مفهوم المواطنة داخل منظومة الفكر الإسلامي

سعيد الكحل
2019 / 7 / 6

حوار لفائدة جريدة الصباح المغربية
ـ هل يمكن الحديث عن مفهوم المواطنة داخل منظومة الفكر الإسلامي؟
مفهوم المواطنة من المفاهيم الحديثة التي لم تألفها الإمبراطوريات والدول من قبل بما فيها الدولة الإسلامية . ذلك أن مفهوم المواطنة أفرزه الفكر السياسي الحديث الذي نظّر للدولة المدنية الديمقراطية حيث يتساوى جميع المواطنين في الحقوق والواجبات . وباعتبار الدولة الإسلامية دولة دينية فإنها قامت على العقيدة وليس على المواطنة . لهذا ميزت منظومة الفكر الإسلامي بين المسلمين وغير المسلمين داخل نفس الدولة الإسلامية كما ميزت بين حقوق وواجبات هؤلاء وأولئك . فغير المسلمين ظلت تعتبرهم هذه المنظومة مواطنين من الدرجة الأخيرة ، أهل "ذمة" لا يحق لهم التمتع بعدد من الحقوق أو تولي عدد من الوظائف التي يتمتع بها أو يتولاها المواطنون المسلمون مثل المناصب السياسية والعسكرية أو التوثيق (عدول) أو القضاء الخ . فأهم المناصب والوظائف يشترط فيها الإسلام والذكورة ما يعني أن أهل الذمة والنساء لا يتمتعون بنفس الحقوق التي يتمتع بها الذكور المسلمون .
ـ يتهم الفكر الإسلامي بإغفال مفهوم المواطنة خاصة أنه يقوم على التمييز بين المسلم وغير المسلم وعدم المساواة بينهما؟
بالتأكيد لأن الفقه الإسلامي ينطلق من أن الدولة الإسلامية لا يسيّرها ولا يدير دواليبها سوى المسلم على اعتبار أن غير المسلمين مشكوك في ولائهم للدولة الإسلامية ومحط شبهة . وتذكر لنا كتب التاريخ أن غير المسلمين كانوا ملزمين بارتداء أزياء تميزهم عن المسلمين حتى يشعروا بالدونية فيضطرون لاعتناق الإسلام . إن المنظومة الفقهية لم تقم على مبدأ تكريم بني آدم الوارد في القرآن وإنما على التمييز بين أفراد المجتمع على أساس ديني لتقصي غير المسلمين من الوظائف المهمة في الدولة ثم على أساس جنسي لتحرم النساء من كثير من حقوقهن السياسية والاجتماعية .
ـ هناك تيارات أصولية تعتبر أن وطن المسلم هو دينه وعقيدته هل يستقيم هذا الاعتقاد مع المفاهيم الحديثة للدولة والانتماء والمواطنة؟
ليس فقط التيارات الأصولية بل حتى الأنظمة السياسية الحاكمة في بلاد المسلمين . فإلى تسعينيات القرن العشرين ظلت مقررات التربية الإسلامية في المدارس المغربية تلقّن التلاميذ أن "وطن المسلم عقيدته" . وما تعتقده التيارات الأصولية هو امتداد واجترار للمنظومة الفقهية التي تشكلت قبل 15 قرنا دون أن يطالها التجديد أو التغيير . فالدول العربية الحالية لم تقطع مع مقومات الدولة الدينية وتنتقل إلى الدولة المدنية . ومفهوم الوطن هو مفهوم حديث ارتبط بظهور الدولة المدنية العلمانية الحديثة التي تقر بالمساواة بين المواطنين دون اعتبار للعرق أو العقيدة . ولا يمكن أن نشيع مفهوم المواطنة ونؤسس له ثقافيا وقانونيا وسياسيا وإعلاميا إلا في إطار الدولة الديمقراطية ، دولة المساواة بين جميع المواطنين وسيادة القانون وضمان الحريات وفي مقدمتها حرية العقيدة . كل الدول العربية/الإسلامية تعاقب من يعتنق دينا آخر غير الإسلام أو من يبشّر بالمسيحية . والخطاب الديني السائد في هذه الدول خطاب تحريضي ضد غير المسلمين ينشر الكراهية والبغض ويشرعن العنف ضدهم دون أن تتدخل الدولة في تجديد هذا الخطاب وفق ثقافة حقوق الإنسان وقيم المواطنة . من هنا فإن الدولة العربية توفر التربة الفقهية والتعليمية المناسبة للتيارات الأصولية لنشر العقائد المدمرة لوحدة النسيج المجتمعي والمهددة للأوطان .
ـ أين تتجلى مظاهر تعارض مفاهيم الانتماء الديني الإسلامي مع مفاهيم الوحدة الوطنية والخصوصية؟
الانتماء الديني يبلوره الشعور بالولاء للدين وللمؤمنين به أينما كانوا دون اعتبار للوطن . فالانتماء للدين أوسع من الانتماء للوطن ، ولا ولاء للوطن إن لم يكن أرضا للمسلمين . إن المنظومة الفقهية شكلت وجدان الشعوب الإسلامية حتى صارت لا تشاطر غير المسلمين أحزانهم . وليس غريبا أن نسمع من عامة الناس إذا ما أصابت كارثة طبيعية شعبا ما في أقاصي المعمورة "هل هؤلاء مسلمون؟" . إن هذه المنظومة الفقهية أخمدت الشعور الإنساني في الشخص المسلم . بل إن التيارات الأصولية وظفت هذه المنظومة الفقهية أبشع توظيف جعلت أتباعها يفرحون إذا أصابت كارثة ما غير المسلمين . من هنا فمفهوم الانتماء الديني يتنافى مع مفهوم الانتماء للوطن . ويتجسد هذا التنافي في كون التيارات الأصولية تجند أتباعها لتخريب الوطن وضرب مصالحه الحيوية وقتل المواطنين الأبرياء بعد أن رمتهم بالكفر والرّدة . إن مفهوم الوحدة الوطنية يتعالى على مفهوم الانتماء الديني أو العرقي ويجسده شعار "الدين لله والوطن للجميع" . والدولة المؤهلة لتجسيد هذا الشعار وضمان المواطنة الحقة هي الدولة المدنية الحديث التي تربي مواطنيها على الولاء للوطن والتضحية من أجل وحدته واستقراره والمشاركة الفعالة في ازدهاره .
ـ هل تصلح "عقيدة الولاء و البراء" التي تعتبرها حركات الإسلام السياسي والتيارات الأصولية من صميم الإسلام لهذا العصر؟
بالتأكيد لا ولن تصلح لهذا العصر والعصور القادمة . فعقيدة الولاء والبراء هي عقيدة مدمرة للأوطان وللشعوب . فهي عقيدة تشحن نفوس معتنقيها بالغل والكراهية لغير من تعتبرهم مسلمين حتى وإن كانوا مسلمين ، كما تخلق لديهم الاستعداد القوي لمعاداة غير المسلمين حتى وإن كانوا مواطنين ثم إلحاق الأذى بهم . فمتى شاعت هذه العقيدة بين أفراد الشعب الواحد إلا ومزقت لحمتهم وحوّلتهم إلى أعداء متقاتلين ومتناحرين . إنها تجعل من المواطنين الذين لا ينتمون لنفس الجماعة أو المذهب العدو اللدود الذي يجب قتاله قبل قتال العدو البعيد .