أحزاب الإسلام السياسي فشل البرامج فشل التجربة *

مصطفى محمد غريب
2019 / 7 / 7

ـــــ 1 ـــــ
يقال التجربة خير برهان للتأكيد على أهمية الواقع الموضوعي وتفاعل الوضع السياسي والطبقي الاجتماعي وتأثيرهم على مستقبل الحركات والأحزاب السياسية وبخاصة أحزاب الإسلام السياسي التي ظهرت خلال السنين الأخيرة وكأنها تستطيع قلب الموازين بالعودة إلى الخلف نحو مسلمات السلف والأصول بالاعتماد على الواقع المرير للفئات الاجتماعية الفقيرة والمعدومة وما تعاني من ضنك العيش وفقر الحال وبطالة مزمنة وعدم وجود عدالة اجتماعية ،هذه التراكمات لم تكن إلا نقطة انتقال إلى أوضاع جديدة ذات نوعية لابد منها أن تنفجر في سلسلة من التفجيرات الاجتماعية لتغيير الواقع الحالي الذي أدى إلى التغييرات التي أحدثتها الثورات والانتفاضات في بعض الدول العربية وآخرها وليس أخيرها السودان والجزائر تؤكد أن الركود الذي شهدته سنوات عجاف المنطقة العربية كان عبارة عن تراكمات أدت إلى تغيرات ذات نوعية جديدة تجلت بردة الفعل الجماهيري الشعبي، وبما أننا أمام حالة مميزة بعد تلك التراكمات فقد برزت تداعيات جديدة لا سيما بعدما أزيح العديد من الحكام والحكومات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن هذه الإزاحة لم تؤدي لتحقيق العدالة الاجتماعية ، وامتداد الاحتجاجات والمظاهرات السلمية والمسلحة إلى بلدان عديدة منها المغرب وسوريا والعراق والبحرين والأردن وهذه قضية أخرى تحتاج إلى دراسة دقيقة للإشارة إلى الأسباب الكامنة التي أدت إلى الانفجارات الجماهيرية.
لقد ظهرت مؤشرات صعود الإسلام السياسي قبل الانتخابات التي جرت في العراق ومنذ فترة غير قليلة قبل التغييرات الراهنة
للأسباب التالية تقريباً
1 ــ فشل مشروع التطرف القومي الذي أطلق بعد الثورة المصرية وبعد استلام الأحزاب القومية السلطة في أكثر من بلد عربي ، القوميين العرب وحزب البعث بشقيه العراق وسوريا، استغلال شعار القضية الفلسطينية في تجييش العواطف القومية إلا أن ذلك لم يكن إلا شعار للوصول إلى السلطة السياسية.
2 ــ وساهم في فشل المشروع إلغاء أي هامش للحريات المدنية والديمقراطية والتجاوزات على حقوق الإنسان واضطهاد الرأي الآخر .
3 ـ ثم توجه آلة الإرهاب والقمع السلطوي ضد القوى الديمقراطية والاشتراكية مما أدى إلى أضعافها وانحسارها جماهيرياً .
4 ــ في المقابل جرى استغلال المنابر والجوامع والحسينيات للدعوة للمشروع الديني الطائفي وبالضد من العلمانية والقوى الديمقراطية .
كما أن هناك قضايا أخرى ساعدت على صعود الإسلام السياسي ليس في الانتخابات فحسب بل على الوعي الجماهيري ومنها ما يخص العامل الذاتي والعامل الموضوعي.
تجتمع النقطة الأولى والثانية في استعمال الآليات التي اتبعها المشروع القومي قبل استلام السلطة وفي مقدمتها القضية المركزية مثلما كان يطلق عليها " القضية الفلسطينية " عبارة عن دغدغة المشاعر القومية للجماهير التي كانت وما زالت تعيش الخلط بين المفهوم القومي العربي والدين الإسلامي في نظرة واحدة على أن فلسطين كأرض عربية محتلة يجب أن يهب العرب لتحريرها ومدينة القدس المعروفة بقدسيتها عند المسلمين باعتبارها أولى " القبلتين" وهذا دافع ديني إسلامي لا يمكن التساوم عليه.
بعد استلام السلطة أو المشاركة فيها من قبل القوميين العرب طبعاً عن طريق الانقلابات العسكرية" ناصريين وبعثيين وغيرهم من الأحزاب " بدأ التناقض ما بين القوى نفسها وأصبح المشروع القومي رؤيا تناقضية بين الواقع الملموس وبين أمنيات وشعارات خيالية تراثية لا تستطيع المواصلة مع شعارات وضعية وعالمية وعلى مراحل بدأت أكثرية القوى القومية العربية تفلس فكرياً وسياسياً وجعلوا من السلطة مطية لهم، وبعدما كانت هذه القوى تتصدر الشارع الجماهيري أصبحت ضعيفة ولم تف بوعودها " من المحيط إلى الخليج" وخضعت أكثرية الأراضي الفلسطينية ومدينة القدس إلى المساومات والمفاوضات والاعتراف بإسرائيل رغم الاحتلال " لا بل البعض منها تخلف حتى من تبديل خطابه السياسي والتخلي عن المشروع القديم.
النقطة الثالثة والرابعة تجتمع تحت شعارين الأول تحجيم القوى التقدمية والاشتراكية والسعي للتخلص من تأثيراتها بوسائل قمعية بوليسية إرهابية ثم جعلها تواجه المشروع الديني الذي كان مطروحاً منذ سنين عديدة وبخاصة في قضية مهمة لها تأثيرات واسعة على الجماهير ومنها " الإيمان والإلحاد " واستغلالهما في الخطاب السياسي والديني التحريضي من قبل أحزاب الإسلام السياسي لكلا الطرفين وتكليف مهمات الفتاوى للبعض من المرجعيات ورجال الدين بالضد من الفكر التقدمي الاشتراكي والشيوعي مما اثر بشكل سلبي على وعي المواطنين الضعيف
الجزء الأول: القمع وإرهاب الدولة والممارسات غير المشروعة وفتح أبواب السجون والمعتقلات والضغوط بقضايا اقتصادية ومعيشية استطاع إلى حد كبير إعاقة نشاطات القوى التقدمية والاشتراكية وهذا ما أدى تقريباً إلى انحسار الشارع السياسي والفكري من تأثيراتها بسبب ضعفها وعدم وجود إمكانية للنشاط والتوسع الجماهيري.
الثاني: على رغم من محاربة الأحزاب والتنظيمات الدينية بطرق قمعية عديدة مثل ألإخوان المسلمين وأحزاب الإسلام الشيعي " لكن الدول والحكومات القمعية لم تستطع إيقاف نشاطاتها في مجالات عديدة وبالأخص " بيوت العبادة " فقد استطاعت أحزاب الإسلام السياسي استغلال الجوامع والمساجد والحسينيات في نشر دعواتها والتثقيف ببرامجها بوسائط دينية لا يمكن منعها، وقد استغلتها أحزاب الإسلام السياسي في تقوية تنظيماتها وتوسيع جماهيريتها وفق مبدأ التقية أو الاختفاء والتمويه من خلال خطاب ديني انتهازي، واستمرت هذه الأحزاب تعمل بأشكال وأسماء وجمعيات مختلفة واستفادت مالياً من عدة طرق منها التبرعات للجمعيات الخيرية أو تأسيسها، وقضية الزكاة والخمس وغيرهما، ودعم خارجي معروف، فضلا عن الفتاوى المختلفة التي أطلقها رجال دين معروفين ومرجعيات دينية معروفة واستغلال أحزاب الإسلام السياسي " السني والشيعي " أسماء المراجع والمرجعيات الدينية بشكل طائفي وهنا ينفصل المشروع السياسي الديني إلى مشروعين "
1 ــــ منه ما يتم استغلاله بخصوص حوادث داخلية وتبيان المواقف منها والهاء الجماهير عن القضية الجوهرية فيما يخص الاستغلال وطرقه وتغيير المواقع الاستغلالية من الواقع المرير الذي تعيشه الجماهير الشعبية الفقيرة .
2 ــــ الموقف الثاني استغلال تردي أوضاع الجماهير الاقتصادية والمعيشية بشعارات خيالية فيما يخص السعادة والرفاهية في الجنة .
3 ــــ بدلاً من معالجة قضية الفقر والجوع وتفشي البطالة بصورة صحيحة وكشف المستور من القوى التي تريد تهميش الوعي الوطني الديمقراطي سادت شعارات واهية تعتمد العنف بمختلف طرقه وأساليبه وتبيان قضية " الشهادة للتخلص من الوضع المادي السيئ" في تجنيد ما يمكن تجنيده في أواسط الشباب العاطلين والغاضبين من الأوضاع السياسية والمعيشية وزجهم في طرق العنف والقتل الجماعي بدون تبيان حالة المواطن البريء الذي هو ضحية ويعاني من الأوضاع الاستبدالية والسياسة القمعية من قبل السلطات الحكومية وبين تردي الأوضاع الاقتصادية والبطالة وعدم استقراء المستقبل بالنسبة لهم .
إن الأوضاع التي تغيرت بالشكل في البلدان التي أسقطت حكوماتها بفعل الانتفاضات والمظاهرات ودخول العسكر على الخط بدأت تنحسر فيما يخص المشاريع لأحزاب الإسلام السياسي وبخاصة نحن نشاهد ما يجري الآن في البعض من البلدان العربية وتجربة العراق خير برهان على فشل المشروع الطائفي والإسلامي فيما يخص قيادة الدولة والمجتمع، ثم تأثيرات العامل الخارجي وتدخلات دول الجوار اظهر مدى فشل المشروع المذكور لكن للعلم سيبقى هذا المشروع قائم في عرف هذه القوى التي تعمل بكافة الإمكانيات لخلط الأوراق واستغلال الدين كوسيلة لكسب جماهير واسعة لها تأثير كبير في الواقع السياسي
* ( ــــ بالتفاعل مع بحث سابق حول الموضع ) .
يتبع