث تحولت المظاهرات التي سارت لتكريم القتلى الى ظاهرة مألوفة في الاشهر الاخيرة من حكم الشاه، الذي أساء تقدير القوة المتنامية لانصار الخميني.
ان سوء التقدير الذي نتحدث عنه ظهر بوضوح عندما تفاجأ الشاه بالاحتجاجات التي تصاعدت حدتها لمواجهة سياسة التقشف، والتي تسببت في ارتفاع نسبة البطالة واصابة الاقتصاد الايراني بالشلل، فمنذ حلول صيف عام 1978م بدأ العمال بسلسلة من الإضرابات شملت قطاعات كبيرة، كان أهمها الصناعة النفطية، ليجد الشاه نفسه مجبراً على دفع العسكر الى دائرة المواجهة مع الشعب، وتطبيق الاحكام العرفية في أيلول من ذات السنة.
"6"
ان الاوضاع التي خرجت عن السيطرة أربكت عراب الشاه، ففي الوقت الذي يتصل فيه بريجنسكي "مستشار الامن القومي الامريكي" لتأكيد عهود الولايات المتحدة بمساندة النظام، كانت ادارة الرئيس كارتر تبحث في حلول قد تعيد الاستقرار لإيران وتحافظ عليها من السقوط في احضان الشيوعية.
إحدى الحلول التي تم مناقشتها في أروقة البيت الابيض، هي خطة للتدخل العسكري ودعم انقلاب يقوم به الجيش، وهذا ما تم استبعاده بعد النظر الى واقع المؤسسة العسكرية في يران، فالجيش متأثر بالرأي العام المطالب برحيل الشاه، وهذا ما دفع الرئيس كارتر الى القبول بمشروع بريجنسكي الذي يفترض ان القوى التي تستطيع مواجهة الخطر الشيوعي هي المؤسسة العسكرية ورجال الدين معاً، فالجيش تم تدريبه ليكون عدواً للشيوعية التي تعادي رجال الدين أصلاً، وفي حال رحيل الشاه فان التحالف المقصود سَيَفي بالغرض، وبالتالي سيكون للجيش نصيب في حكم ايران بعد التغيير.
لكن الاحداث المتسارعة في الشارع الايراني لم تمنح للإدارة الامريكية ما يكفي من الوقت لصناعة نموذج اسلامي يتفق مع مصالحها، لذلك بادرت الخارجية الامريكية الى تبادل الرسائل مع آية الله الخميني، والتي كان محورها يدور حول مسألة النفط، والسياسة المستقبلية في التعامل مع الغرب، ومدى قدرة النظام الجديد على مواجهة الخطر الشيوعي.
هذا ما يروي تفاصيله الدكتور ابراهيم يزدي في كتابه "آخر الجهود في الايام الاخيرة"، والذي بيّن فيه ايضاً ان السفير الامريكي في طهران قد أجرى مباحثات مع بعض قادة المعارضة الايرانية، كالمهندس مهدي بازرگـان، وآية الله موسوي اردبيلي، والدكتور يد الله سحابي، والدكتور محمد حسيني بهشتي.
وعند إعادة النظر الى مجريات الاحداث والقوى التي صنعت الثورة ندرك ان الادارة الامريكية خرجت بخلاصة تفيد بوجوب الحفاظ على المؤسسة العسكرية كقوة ضاربة لجميع القوى بما فيها المعارضة الايرانية للحفاظ على مصالحها في بلاد فارس.
"7"
في الوقت الذي انشغلت به الادارة الامريكية بالبحث عن البدائل، كانت جامعة طهران تستعد لان تكون ساحة مواجهة دامية بين اليساريين الذي يسيطرون عليها من جهة والجيش والسافاك من جهة أخرى، ففي الخامس من تشرين الثاني 1978م اندلعت هذه المواجهات لتحدث بعدها أعمال شغب ونهب وحرق، امتدت نيرانها لتصيب سفارات بريطانيا والولايات المتحدة بأضرار كبيرة، ليلجأ الشاه بعدها الى تعيين حكومة عسكرية تعيد فرض الامن وتمسك بزمام الامور.
وقبل أن يُرى هلال محرم استعد الشاه لعنف الاحتجاجات التي ستتصاعد في أيام عاشوراء، إذ اصدرت السلطات العسكرية قراراً بمنع المظاهرات وتمديد أوقات حظر التجوال، لكن هذا لم يمنع من خروج تسعة ملايين متظاهر بقيادة آية الله طالقاني وزعيم الجبهة الوطنية كريم سنجابي، علماً ان القوى اليسارية لم تترك مكانها ليشغله الآخرين، إذ نزل الى الشارع انصار "حزب توده" و"منظمة فدائي خلق" و"منظمة مجاهدي خلق"، لتلتحق بها قواعد "الجبهة الوطنية" و"حركة حرية ايران"، حيث بلغت هذه الاحتجاجات ذروتها في 12 كانون الاول 1978م، لكن الملفت للنظر في هذه الاحتجاجات ان المتظاهرين من أنصار آية الله الخميني قد طالبوا بقيام الجمهورية الاسلامية لأول مرة، بعد ان كانت الهتافات تنادي بحكومة إسلامية فقط.
"8"
على المستوى الدولي لم يكن الغرب أقل توتراً من الشارع الايراني، ففي كانون الثاني 1979م انعقد مؤتمر "كوآدلوب" الذي جمع رؤساء الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمانيا، حيث بحث المؤتمر مصير الشاه بين البقاء المُكلِف جداً وبين الترحيل الذي سيدفع بإيران نحو المجهول، لكن الجميع اتفق على وجوب رحيل الشاه، الذي أدرك هذا الامر عندما وصل الجنرال هايزر "مبعوث الرئيس الأمريكي" الى طهران في السادس من الشهر ذاته، وهو يحمل في حقيبته أوامر مشددة للجيش الايراني بان لا يقف في وجه الثورة حتى تنتصر.
"9"
في السادس عشر من كانون الثاني 1979م رحل الشاه عن إيران، وحققت المعارضة الايرانية نصرها بعد احتجاجات لم تهدأ، وبالرغم من خروج الناس إلى الشوارع للاحتفال بالحدث، الا ان الكثير يجهل ان الثورة ستشهد أول انقلاباتها خلال أيام.
فقد اختتم الشاه حياته السياسية بترك مهامه الى "مجلس الوصاية" بأوامر صدرت من الولايات المتحدة، تم توجيهها عبر طلبٍ تقدم به رئيس الوزراء شابور بختيار، والذي حاول تحديد دور الخميني في الحياة السياسية قبل السماح له بالعودة، إذ قدم للخميني عرضاً بإقامة دولة تشبه "الفاتيكان" في مدينة "قم"، إلا ان آية الله ردّ بتوجيه انصاره الى النزول في الشوارع والمطالبة بتحديد واجب النظام الملكي والحكومة، ولم تنفع إجراءات حكومة بختيار في التصدي لأنصار الخميني ومنعه من العودة في الاول من شباط.
وعند وصول آية الله الخميني الى مطار طهران استقبله انصاره بحماس للتأكيد على أنه قائد الثورة، حيث سارع الى توضيح موقفه الرافض للنظام الملكي وحكومة بختيار، وأصدر أوامره بتكليف مهدي بازرگان رئيساً مؤقتاً للوزراء، لتحدث أول مواجهة بين ابناء الثورة، كان وقودها جنود المؤسسة العسكرية التي فضّل مجلسها الاعلى اعلان الحياد لمنع الفوضى وإراقة الدماء، بعد الفتوى التي صدرت بالجهاد ضد المعارضين من العسكر، لتكتب النهاية على صفحة الحكم الملكي في الحادي عشر من شباط 1979م.
"10"
في الحقيقة لا أدري من الذي سبق في الانقلاب على حليفه، فآية الله الخميني والدكتور شابور بختيار وغيرهم، كانوا من قادة المعارضة التي ساهمت في إزاحة الشاه، لكن هذه القيادات اصطدمت بآية الله سريعاً، ربما لأنها ادركت ان الرجل الذي ارادته سلماً لتحقيق اهدافها قلب الموازين واعاد رسم خارطة الطريق بما يخدم مصالحه وحده.
حيث ان جميع القوى العلمانية واليسارية أساءت تقدير القوة التي يمتلكها الخميني، فالصورة التي رُسمت عنه لم تكن تخرج عن اطار الرئاسة الصورية، والتي ستقدم لهم مقاليد الامور على طبق من ذهب، علماً ان الخميني ساهم في رسم هذا الانطباع عن نفسه لدى الآخرين، إذ قال في احدى اللقاءات "ان المرشدون الدينيون لا يرغبون بالحكم"، وبالرغم من صدور كتابه "الحكومة الاسلامية" الا انه لم يتحدث عن "ولاية الفقيه" قبل رحيل الشاه، لأنه أدرك ان طرح نظريته سيشتت اقطاب الثورة ولن يكتب لها النجاح.
"11"
ومع أول خطوة لآية الله الخميني على أرض طهران اصبح التوقيت مناسباً للحديث عن ولاية الفقيه وتطبيق نظامها في جمهورية إسلامية تكون أرضها ايران، حيث بدأ بإعادة ترتيب أوراق انصاره، وتشكيل "المجلس الثوري"، ومنظمات "الحرس الثوري" و"المحكمة الثورية" و"الخلايا الثورية المحلية"، والتي كانت تعمل بشكل مستقل عن حكومة مهدي بازرگان، الذي أدرك سريعاً ان سلطة هذه المنظمات اعلى من سلطته التي بارك الخميني مساعيها لإنشاء حكومة إصلاحية ديمقراطية !.
فمنذ الاشهر الاولى للثورة كانت حكومة بازرگان شاهدة، على سياسة آية الله البعيدة المدى للجلوس على عرش الجمهورية، إذ أصدرت محكمة الثورة أحكاماً بإعدام عددٍ من جنرالات الجيش وكبار مسؤولي الشاه، لتتبعها أوامر بإغلاق الصحف التي بيّنت موقفها المعارض لفكرة الجمهورية الإسلامية، بعد الإعلان عنها في نيسان 1979م.
"12"
قد يكون أغرب شيء في ايران ما بعد الثورة هو السعي المتبادل لإسقاط حلفاء الأمس، فالمعارضة التي اعتادت على استغلال الاحداث، قد وجدت في سماح الولايات المتحدة لـلشاه بـدخول اراضيها سبباً للاحتجاج واقتحام سفارتها، ففي الرابع من تشرين الثاني 1979م اقتحم مجموعة من الطلبة المسلحين مبنى السفارة لاحتجاز "66" رهينة أمريكية، معلنين مطالبهم بتسليم الشاه لمحاكمته واعادة الاموال المهربة، لكن مطالبهم لم تجد لها مجيب خارج ايران، لينتهي الحدث بالإفراج عن الرهائن بعد عام تقريباً.
في الحقيقة لا يمكن النظر الى حادثة اقتحام السفارة الاميركية على انها حدث عابر، فهناك الكثير من علامات الاستفهام تقف بين السطور، فالقوى اليسارية التي شاركت في الاقتحام كانت تسعى لاحتلال "عش الجواسيس"، ربما لكشف أوراق حلفاء الامس، حيث اعلنت بعض القوى الليبرالية عن رفضها لعملية الاقتحام واحتجاز الرهائن وكذلك الدستور الذي شكل نقطة جدل في تلك الايام .
أما آية الله الخميني فقد اثبت موقفه انه يمتلك رؤية واقعية وسياسة ذكية في التعامل مع الاحداث وصانعيها، فعندما قدم اليه انصاره -المشاركين في اقتحام السفارة- ما وجدوه من وثائق عن المباحثات التي أجراها سفير الولايات المتحدة مع قوى المعارضة قبل الثورة، وجّه الخميني انصاره بعدم الكشف عنها لدفع الحرج، وهذا ما يرويه الدكتور ابراهيم يزدي في كاتبه الذي اشرنا اليه سابقاً، وبالرغم من اعتبار البعض ان موقف الخميني كان مناورة سياسية لشغل الشارع الايراني وتجنب آثار الجدل حول الدستور، إلا انني اجد ان الرجل قد تعامل بحكمة، فالحدث ليس سوى مجموعة من الشياطين الحمر اقتحمت قصر الشيطان الاكبر، وان تركها تحت النظر افضل، ما دامت بعيدة عن ابواب المنازل والمساجد.
وفي نهاية العام الاول للثورة تم إقرار الدستور الذي منح صلاحيات واسعة لآية الله الخميني، جاعلاً منه "المرشد الروحي الأعلى" في ايران.
"13"
عشرة أعوام هي الفترة التي قضاها آية الله الخميني على رأس السلطة، أدرك فيها ان الحكم في زمن الشياطين يتطلب التخلي عن بعض مثاليات المنظومة الدينية، إذ وجد الرجل نفسه محاصراً بالأعداء من كل جانب، فقد اتخذ السوفييت مقعد المتربص بالفقيه ودولته، وهم بانتظار قيام حلفائهم بالاستحواذ على السلطة والالتحاق بمعسكرهم، فيما يقف على حدود البلاد الغربية عدو أحمق سقط سريعاً في دائرة الخوف من شعار تصدير الثورة، وفي الأفق البعيد تلوح نيران الشيطان الاكبر وهو يسعى لإسقاط حكم آية الله بأيّ ثمن.
في تموز 1980م تعرضت الجمهورية الاسلامية للتهديد، إذ تم كشف مخططات عملية "نوجة" التي تهدف للقضاء على النظام.
عملية "نوجة" هو ما أُطلق على المحاولة الانقلابية التي خطط لها مستشار الامن القومي الامريكي "بريجنسكي"، والذي استعان بوسيطٍ لإقناع الرئيس العراقي صدام حسين برعاية انقلاب ضد الخميني، حيث تقضي الخطة بان تستجيب حكومة صدام لطلب ضباط إيرانيين، وتقديم الدعم العسكري لتنفيذ انقلابٍ يعيد رئيس الوزراء السابق بختيار الى السلطة، لكن بعض تفاصيل المخطط تسربت الى مسامع آية الله عبر مصادر مجهولة، ليسارع الرئيس الايراني أبو الحسن بني صدر الى انهاء الانقلاب واعدام قادته، ومن ثم طرد آلاف العاملين في الوظائف الحكومية والمؤسسة العسكرية لتنقيتها من المعارضين.
أما بالنسبة للعراق فقد اجتاحته سلسلة من الانفجارات، ولا أدري هل كانت مجرد غزل من الجانب الايراني ام انها كانت بتدبير من مجهول، ففي المحصلة تبادلت الدولتين قصف المناطق الحدودية، لتبدأ حرب السنوات الثمان، التي كان الموت فيها هو المنتصر الوحيد.
وبعد عام من نهاية الحرب انتقل آية الله الخميني الى جوار ربه، في الثالث من حزيران 1989م، تاركاً خلفه جمهورية اسلامية قائمة، وثورة لم يكتمل تحقيق أهدافها بتوحيد العالم الإسلامي تحت راية الولي الفقيه.