الجنس في قصة السعيد بعد الغني

رائد الحواري
2019 / 7 / 6

الجنس في قصة
السعيد بعد الغني
في الأدب، من الضروري ان يقترن المضمون بالشكل، فالمضمون مهما كان نبيلا ومهما، لا يمكن أن يقدم بطريقة عادية، أدبيا، سأحاول أن نتناول قصة "السعيد عبد الغني" بطريقة حيادية، حتى لو لم نتفق على (نبل) الفكرة التي يطرحها، بداية يستخدم القاص لغة واحدة عند كلا من العاهرة والقاص، فكلاهما يتحدثان بعين اللغة، وهذا ما افقد القصة ميزة فرز وتحديد الشخوص من خلال لغتها، وسنأخذ مثلا هذا على الأمر:
"فقالت : أول مرة لك ستكون وحشيا ومتعجرفا لأن كبتك على مدار السنوات سيتحرر فجأة في ساعة كاملة وخيالتك الجنسية عن من حولك ، لن تُفرق ، فقط ستريد الولوج وتنفيذ ما رأيته في الافلام الإباحية"
تبدو لنا العاهرة خبيرة نفسية في الجنس، ونجد هذه الخبرة أيضا عند القاص رغم أنه حديث العهد بالجنس وما يتركه من أثر، يقول:
"شعرت برغبة كبيرة في الكتابة فذهبت لأجلس على النيل لاسترجع ماذا حدث والكتب ، لكن لا أعرف ما الذى كان سيخرج ، فالكبت الجنسي يستهلك الطاقة الابداعية عند الإنسان ويجعله يتخيل فقط النساء أو الرجال كجنس في مخيلته"
هاذين الشاهدين يؤكدان على أن العاهرة والقاص يتحدثان بلغة واحدة وأنهما شخص واحد لكن القاص أراد أن يجعل الفكرة التي أراد تقديمها تأتي من خلال شخصيتين، وهذا لا يخدم الفن القصص ولم يكن مقنعا للمتلقي.
محاولة القاص زج الافكار التي أراد تقديمها واقحامها في القصة جعلها تبدو خارج النص، فالفن القصصي له أسس، ولا يمكن لأحدا أن يتجاوزها حتى لو كانت الافكار التي يقدمها
(ثورية/متمردة) يقول القاص:
"حضرت قلما كان في حقيبتي وبدأت في الكتابة على ظهرها ولما انتهيت بدأت أضع اصبعي على مهبلها وأقول " هذا بيت الشياطين " وعلى دبرها " هذا بيت الله " وعلى فمها " هذا بيتي أنا " ، وهى غارقة في الضحك
لننهض من الفراش بحياة جديدة ، لتسقط المخازي والهزائم والمجتمع والوجود والله بين قضيبي ومهبلك ، لندهسهم بيننا"
الطريقة التي تحدث بها القاص تشير إلى أنه معبأ سلفا بأفكار عن الله وعن الدين فأراد تقديمها دون وجود أية مبررات، فبدت مقحمة في القصة وافقدتها عنصر السلاسة، فلم يكن هناك اية مقدمات تجعل القاص بهذا التطرف.
من هنا نقول أنه وقع في مشكلة الافكار على حساب الأدب القصصي، فكان خطأه كخطأ الاشتراكيين، يقدمون الفكرة على حساب الشكل، فكان أدبهم ضحلا رغم نبل واهمية افكارهم الثورية والتحررية. .
ولا ندري مسببات الحوار الديني بين العاهرة القاص، فهما في مأخور، يمارسان كل الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ومع هذا يستحضر القاص حدث ماضي بين ابيه وامه ليتكلم بهذا الكلام:
" فقال لي : "ستدخل النار على ذلك فقلت له : النار هذه أنا من خلقتها"
اعتقد أن هذا (التطرف) غير مستحب وغير مقنع للمتلقي، فهو يقرأ أدبا، ويريد أن يستمتع بما يقرأ، لا أن يسمع افكارا ـ مهما علا شأنها ـ تأتي بطريقة غير فنية ولا تخدم الشكل الأدبي.
وتأكيد على ان القاص كان هاجسه تقديم افكار أكثر منه كتابة أدبا قصصيا، هذا المقطع:
"الاستمناء حتى اختلف عندي من الاستمناء وهى في مخيلتي عن الاستمناء وأحدا اخر في مخيلتي ، طوال استمنائي المنقضي كنت أحبط بعد الاستمناء وتأتى كآبة رهيبة بعدها أما بعد استمناء وهي في مخيلتي أشعر برح وزهو ، الاستمناء محاولة لوجود آخر بي أيضا ، فكرة المشاركة وأحيانا العزلة مع الآخر في المخيلة"
فتكرار الاستمناء بهذا الشكل يشوه القصة ويجعل القاص يبدو ضعيفا فنيا، بحيث لا يستطيع أن يعبر عما يريده، فكان هذا التكرار المزعج والمنفر للقارئ، ليس لأنه تكرار فحسب، بل لأنه قدم بطريقة غير متقنة.
وهناك لغة مختلفة في القصة، حتى أنها تبدو وكأن كاتبها شخص آخر، أو أنها قصة أخرى:
"ولكن ِتخفني العزلة بكل تفاصيلها ، أنا أكتب لأنى متيم بهذه الرعشة التي تصيبني وأنا أكتب .. سأفعل أي شيء. بسيطة كقلبي .. كفراشه تنشد الحياه .. كابتسامه فتاه مصريه سمراء.. كشفت امرأة عذراء بعد أول قبله لها .. كدمعه طاهره معلقه في العينين قبل أن تسقط .. كصوت فيروز .. كحلم فلسطينية بسيطة بما فيه الكفاية لكني لا أستطيع أن أفهمك"
القاص لم يخبرنا أنه كاتب في قصته، فجاءت هذه الفقرة لتفاجئ القارئ وتجعله يتوقف متسائلا من أين أتت هذه اللغة؟، ومن الذي يتحدث بها؟، فهي دخيلة على القصة، فالقصة مترعة بالجنس والفاحشة والسحاق، وشرب الخمر وتعاطي الحشيش، وهذا يجعل اللغة (دخيلة) على القصة وليست أصيلة فيها.
وهناك افكار جيدة طرحها القاص منها:
"المهارة في الجنس ليس فقط جمال الجسد واثارته ، ممكن يكون الجسد جميل ولا يكون مثيرا ، المرأة في الانسياب ومعرفة متى أريد منها والتخاطر بين الجسدين في تبادل نقاط اورجازم ليصلا معا في نفس الوقت ، قد تكون هناك عملية جنسية الا يكون بها نقاط اورجازم ، الاثارة في وقت واحد وحدوث نقطة اورجازم تجعل الجسدين مشرئبين إلى هذه اللحظة، فتتركز بدقة على ما يريد الآخر منه أن يفعله في جسده أو يلمسه أو يقبله أو يقوله .. إلخ"
"الجنس مع من نحبه مختلف جدا عن الجنس مع من لا نحبه"
وهذا ما يجعلنا نتأكد أن "السعيد عبد الغني" أراد تقديم أفكاره ورؤيته عن الجنس والدين والمجتمع، أكثر منه أن يكون كاتب قصة، لهذا أهمل الشكل واهتم بالمضمون، بالأفكار، فجاءت الشخصيات متداخلة في حديثها ولا يوجد بينها فواصل لا في لغتها ولا في افكارها.
وهناك تعبير جميل جاء في القصة:
"تعريت لكي تخرج الكلمات غير خائفة وعارية."
اعتقد أن مثلا هذا التعبير جميل ويمتع القارئ، فقد جاء بصورة جميلة وكلمات خفيفة، وكان يمكن تكون القصة مقنعة لو انها استخدمت مثل هذا التعبير الناعم والسلس .
القصة منشورة على صفحة القاص على الفيس