أساليب النهج الكهنوتي في رسم دائرة الوعي الديني

عباس علي العلي
2019 / 7 / 7

أساليب النهج الكهنوتي في رسم دائرة الوعي الديني

حين نقول أن الوضع الفكري الذي وصل له المجتمع المتدين من الية الركود والتحجر سببه ما أفرزته القراءات الفكرية التي جنحت نحو مفاهيم فكرية ومخرجات للنص تؤكد على مسألتين مهمتين ومتهمتين بالنتيجة التي نحن فيها وهما :.
• ليس بالإمكان أن يتطور الإنسان ويرتقي في مستوى تفكيره طالما أنه لا يتخذ من النص عكازة له في ذلك ,وهذا يعني جعل النص الديني مستلزم وجودي للسيرورة البشرية ,وبذلك تم تحييد العقل وإخراجه من دائرة التدبر إلى دائرة الطاعة التسليمية .
• أن النتيجة التي وصلتها القراءة أيضا أننا محكومين بنظرة ونظرية حتمية تربط حركتنا بمحددات عقلية فيما تبدو وهي تلزم العقل أن يتماهى معها ,منها مثلا لا خيار لنا إلا فيما أختاره الدين لنا ,وثانيا أن التفكير في تغيير الوجود أحيانا يعد تعديا على ما كتبه الله لنا ,وعليه فمن واجب المتدين أن ينتظر الغيب ليقوده إلى مرحلة هو يختارها ولو أدى ذلك إلى أن يكون الإنسان غريب بواقعه عن مجريات وحركة الوجود العامة .
ما يطرحه البعض من الكهنوت من نتائج القراءة وبعيدا عن تعميم سوء النية يصل بنا إلى أن التفكير في التغيير يعد من المحرمات طالما أنها تتجاوز على {قاعدة قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} , أي أن الكتابة هي مصدر الحركة والكاشف لمبررات التغيير والمحدد الأساسي لحدود ما يمكن أن يتغير أو يتطور ,وأي خروج عن هذه المكاتبة تمثل خروج عن إرادة الله بأكملها والتي تعني الوصول لمحدد الكفر ورفض الإيمان بالدين ,المؤمن المتدين أول من يسلم لهذه النتيجة والشاك يبقى في دوامة الخوف والقلق وبذلك أحاط الكاهن نظريته بمانع من الاختراق متسلحا بقدسية النص وضعف العقل النقدي .
العقل القارئ سواء أكان مؤدلجا ومتبنيا لقضية فكرية مسبقة أو أنه يمارس القراءة وفقا لثقافة الواقع بكلا الحالين إنما ينقل ما يفهمه المجتمع أو ما يريده بمعزل عن النظام العقلي المجرد ,بمعنى أن المجتمع هو الذي سيقرأ والمجتمع هو الذي سيرسم النتائج ويعط الخلاصات الحكمية ,وهنا تحول النص بدل أن يكون منتجا للتغيير أصبح أسيرا لواقع لا يريد أن يتغير إلا وفقا لمزاجه العام ووفقا لقوانينه الخاصة ,لقد مات النص بهذا الحال وأستفرغت روحه الدينية لمصلحة روحية المجتمع وأصبح الرب الذي بعث النص بعيدا عنه وتحول المجتمع إلى رب مشرع .
البعض يفهم أن ما كتب الله لنا هو كل أمر حدث أو سيحدث أو هو في طريق الحدوث إجمالا وتعميما للمعنى ,وبالتالي لا مناص من الخضوع لهذه الكتابة والأمتثال لما فيها من حاكمية إلجائية , الحقيقة أن ما كتب الله لنا نوعين سابق ولاحق ,السابق هو ما كتب الله على نفسه من الرحمة وأن يكون رحيما بخلقه ولا غير هذه الكتابة السابقة أبدا في كل النصوص ,والكتابة اللاحقة هي ما يسجله علينا من فعلنا بعد الحدوث ((مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها)) ,الكتابة السابقة أذن هي محل الإصابة المذكورة في الآية الكريمة قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا من الرحمة المسبقة حصرا وتنصيصا ؟,أما ما نفعله نحن فقد جعله الله بين خيارين أما العمل الصالح والفوز أو العمل الطالح والخسران والإنسان مخير بين الفوز والخسارة وأيضا كله سيسجل في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى .
الكهنوتي عندما يريد أن يعبر عن فهمه للنص لا يتجرد كناقد ليقرأ النص بل يتحول إلى عقل المجتمع وعينه وأذنه ويمارس القراءة نائبا عنه وناطقا باسمه وبالتالي يصوب الهدف إلى النقاط التي يستهدفها المجتمع وليس ما يريد النص ,لذا لا يمكنه أي النص أن يتحرر من نمطية المجتمع وتفكيره إلا من خلال تنوع القراءة زمنا ومكانا ,ومن خلال هذا التنوع الذي يؤدي إلى فتح أبواب متعدد ووفقا لنظريات متعددة يستطيع أن ينتج الكثير مما فيها ,أما الانغلاق والمكابرة على أن القراءة الفلانية هي القراءة المثلى لقربها زمنا وفهما من تأريخية النص تعيدنا إلى عقل المجتمع آنذاك وتلزمنا به جبرا .
التأكيد على حرية العقل في قراءته للنص الديني هو جوهر الخطاب الرباني في الكتب السماوية ومنها القرآن الكريم , حيث كان الخطاب موجها للعقلاء للمتدبرين للمتفكرين الذين حملهم النص مسئولية مضاعفة قبل مسئولية الإيمان , لقدا بدأ النص الديني من قضية مهمة جدا وهي أقرأ ثم أرتق ولم يطلب منه التعبد قبل القراءة , ما ظهر بعد القراءة هو الأهم وهو المعول عليه في بناء الفكرة وتبنيها أما أن الله طلب منا التسليم لمجرد نزول النص أو وجوده هذا أمر لم ولن يرد ولا يمكن أن يقبل به عقل مخاطب أولا بأن يقرأ .
الهدف عند الكهنوتي المرتبط بقاعدة أجتماعية حاكمة أو مؤثرة ليس بسط الدين ولا تقريبه من عقل الناس أبدا ,بل البحث في زوايا النص الديني عن مبررات تسويقية لظلم الحاكم وتسلطه ,وتبني قواعد فكرية الهدف منها فصل الإنسان عن حركة الزمن وفصل الإنسان عن مجريات التحولات الطبيعية الوجودية , فهو ليس قارئ من أجل القراءة بل قارئ صياد فكر وزارع مفاهيم في الغالب يراد لها أن تعزز القيم الفوقية الثابتة نسبيا في المجتمع وأسر العقل الإنساني بهذه القيم وجعله مجرد متلقي سلبي ومتقبل للواقع بكل ما فيه من مظاهر ومحددات .
الحدود التي يتبناها الكهنوتي في ما يقرأ تمتد من فاعلية الأنا الذاتية له والتي تنساق مع ثقافة مجتمع وقيم سائدة هي (الأنا) نتيجة طبيعة له ,وتنتهي في هدفية التبني الأيديولوجي للسلطة بشكلها الأجتماعية سواء أكانت دينية أو سياسية ,لذا نجد أن أغل الكهنة الذين يتنعمون والذي يستغلون مساحة واسعة من الرفاهية هم هذا الصنف ,أما الصنف الأخر والذي يتبنى قراءات أخرى مضادة أو بعيدة عن السلطة في المرتبة الأقل والأبعد كثيرا منها وإن لم يتخلى بالضرورة عن المبتنيات التي يستخدمها كهنوت السلطة ولكن وجهتها هنا مختلفة ,إلا نفر منفرد وقليل وغير مؤثر في حركة المجتمع الذي يقرأ لأجل الحقيقة فقط .
هذه الحدود والمديات التي يريد الكهنوتي (وليس المؤمن بالدين الذي يجعل منه طريق للكمال الإنساني) ماذا يتوقع أن يستهدف , بل ما هي أتجاهات الاستهداف الحقيقية لديه ,الحدود لا تنفصل عن الأهداف فهو يجعلها واحدة أو ضمن دائرة واحدة تتبلور وتتجوهر في خلق إشكاليات بين النص وبين الإنسان لتمنعه من الحركة العقلية الواجبة والطبيعية ,بما أن النص مقدس وهذا أيضا ينسحب إلى نتائج القراءة ومخرجاتها , فعندما يضع الكهنوتي الإنسان في خيار مواجهة النص أو الاصطدام به يعلم يقينا أن ظاهرة القداسة ستملئ عليه خيار الخضوع في الغالب الأعم ,وبذلك يحد الفرد من سلاح الانحياز للمنطق العقلاني وينجح بسحب العقل من المواجهة تحت عنوان الحرام والحلال .
سياسة الخلط بين حدود القراءة وبين هدفها تمكن الكهنوتي المثير للجدل أن يتلاعب بالفكرة ويسخرها بكل ما فيها من معطيات ومؤديات لغائية ذاتية لا تكمن بالضرورة في هدفية النص أو الفكرة , ومن هنا نجد هذا النجاح الباهر في خلط الأوراق وأيضا الخلط بين ما هو من الدين وبين ما هو من واقع التدين , مثلا يأت بمجموعة من النصوص سواء أكانت آيات أو أحاديث نبوية ويضع معها رواية لشخص ما خارج ما أعتاد المتدينون على التسليم بما فيها من يقينية ليحور مجرى الفكرة أو يلونها بلون أضافي , فتتحول هذه الرواية بمرور الزمن إلى جزء من قاعدة المعلومات التي تسب للدين وهكذا نجح في أدخال التشويش وبث فكرة مهزوزة لتكون قاعدة صالحة لقراءات أكثر أهتزازا في المستقبل .