العقل الجمعي بين الوعي المختار وهوس الجماعة

عباس علي العلي
2019 / 7 / 6

العقل الجمعي في مجتمع ما يمثل شكل من أشكال الضمير الفاعل أو الحاضر في القيم الفوقية الحاكمة للمجتمع وإنعكاس على راهنية الثقافة والمعرفة الاجتماعية، وليس بالضرورة أن يكون هو معيار التفاضل أو النتيجة الأصح أو المناسبة للواقع بصفته الإيجابية , قد يكون العقل الجمعي خاضعا لسطوة بعض إملاءات العقل الفردي ومنحازا له، نتيجة القهر والاستلاب المغلف أما بالخوف أو بالقداسة أو تحت سطوة العبودية للحاجة، وبالتالي العقل الجمعي هو إفراز لنظام أجتماعي يصنعه العامل الضاغط القاهرة على قوة المحرك الأجتماعي العام ويسيره في الطريق الذي تختاره السلطة العقلية المهيمنة، قبال ضعف وتخاذل القوة الجمعية لما يعرف بالقاعدة المطيعة أو الخاضعة لها .
من أمثلة القوه القاهرة الفردية سطوة العقل الديني على المجتمع وقدرته على بناء عقل جمعي منقاد له وخاضع لإملاءاته دون أن يلاقي تلك المعارضة التقليدية لأي ظاهرة قد تمس وجدان أو تعقلات الفرد الطبيعي، السبب أن الديني وخاصة الذي يخلط الحكم الديني بقهرية الثواب والجزاء ويضغط باتجاه عوامل الخوف والقلق والشك الأجل في نتائج الوجود التجريبي البشري يحرك في الإنسان عوامل الاهتزاز واللا قدرة على الرؤية العلمية للواقع، فهو ينسب كل شيء لله ويحتضر مع هذا المزج ضعف الإنسان الطبيعي حينما يصور له أن مسألة الإيمان بالله أو الكفر به أو بالدين إنما هو صراع غير متكافئ بين الله والإنسان، هذا العرض والصياغة التي يصنعها الديني أو الكهنوتي قادرة بكل الأحوال أن تخرج العقل مع الهوس المرافق لها من دائرة البيان والتبيان إلى فلك الذوبان اللا واعي بظاهرة العقل الجمعي، وإكثار وتضخم في حجمها دون حتى وعي بما يدور من حول الفرد إلا نادرا ما يمتنع بعض الأفراد من أن ينهار عندهم نظام العقل الفردي المستقر.
في المجتمعات التي تختفي فيها ظاهرة التميز الفردي (كثقافة وليست كظاهرة طارئة استثنائية تتعلق بذوات أو حالات خاصة) القائمة على استقلال الفكر وإشاعة المعرفة وظهور مفهوم العدالة والمساواة، تتحول ظاهرة العقل الجمعي من شكلها العرضي الاعتباطي الهوسي إلى دائرة الفهم الطولي العمودي في تكوينه الجوهري أو حتى في تأثيره العام على أفراد المجتمع، عكس المجتمعات المنغلقة والتي نخضع فيها الشخصية الجمعية إلى نحو ما تسيره العقلية الفردية المتسلطة بديكتاتوريتها المقدسة أو ذات التأثير الساحر، والتي غالبا ما تستخدم الجهل والقوة والقداسة طريقا لصياغة توجهات العقل الجمعي ورسم مدارته.
في جميع الحالات علينا أن نفرق بين مفهومين مهمين لتحديد العقل الجمعي بناء على ثبات وتحول الصيغة التأثيرية والمؤثرة له، فهناك ما يعرف بالرأي العام الجمعي والذي هو صورة إيجابية فيها التفاوت والاستقلال في استخدام طرائق التفكير ونظم المعلوماتية العقلية، وهناك أيضا حالات من الهوس الجماعي المؤقت الذي يزول بأسبابه وإنفعالاته وهو طارئ نسبيا مثل ما يحدث أثناء مشاهدة مباريات رياضية تحظى بشعبية عارمة، ما يرافق هذه الظاهرة الأخيرة واحدة من أهم صور العقل الجمعي وأقلها ضررا على المدى القصير والمتوسط في صياغة شكل العلاقات الأجتماعية بسبب موسميتها وقلة تكرارها وطبيعة ما تطرحه من حالات فرح أو حزن مؤقت، عكس ظاهرة المواسم الدينية أو العبادات المتكررة التي تصاحبها بالغالب طقوس واحتفالات تتميز بالسوداوية وجلد الذات والأستشعار بالظلم أو القهر المزمن.
فما يسمى بالقواعد العامة والرأي العام القيمي للمجتمع وهو الذي لا يتغير سريعا ولا يتبدل بسهوله لارتباطه ونتاجه أصلا من القيم الفوقية العاملة سواء أكانت تلك القيم فكرية أجتماعية أو متعلقة بالحاجات ونظام الأنتاج والعمل الأقتصادي، هذا الطراز أو النوع من العقل الجمعي كثيرا ما يخضع الفرد إلى ما يسمى بالأسر الأجتماعي القيمي (الظاهرة الأجتماعية الضاغطة) ويجعل منه فرد خاضع لا يمكنه الخروج من دائرة التأثير إلا بالتمرد أو الثورة، على العكس من الظاهرة الأجتماعية المتولدة من تأثيرات التفاعل الآني أو الوقتي الذي يجعل من الفرد منغمسا بها ويخضع بذلك من حيث لا يعي قوته العقلية للعقل الجمعي الانفعالي وخاصة عندما يتعلق الأمر بحالة ذهنية تشاركيه منفعلة تحت تأثير قوة العاطفة أو العقيدة الدينية مثلا أو في حالات الهوس الجماعي .
يحلل دوركايم الحالة السابقة وفق العقل الجمعي وتأثيره على الأفراد ، فخلال الظاهرة الاجتماعية يبرز هذا العقل ويقوم بإشعاع قهره وتأثيره على عقول الأفراد الخاصة كما يتبين حين انفصالها وانصرافها عن بعضها البعض، في مباريات كرة القدم مثلا أو في الطقوس الدينية التشاركية مثلا نجد أن العقل الجمعي المتكون هنا ليس عقلا واقعيا يتصرف وفقا لقواعد عملية، بل هو وعي طارئ يتشكل تحت تأثير عاطفة المناسبة وأحيانا يتيه تحت تأثير الفاعل المثير دون أن يتحسس الخطأ أو الصح وهذا ما يساهم بشكل أو بأخر بخلق مفهوم الغوغاء أو الهوس القهري المصاحب لحدث لوجود الظاهرة المؤقتة، لكن ما يسجل أيضا أن بمجرد أنتهاء المؤثر يعود العقل أولا لقواعد العقل الجمعي الدائم ويلتزم بأحكام الذوق والأخلاق والمثل المرعية وبالتدريج يعود أيضا لأحكام العقل الفردي المسير للشخصية الذاتية الفردية .
السؤال المطروح هنا يتعلق بقضيتين مهمتين حول دور الفرد في صناعة الوعي الجمعي ودور المجتمع في إلجاء الفرد لخضوعه لهذا الكائن الذي يعتبره البعض حقيقة مستقلة عن المجتمع وكائن معنوي ولكنه واقعي منفصل عن قاعدته لكنه يولد بوجودها ,الأمر أذن يتعلق بمفهوم الأصل والأصالة في الوقت الذي يجب التفريق بين أصالة العقل الفردي في تكوينه ومشاركته في تأسيس الوعي والعقل الجمعي كما عند مرتضى مطهري مثلا , نجد آخرين يؤيدون في دراساتهم نظرية أصالة الوعي الجمعي وخضوع العقل الفردي في تشكله ونضجه ونظامه العملي للعقل الجمعي الأجتماعي بصفته ظاهرة أجتماعية .
لقد افترض دوركايم العقل الجمعي كشيء موضوعي ناتج عن دمج وتجاذب النفوس الفردية بعضها بالبعض ألآخر فهو كائن نفسي جديد ، أو ان له شخصية نفسية من جنس جديد وبذلك يتميز الشعور الجمعي عن الشعور الفردي كلياً ، وان قوانين الأول تختلف عما لدى الثاني فالكل هنا لا يمثل مجموع الأجزاء بل شيئاً آخر تختلف خواصه عن الخواص التي تحمله أجزاؤه الداخلية ,دوركايم ينفي أصالة العقل الفردي ويرى أن العقل الجمعي هو كائن موضوعي منفصل تماما في قيمه وأعتباراته وحدوده , والحقيقة التي يجب التأكيد عليها أن عملية التأثير لا والتأثر بين العقل الفردي والجماعي تخضع لاعتبارات عديدة ولكنها في الأخر كلاهما جزء من منظومة واحدة تتشكل بمجرد أرتباط عقل بعقل ووجود بوجود , فهي تنتج عن التواصل ولا يمكنها أن تتولد من خلال الوجود الفردي فينتفي التفضيل بينهما لأن النتيجة التي نتوصل لها دوما هي حقيقة أن المجتمع حالة فلكية تنمو حول نقطة جوهرية مركزية تؤثر في الجذب المركزي للنواة كما تؤثر الحالة الفلكية في إظهار فاعلية المركز والمحيط في تكوين الظاهرة .