اليوم مساءً، تعرّضتُ إلى عملية تحيّل في العاصمة

محمد كشكار
2019 / 7 / 8

نزلتُ اليوم مساءً من حمام الشط إلى تونس لأشتري لبنًا لكسكسي الغداء. وصلتُ محطة برشلونة ولَبَنِي في نهج المنجي سليم. استقلّيت "لوّاجًا" صفراءَ اللونِ (سيارة أجرة جماعية، ليست تاكسِي). وصلتُ ساحةَ TGM. دفعتُ للسائق 500م، أجرةَ النقلِ. طلبَ 200م أخرى. ناولتُه 5 د، وأرجع لي الباقي. أحسستُ أن النقودَ ليست كالنقودِ. نزعتُ نظارات الشمس، وضعتُ نظارات الطب، تفحصتُ باقيَّ، فوجدتُ أن بعضَه نقودًا مزيفةً. نويتُ الاحتجاجَ، نزلتُ ودُرْتُ حول "اللوّاج" الصفراء لأكلّم السائق، فاكتشفت أن السائق ليس هو السائق الذي غشني، و"اللوّاج" بيضاء وليست الصفراءَ التي نقلتني منذ حين. دلّني السائق غير المعني على السائق المعني، فقصدتُه مباشرةً لكي أطالبَه بحقي في نقودٍ غير مزيفةٍ. وجدتُه رجلَ أمن أسمرَ البشرة مُهابًا، يحثُّ بثباتٍ خطاه نحو مركز الشرطة المجاور لمحطة "اللوّاجات". رمقني وتجاهلني. تبّعتُه إلى بابِ مقرّ عمله. نزلَ الدرجَ وكأن المركزَ يقع في سردابٍ، ووجدتُ جميع الشاكين يحدّقون النظرَ إلى تحتٍ. انضبطتُ أرقبُ مثلهم من علٍ. فكرتُ في تقديم بلاغ ضد مَن غشني، لكنني وبسرعة البرق عن فكرتي تراجعتُ خوفًا من انتقام زملائه، قلتُ في أعماقي، ربما يحتجزونني في "التخشيبة" ليلة بكاملها، ثم قررتُ مغادرةَ المركز فاكتشفت فجأة أنه كان لي "ساكْ" يرافقني وقد سُرِقَ مني في المركز، "ساكْ" فيه كيلو "ﭬوتة". حمدتُ الله أن محفظتي التي في يدي لم تُسرق مع "الساك" التي لم تكن في يدي، محفظةٌ فيها أوراق سيارتي وأنا سبق لي وأن بعتُ سيارتي منذ عشر سنوات. سألتُ أحد المارة عن نهج المنجي سليم فقال لي: "ليس بعيدًا ولا تحتاجُ إلى لوّاج تنقلك إليه". وعند انتقالي من TGM إلى شارع بورﭬيبة، نزلتُ سلمًا حديديًّا طويلاً "ﭬَدْ صوم العام" وفي آخره وجدتُ نفسي في البلاد العربي وليس في شارع بورﭬيبة والليل بدأ يطيحُ، فقررتُ العدولَ عن شراء اللبن، وصممتُ على المرواح ولو دون اللبن "الرايبْ". وعند مغادرتي لـ"البلاد العربي" قاصدًا برشلونة عبر "البلاد السوري"، اعترضَ طريقي خندقٌ طويلٌ عميقٌ، ذكّرني بِصِبايَ وخنادﭬ الواحة القديمة بجمنة، خندقٌ عليه قنطرة وحيدة، سمّوها "قنطرة الغواني" وأصبحت حالتُها "حْوِيلَه" من دَوسِ أقدامهن، يشتغلنَ عندما تنامُ الشمس. كل مَن كان حواليّ في الطريق نساء، مُسِنّات شمطاوات، يلتحفن السوادَ ويحثثن الخطى على رنّة الشيشخان. عَبَرْتُ إلى الضفة الشرقية، ثم بادرتُ إحداهن بالسؤال عن الاتجاه الذي يجب عليّ اتباعه نحو محطة الأرتال الجنوبية، ضيّعتُ البوصلة، "كَشَّتْ" في وجهي قائلة أنّ لها موعدٌ غراميٌّ مع عشيقها وليس لها وقت لتدلني، ثم واصلت طريقها غير عابئة بحيرتي. عايرتُها بكلمة جارحة تخدش الحياء، كلمة يحدفها عادةً الرجل ضعيف الحجة في وجه امرأة قوية الحجة، ومرادفها في اللغة الفصحى هو "بائعة الهوى". سمعتْها، رجعتْ أدراجَها وتسلحتْ بحجرٍ، تسلحتُ بمثله، قَرُبَتْ فبان سحرها الأربعيني بعد أن كنتُ أراها من بعيدٍ شمطاء، العيبُ في قِصرِ النظرِ، راقتْ لي ورقَّ قلبي لها، قالت: "أنتَ لا تعرفُ كم ضحّيتُ لأحافظ على حبيبي وكم انتظرتُ موعد عشيقي الذي ينتظرني على نار، وأنا ذاهبة إليه أستعجل الخطى كمن يمشي على الجمرات"، فهوى حجرانا على الأرض من شدة الهوى. هي قصدتْ حبيبها وأنا قصدتُ برشلونة. وحتى أتثبت من باقيّ، أدخلتُ يدي إلى جيبي ثم أخرجتُها، وتحت نور كشاف الجوال وجدتُ أن كل الباقي، وليس بعضه، نقودًا مزيفة، ولم يبق لي حتى 850م ثمن تذكرة الإياب من تونس إلى حمام الأنف، وفجأة كالبركان، انتفضتُ في فراشي الوثيرِ، أفقتُ مذعورًا، وقلت بيني وبين نفسي: "سْتَرْ ربي"، لو كان المبلغ أكبر لَمِتُّ في الحلم بالسكتة القلبية كمدًا وحزنًا على ما تبخّرَ مني. إنه كابوس أحلام "غرغور الـﭬايلة الصنـﭬارية".. خسارة فيها "الكْلِيمْ" و"الجرّاية الطبية الهوائية".. أعرف السببْ.. الكل من "البِينْ" الكلبْ!