حسن حمدان (مهدي عامل) لم يكن يوماً ماركسياً

فؤاد النمري
2019 / 7 / 6

حسن حمدان (مهدي عامل) لم يكن يوماً ماركسياً

حسن عبدالله حمدان عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني نشط في التنظير "الماركسي" وخشي من أن يُساء فهمه فيضل العمال، لذلك سمى نفسه "مهدي عامل" أي أنه هو من يهدي العمال إلى السياسة السويّة التي على العمال انتهاجها في صراعهم الطبقي ؛ فكان ما تحسب منه هذا الحسن الحمدان وأضل العمال وغير العمال في الحزب وخارج الحزب . القصور الفكري الفاضح الذي اعتور كل أعمال حسن حمدان كان لأنه لم يقرأ حتى العناوين الكبرى لتاريخ الثورة البولشفية في الخمسينيات حيث اغتيلت الثورة وتسنم الجيش المعادي للإشتراكية كل مقاليد السلطة، فألغى الخطة الخمسية التي تستأنف العبور الإشتراكي بعد الحرب وحول الاتحاد السوفياتي إلى مصنع للأسلحة كنهج معادٍ للإشتراكية، وقام في يونيو حزيران 57 بانقلاب عسكري على الحزب وطرد 7 أعضاء من مجموع 9 أعضاء من المكتب السياسي للحزب وهو أعلى سلطة في الدولة الإشتراكية، وفي العام 61 ألغى دولة دكتاتورية البروليتاريا وحل محلها ما أسماها رجلهم في قيادة الحزب نيكيتا خروشتشوف " دولة الشعب كله " التي هي بعرف ماركس تنفي الإشتراكية التي تتحقق فقط بظل دولة دكتاتورية البروليتاريا قصراً كما أكد في نقده لبرنامج غوتا، كما تنفيها بعرف لينين وهو من كان يؤكد أن الإشتراكية لا تعني غير محو الطبقات وهو ما لا تقوم به غير دولة دكتاتورية البروليتاريا كما كتب في البرافدا بتاريخ 7 نوفمبر 1919 تحت عنوان "الإقتصاد والسياسة في عهد دكتاتورية البروليتاريا – طبعاً دولة الشعب كله تؤبد الطبقات المشاركة في الدولة وتنتفي بذلك الإشتراكية .
أليس من الغريب بل والمستهجن أيضاً أن ينبري أحد أدعياء الماركسية ينظّر في الماركسية اللينينية وهو لا يعلم حرفاً عن وقائع شغلت الإعلام العالمي ومنه راديو موسكو في الخمسينيات، وكيف تبرّأ الحزب الشيوعي السوفياتي من إرث "الدكتاتور الطاغية والبيروقراطي" ستالين وتأكيد الأمين العام للحزب الشيوعي نيكيتا خروشتشوف في خطابه السري الشهير في فبراير شباط 56 إثر انتهاء المؤتمر العام العشرون للحزب على أن الإتحاد السوفياتي إنما هو دولة بناها ستالين بالقهر وبالحديد والدم !!؟ كيف لمثل هذا المنظّر، حسن حمدان، أن ينظّر فيما يتعلق بالموقف الشيوعي في لبنان بينما لم يكن هناك موقف شيوعي في المركز في موسكو وينتهك بذلك الوحدة العضوية للثورة الإشتراكية كما رسمها ماركس !!؟

كل تنظيرات حسن حمدان التي أكلت عقول الشيوعيين اللبنانيين تقوم على إفتراض وهمي يعارض الأس والأساس الذي قامت عليهما الماركسية .
انطلقت الماركسية من الحقيقة الأساس وهي أن العالم كان قد أصبح وحدة عضوية واحدة لا تنفصم منذ أن أشرقت شمس النظام الرأسمالي تنير العالم كله ؛ التخلي عن هذه الحقيقة الأساس يعني بداية أن مجمل النظرية الماركسية ليست إلا قصراً معلقاً في الهواء .
التناقض في قلب النظام الرأسمالي كما رآه ماركس يزداد استعارا مع نمو النظام وتوسعه مما يتسبب بتسارع أزماته الدورية وتعاظمها حتى الإنهيار في النهاية . تتحقق نهايته بثورة تقوم بها البروليتاريا في مركز النظام الرأسمالي العالمي، ثورة دائمة (Permanent Revolution) تتمدد من طرف إلى آخر حتى تنتهي إلى السيادة على كل العالم . هذا هو صلب النظرية الماركسية: عالم واحد في بناءٍ واحد .

الثورة التي استشرفها ماركس في إنكلترا أو في ألمانيا وقعت في روسيا لجملة أسباب أهمها أن كافة الدول العظمى خارت قواها قبل انتهاء الحرب في العام 1918، ثم قوة حزب الشيوعيين البلاشفة بقيادة لينين . لقد أثبتت البروليتاريا الروسية بقيادة البلاشفة وعلى رأسهم لينين على أنها أقوى من البروليتاريا في إنكلترا وفي ألمانيا كما أكد لينين في خطابه في 6 مارس آذار 1919 في الإجتماع التأسيسي للأممية الشيوعية .
بعد أن تمكن البلاشفة من هزيمة 19 جيشاً أرسلتها الإمبريالية العالمية إلى روسيا لخنق البلشفية في مهدها انتهت الشعوب السوفياتية لأن تبيت على الطوى، بكلمات لينين، في العام 1922 بعد حرب كبرى وشاملة تستمرت 8 سنوات لم تتوقف ليوم واحد . في العام 36 مايزت الصحف الأميركية بين بلهنية العيش في الإتحاد السوفياتي وطوابير الشوربة للجوعى الفقراء في الولايات المتحدة ؛ وفي الأربعينيات أثبت الإتحاد السوفياتي في الحرب أنه أقوى من بريطانيا وفرنسا وأميركا مجتمعة وقد احتل ألمانيا بعد أن فقد 9 ملايين عسكرياً و 106400 طائرة و 83500 دبابة وهو ما يؤكد أن ثورة أكتوبر البلشفية 1917 كانت هي الثورة الإشتراكية التي استشرفها ماركس وإنجلز في بيانهما الشيوعي 1848، الثورة التي ستنقل العالم إلى الإشتراكية فالشيوعية .

من بعد إغتيال ستالين بأيدي أعضاء في المكتب السياسي للحزب في 28 فبراير شباط 53 تسنم الجيش السلطة بعد أن غدا أقوى من الحزب خلال الحرب، ولم يعد الإتحاد السوفياتي هو الثورة التي ستنقل العالم إلى الإشتراكية بموجب مشروع الماركسية اللينينية . بوقاحة البورجوازي الوضيع الفجة أعلن خروشتشوف في المؤتمر الإستثنائي الحادي والعشرون للحزب، في فبراير شباط 59، رسم خط فاصل بين الثورة الإشتراكية من جهة وثورة التحرر الوطني من جهة أخرى التي يقوم بها مغامرون كما زعم، وهاجم قيام الاتحاد السوفياتي بحماية مصر من العدوان الثلاثي 56، وحمايته للثورة العراقية 58 من الإنزال الأميركي في لبنان والبريطاني في الأردن ؛ هذا لا يعني فقط التنكر للمبدأ اللينيني القائل بالوحدة العضوية للثورتين الإشتراكية والوطنية – يا عمال العالم وشعوبه المضطهدة اتحدوا ! – بل يعني قبل كل شيء آخر أنه لم يعد هناك ثورة اشتراكية في الإتحاد السوفياتي كما نهض بها لينين وقادها ستالين إلى مختلف الإنتصارات، الإنتصار الأعظم في الحرب 1941 – 45، والإنتصار في إعادة الإعمار القياسي 1946 – 50، وأخيراً الإنتصار بالخطة الخمسية 1951 – 55 والتي كانت ستنقل الإتحاد السوفياتي إلى عتبة الشيوعية في العام 55 كما تشير أرقامها متقدما على الولايات المتحدة بمجمل الإنتاج لو لم تلغها عصابة خروشتشوف في اللجنة المركزية خلافاً للقانون بأمر من الجيش في سبتمبر ايلول 53 .

وفقاً لقواعد الثورة في الماركسية اللينينية فإن انهيار الثورة في الإتحاد السوفياتي يستدعي آلياً انهيار ثورة التحرر الوطني التي كانت قد استكملت تحقيق استقلال كافة الدول المستعمرة والتابعة في العام 1972 واستدعت بالتالي انهيار النظام الرأسمالي في مختلف مراكزه حتى في أميركا حصن الرأسمالية الأخير .
خراب الثورة الإشتراكية العالمية التي كانت ستنقل العالم إلى الإشتراكية فالشيوعية يؤكد بالتداعي خراب العالم كل العالم بموجب وحدته العضوية . منذ سبعينيات القرن الماضي لم يتواجد في أي بلد من بلدان العالم نظام إنتاج ثابت ومستقر . ولذلك كان مجموع ديون العالم في العام 1970 لا تزيد عن 70 مليار دولار هي اليوم 75 ترليون دولار أي أن كل إنسان في هذا العالم كبيراً أم صغيراً ذكراً أم أنثى مدين بعشرة آلاف دولارا (10,000) . خراب الثورة أورث ألياً خراب العالم ؛ إنه عالم موحد في التنمية كما في الخراب .
عالم مهدي عامل عالم آخر لا علاقة له بعالم اليوم . عالم مهدي عامل يتشكل من ثلاثة عوالم : عالم الإشتراكية وعالم الرأسمالية والعالم الكولونيالي !!
الفيلسوف حسن عبدالله حمدان لن يكون "مهدي عامل" إلا إذا كان الإتحاد السوفياتي اشتراكيا ومدخولاته تعتمد على تصدير المواد الخام ويضطر أندروبوف لأن يصرف معاشات للعمال قناني فودكا رخيصة في العام 83 وتستجدي وزيرة في حكومة غورباتشوف في العام 87 قرضاً من بريطانيا بقيمة 60 مليون باوند تصرفه لها بريطانيا كلسات نسائية حيث قرر ميخائيل غورباتشوف أن يعيد للنساء السوفياتيات أنوثتهن بعد أن فقدنها أيام الدكتاتور القاسي ستالين ! وأن يكون هناك عالم رأسمالي على الرغم من أنه لم يعد ينتج فائض القيمة ويستدين سنوياً أكثر من 2 ترليون دولاراً ! وعالم الإقتصاد الكولونيالي مجهول الهوية والذي كان قد بذل الغالي والرخيص من أجل قطع الروابط مع مراكز الرأسمالية بدفع من الإشتراكية البلشفية يقدم اليوم مختلف التسهيلات المرغوبة من أجل أن تعود رؤوس الأموال الأجنبية تستغل العمال في الوطن والممولون يتعززون!
البعثيون أنفقوا العمر كله يقرؤون بضع وريقات هي كتيب ميشيل عفلق "دستور البعث" وهو لا يحتوي إلا على عبارات انطباعية لرجل موبوء بالفاشية .
الشيوعيون اللبنانيون سبقوا البعثيين في قراءة فيلسوفهم "مهدي عامل" الذي لم يعمل عقله لأن يهديه لسواء السبيل ليرى العالم ما زال بوحدة عضوية خربة تبعاً لخراب الثورة الإشتراكية في خمسينيا القرن الماضي حين لم يكن حسن حمدان قد تجاوز الطفولة .