عند باب حطة خليل إبراهيم حسونة

رائد الحواري
2019 / 7 / 5

عند باب حطة
خليل إبراهيم حسونة
عندما يكتب الشاعر وهو في (آخر الدنيا)سيكتب بألم وحرقة، وهذا يشير إلى أنه ما زال متمسك بانتمائه/بأفكاره رغم البعد المكاني وحياة الهدوء والرخاء، فهو مسكون بالوطن الذي ينتمي إليه، وليته اقتصر على مكان ودلالاته، بل نجده متأثر ومنفعل حتى عندما يتحدث عن الوطن الكبير، وطننا العربي، حلمنا الذي مازال حلما، رغم تقلص المكان وضيقه علينا.
"خليل إبراهيم حسونة " يتشبث بالحلم، فالشعراء هم روح الأمة، وهم النار المتقدة التي تدفئنا وتنير طريقنا، لهذا هم نبلاء، يقومون بدور الأنبياء، رغم ما يتعرضون له من ألم وأذى، فالرسالة التي (نزلت عليهم) يريدون إيصالها، مهما دفعوا من ثمن، فأجرهم وثوابهم في السماء.
هذا الديوان من أصعب واقسى ما كتبه الشاعر "خليل إبراهيم حسونة" فالاضطراب والقسوة والعنف جعلنا ندخل إلى (درب الآلام) ونسير مع المسيح وهو يحمل صليبه، يمكننا أن نتحمل العذاب ونصمد، لكن أن نرى من نحبهم يتعذبون أمام عيوننا ولا نستطيع أن نساعدهم، فهنا يكون العذاب أشد وأقسى، لكن الشاعر يستخدم لغة وصور شعرية تخفف علينا شيئا من تلك الطريق القاسية، كما أن الغضب الذي ابداه الشاعر جعلنا نشعر بأنه عبر وأسمع صوتنا إلى الآخرين، بعد أثلج صدورنا، وهذا اسهم بإضافة شيء من الراحة.
المكان
الفلسطيني مسكون بالمكان، فهما يعيشان معا، ويكون/يكمل أحدهما الآخر، من هنا نجده وبشكل شبه دائم يذكره ويستحضره:
"أمد خطواتي تجاه تاريخ مضى..
وأرى ما لا يرى في حدقات مخيم اليرموك..،
أعض على جوارحي.. واقفا على السفود، أراوح
مكاني..، وحين أعناق زماني
النار تأكل مرافقي، تجرحني من الرأس حتى العقب.." ص32، من المفترض أن يكون ذكر المكان/اليرموك يمنح الشاعر شيء من السكينة، لكننا نجده يشعله بالغضب والقسوة: "أعض، واقفا، أراوح، النار، تجرحني" بينما نجد مشاعره (عادية) قبل ذكره: "أمد، خطواتي، التاريخ، أرى" وهذا يعطينا دليلة إلى اشتعال واتقاد المكان، فالشاعر يتحدث عن حالة حامية تحصل الآن، لا يمكنه إلا أن يكتب عنها بهذه الصيغة المشتعلة، فهو يستخدم صيغة الأنا/المتكلم، لهذا لا يمكنه أن يتحدث من (الخارج) فقد دفعه ما يحدث في المكان/اليرموك على الحديث بهذه الحُرقة.
إذن ما يحدث في المكان، وطبيعة المكان، تفرض نفسها على الشاعر، فتجعله يتحدث بما "وأرى ما لا يرى في حدقات..،" فالشاعر صادق فيما يقوله:
"...فيحتمي بالوهج شوقي، المسجى بباب "حطة"
أحدق بأسوار "عكا" ملء عيوني.. فتروم هواي
فراخ السنونو .. وتبيت على بهجة يمتطيها الحدق..
لحاظ اكتملت بتراب "مرج بن عامر"..
مجبولة بالزمن العريق..، وما في الرضاب وسق..
يماوج ما به من رمق..
محاط بما في الدما من عروق..
وشظايا بروق،
وشظايا بروق.." ص33، التعاطي مع المكان ليس في مستوى واحد، فهناك مكان يجعلنا نشعر بالحنين، الحب، وأخر يشعرنا بالغضب ويثير الاضطراب، كما أن الزمن له أثر ودور، فالأحداث الساخنة في مخيم اليرموك أثارة الشاعر، وجعلته يكتب بحرقة، بينما "عكا، ومرج بن عامر" جعلته يشعر بالحنين والحب، لهذا استخدم الفاظ ناعمة: "يحتمي، باب، ملء، عيوني، هواي، فراخ، السنونو، تبيت، بهجة، اكتملت، الزمن، العريق، الرضاب" وهو لا يكتفي باستخدام الفاظ بيضاء، بل يأخذ بالتغني والتماهي مع المكان، مستخدما كلمات فيها حرف القاف: "الحدق، العريق، وسق، رمق، عروق، بروق" وإذا ما توقفنا عند طريقة لفظ حرف القاف في نهاية الكلمات، نجد فيه غنائية وانسيابية، وكأن الشاعر تماهى مع المكان فأخذته نشوة الغناء، من هنا نقول أن أثر المكان ليس واحد، كما أن الشاعر يتأثر بمجرى الأحداث، لهذا نجد هذا التباين بين اليرموك وعكا.
وهناك مستوى آخر للمكان نجده في هذا المقطع:
"وعلى درفات "أريحا"
تحاصرني الجندية الفلاشية التي غاب عنها تاريخها..
وتقتلني مرتين .. فأزاوج بين ماء ونار مقمقم في لجين
أضع على عنقي حبات عقد الأرض المخضبة وجناتها
وأغسلها بماء العين..،"
وما في الريق أحتلب..
أدفع مهر عشب الأرض التي دثرتني برضاب الحبيبة..
ووعود حملت بجنون الرعود..، وذاك اللظى الناري
القريب البعيد..
في الطوابي، والقبب..
يحتفي يهواه القديم" ص35، قد يبدو هناك عدم وضوح في تناول الشاعر للمكان، فعندما تناول "اليرموك" كان متألم، وعندما ذكر "عكا" هدأ وفرح، وعندما ذكر "أريحا" كان بين بين، لماذا وكيف حدث هذا؟ وهل تختلف مكانة أريحا عن مكانة عكا؟، أم أن هناك (مؤثرات/موجودات) تؤثر على الشاعر؟، اعتقد أن "الجندية الفلاشية" التي رآها في "أريحا" أثرت على مكانة المكان عند الشاعر، فحولت المكان الذي من المفترض أن يكون عناصر مهدئ ومسكن إلى مكان اضطراب، فعندما بدأ "تحاصرني الجندية الفلاشية" وعرفها بأل التعريف مرتين، الجندية والفلاشية، أثرت على مكانة "أريحا" فحولتها إلى مكان صاخب: "غاب، تقتلني، نار، بجنون، الرعود، اللظى، الناري، البعيد" وفي المقابل هناك المكان المريح والهادئ: "فأزاوج، ماء، حبات، وجناتها، وأغسلها، بماء، العين، احتلب، عشب، الأرض، برضاب، الحبيبة، حلمت، القريب" فحالة الصراع التي أوجدتها الجندية لم تقتصر على ما ذكرناه فقط، بل هناك كلمات تعبر عن هذا الصراع، "مرتين، مقمقم" فيبدو لنا وكأن الشاعر عندما استخدم كلمة "مرتين" أخذه العقل الباطن إلى استخدام كلمة تحمل حروف مكررة، فكانت "مقمقم، وكان عليه أزالت هذا التشابك/العوالق التي لصقت بالكلمات من خلال "وأغسلها" والتي حولت الألفاظ من القسوة إلى الفرح، فنجده يستخدم "ماء، العين، الريق، أحتلب، معر، العشب، الأرض، برضاب، الحبيبة، حلمت، القريب" وكل هذا حدث بعد فعل "أغسل" من هنا يمكننا القول أن الشاعر يتوحد مع قصيدة ومع الكلمات التي يستخدمها بحيث تؤثر عليه وعلى ألفاظ القصيدة.
يقدم لنا "خليل إبراهيم حسونة" مستوى أخر للمكان:
"الغيم لم يخن الطريق..
هو في عناد السنديان .. القسطل الجبلي..،
والدم الوطني ..الابتسامات الطليقة .. مجون
الحقيقة، ترهف السمع.. إذا برق غيم القدس..
أو نفر الحسام..
تأتي رائحة خنطية من بلاط "يعبد" ..،
تقصف الهمس، وتعصف بالنداء..
في جفنة عاطفية مشبوبة الاقداس.." ص45، يبدو وصف المكان محايدا/طبيعيا، القسطل الجبلي، غيم القدس، بلاط يعبد" لكن ما وراء هذه الحيادية نار متقدة، فهو يأخذنا إلى قادة ـ عبد القادر الحسيني وعز الدين القسام ـ الذين ضحوا بحياتهم من أجل المكان/فلسطين، لهذا نجده ينظر إليهم بعين جديدة، "عناد السنديان" ويجد فيهم عامل محفز على العمل والتقدم إلى الأمام: "تقصف الهمس، وتعصف بالنداء.."، فالأثر الذي تركه "الحسيني والقسام" في القسطل ويعبد يختلف تماما عما تركته "أريحا" بعد أن شاهد "الجندية الفلاشية" ففي "أريحا" كان غاضبا منزعجا، وفي "يعبد والقسطل" متأملا متفكرا في الحاضر والمستقبل.
وإذا ما توقفنا عن أثر الحاضر والماضي عند الشاعر، نجده يميل وينحاز إلى الماضي، بينما ينفر من الحاضر، إن كان متعلق بالمكان أم بالأشخاص، وهذا يشير إلى حجم القسوة والمأساة التي يتعرض لها الشاعر، لهذا اتجه إلى أماكن (من الماضي) بعيدة عنه، وإلى أشخاص قضوا.
المكان التاريخي، التراثي يقدمه الشاعر بطريقة متميزة:
"تتقدم الأرض مني..
أتقدم منها ... تعوي "الجندية"
ألم أقتلك .. ألم تمت..!؟
قلت هو البر العتيق.. فأنا من سلالة الفينيق

تبتسم التي أرضعتني جنون الهوى..
تثرثر شفتاها:
من قال أن الفارس الفذ حاد عن الطريق..
يومها عرفت أن بلادي مكفولة بالزمان العتيق

وما في الرضاب اتسق..
بنادي بما له من رمق..،
أنا في هواها سقيم..
وأنا من الأرض التي أنجبتني .. وأمي عناة..
درجت على صدرها..
سريت حليب "مرج بن عامر"..
ب "يافا" أحمل أجمل الذكريات.." ص56و57، قبل الدخول إلى المكان نتوقف عند طريقة (دخول وخروج) الجندية من المشهد، فهي بدأت بالعواء، ثم انسحبت (خلسة) بعد أن رد الشاعر على سؤالها : ألم أقتلك .. ألم تمت" وهي لم تنسحب/تختفي فحسب بل أظهر الشاعر مشهد جديد: "تبتسم التي أرضعتني جنون الهوى.." فتبدو لنا التي أرضعته تزيل أثر العواء عليه، وفي ذات الوقت (تقضي) على الجندية تماما.
أما بخصوص المكان، فنجده عام في: "الأرض، الفينيق، بلادي"، وخاص في "مرج بن عامر، يافا" وقد بدأ الشاعر بالعام ثم اتجه إلى الخاص، وكأنه يريد أن يعطي نفسه طاقة تقربه أكثر من الفينيق، الأرض، بلادي، وقد قدم الأرض بتاريخها وبتراثها وبحضارتها الفينيقية، التي يستمد منها الطاقة على مواصلة العطاء وعلى حبها والتماهي معها.
اعتقد أن أثر المكان الذي تناوله من خلال خمسة الفاظ، اعطت الشاعر نشوة الفرح، حتى أنه أخذ يتغنى بحرف القاف: "الطريق، العتيق، اتسق، رمق"، فالمكان يمنح الشاعر الغنائية ويجعله يتحرر من التوتر الذي تحدثه "الجندية".
لم يتوقف الشاعر عند المكان الفلسطيني فحسب، بل تعداه إلى المكان العربي، فالفلسطيني قومي بطبيعته، ويتأثر بمحيطه القومي، لهذا نجده يتألم بألم بغداد وألم دمشق كما يتألم لألم القدس ويافا:
"وسيدة عذراء .. ترقص مثل قافية تذهب الأوهام
والأروام سارحة..
بين بغداد .. وفارس..
وهم في ارتحال الروح التي لا تحد..
يناوشون المنايا، بالحنايا.. ولا يطلقون
السلام على أحد.. لأن "المغول" يجيئون من باب
قصر الخليفة .. فيحمل الأموات ..دجلة، إلى أقرباء
النخيل .. ولا يأتي "المعتمد"..
العراق مدافن مفتوحة على مصاريعها..
خجلت منها الأساطير .. "وهولاكو".. فالضحايا
شظايا ..والأسماء نتف من حروف مشوهة..
في كل قارعة قتيل..
أرض تضرجت بالسعار، والنار..
لا تعرف أين السبيل..
بلاد بلا حراس..
تحدق بعيني امرأة دمشقية.." ص93و94، مضمون المقطع السابق واسع، فنجد تاريخ والمآسي في بغداد ودمشق، فألم الشاعر تجاه بغداد ودمشق كألمه تجاه أريحا والقدس، لكنه في المكان القومي يستخدم شخصيات من التاريخ كرمز، "المغول، هولاكو، المعتمد"، ويستخدم المكان أيضا كرمز: " قصر الخليفة، دجلة، النخيل" وهذا ما يؤكد على دور البشر في خراب المكان/الأرض.
وعندما بدأ الشاعر المشهد "وسيدة عذراء .. ترقص" وختمه ب "تحدق بعيني امرأة دمشقية.." أراد به أن يستفز/يثير (النخوة) عند العربي، فالمرأة وشرفها تجعل العربي يُثار وينفعل، وهذا ما يجعل المقطع منسجم بين الفكرة المباشرة (هم الوطن العربي) وبين طريقة مخاطبة المواطن العربي.
والشاعر يجمع بين حالة العراق وحالة القدس مؤكدا على أن الوطن واحد ولا فرق بين الهم العربي:
"المرأة المقدسية، التي ما زال، واقفة..
تفتش عن مهجة..
في جنبات الرحيل..
تنظر للقدس .. وتسمع ماذا يقول
القتيل العراقي..،
للواقفين على جسر "المسيب"
وكيف السبيل..!
ينادي المنادي في الساحة الخضراء
ليل العراق طويل..
والشام .. آه لبلاد صارت لياليها عويل" ص97، للوهلة الأولى يمكن ان يبدو المشاهد عادي، لكن إذا ما توقفنا عند "المرأة المقدسية" والتي تثيرنا بوقفتها وهي تنظر للقدس المحتلة وتستحثنا على العمل والتقدم لإنقاذها وانقاد القدس، كما يستحثنا مشهد القتيل العراقي وهو ينادي الواقفين على المسيب، مذكرا بمأساة العراق والشام، فرغم أن الصورة قاسية إلا أن طريقة تقديمها كانت (خفيفة) على القارئ.
تستوقفنا أفعال "تنطر للقدس، وتسمع العراقي، وينادي المنادي" فالنظر/المشاهدة والسمع والنداء كلها جاءت تثير وتستفز المشاعر، فهي افعال متعلقة بالإنسان العربي وبالأرض العربية، وربط الألم الإنساني بالمكان له دلالاته عند الفلسطيني العربي، لأنهما متوحدين معا.
انفعال الشاعر
الشعراء يتأثرون بأي شيء، ويتحولون من حالة إلى نقيضها لمجرد سماعهم أو رؤيتهم لأشياء تبدو عادية عند الناس العاديين، لكنها بالنسبة لهم عظيمة، من هنا نجدهم ينفعلون ويضطربون، فما بالنا عندما يحدث خراب للأمة، وتشريد شعب، وتدمير أوطان؟، "خليل إبراهيم حسونة" نجده مضطرب ومنفعل في:
"هو الفتى المقدسي..
حيي الصفات .. شديد المراس
يقرأ سورة التكوين" ص 36، اعتقد أن "يقرأ سورة التكوين" تشير إلى انفعال واضطراب الشاعر، الذي جمع متضادات "السورة القرآنية وسفر التكون التوراتي، واعتقد أن هذا المزج المتناقض والغريب أتى ليعبر عن حالة (غير سوية) يمر بها الشاعر، فاستخدم هذه الصيغة ـ بغير وعي ـ لكنها تخدم فكرة انفعاله وسخطه على ما هو حاصل.
"لوته الطواحين..
وهم يحاولون مصادرة الصباح..
يقرأ مزامير "كنعان" ص54، أيضا نجد التناقض بين الكنعاني ومزامير داوود، فمثل هذا التزاوج المتناقض يدفعنا إلى التوقف عنده متفكرين فيه وفي الاسباب التي دفعت الشاعر لمثل هذا الاستخدام.
ونجده يستخدم تعابير شعبية متداولة مثل:
"والمرأة قد تأتي غدا .. لتراجع العنوان..
حلمها يرى أن السماء نظيفة فوق المكان..
تعرف أن الأرض والعرض،
مراجل النيران.." ص94، فتعبير "الأرض والعرض" متداول شعبيا، واستخدامه بذات الصيغة يشير إلى انفعال الشاعر وعدم تحرره من حمى الأحداث.

العقل الباطن
من المهم والضروري أن نجد توافق بين ما يقدمه الشاعر في حالة والوعي وبين الكلمات التي تأتي من خلال ألا وعي:
"قاب قوسين..
من سدرة المنتهى
فتاة الريح التي خبأت نديها في بوتقة
نجم .. تراءى لهاثه..
كيف نبض السجايا" ص10و11، يمكننا تفهم "قاب قوسين وسدرة المنتهى" فهي آيات قرآنية، وهي تخدم النص الشعري، لكن ـ اعتقد ـ أن استخدام "نجم" جاء من خلال اللاوعي، فالشاعر أخذه الآيات إلى اسم السورة القرآنية "النجم" التي من ضمن آياتها "قاب قوسين أو أدنى، وعند سدرة المنتهى".
الصور الشعرية
اهمية الصور الشعرية أنها تقدم فكرة المأساة بصورة مخففة، وتحد من الألم وتوصل فكرة القسوة بأقل الاضرار النفسية، وهنا تكمن جماليتها ودورها، فهي تبقينا إنسانيين رغم هول الأحداث ووقعها، "خليل إبراهيم حسونة" يقدم نماذج من صورة في دوانه "عند باب حطة" منها:
"...
في وطن تتقدم مخالب كبته ..تنهش كل حلم..،
المنايا زرافات ووحدانا..،
تبتاع الغياب الطويل..،
هموم الثكالى، اليتامى، والأيامى الذين خرجوا
عن الطرق، فغاب الحليب .. وصاروا يشربون
أوجاعهم في العُلب
لعب يسير على عتبات الأديم" ص31و32، فصورة الوطن والمخالب، وصورة غياب الحليب وأوجاعهم والعُلب، كلها تشير إلى أن الشاعر يعي حجم المأساة التي يمر بها كشاعر لهذا دفعه العقل الباطن إلى استحداث هذه الصورة ليخفف عنا ـ قدر المستطاع ـ هول المشهد.
" ...قالت الجندية:
ـ من أين انت!؟
رد الفتى متباهيا..
من قرى بيسان..
هنا صرخ المدى..
وطارت رصاصة نشوى ..تجلجل
صوب المكان..
هذي الرصاصة..
تعرف العنوان..!!" ص76و77، أهمية هذه الصورة في اختزالها وتكثيفها للأحداث، فنجد صوت الجندية وصوت الفتى، ورغم أن الكلام جاء قليل الكلمات، سؤال الجندية: "من أين انت!؟" وجواب الفتى: "من قرى بيسان" إلا ان اعطاء الشاعر تفاصيل عن تتمة الأحدث "طارت رصاصة" هو المثير، وعندما أدخل صوت جديد "هذه الرصاصة" أذهلنا أكثر فهناك اربعة أصوات، وهناك أحداث ـ بسردها المجرد ـ مدوية "رصاصة"، وأيضا لها صداها على القارئ، الذي يقف مذهولا من صوتها، مما يجعل القارئ يدخل إلى المشهد وكأن الرصاصة أصابته هو وليس الفتى.
الديوان من منشورات دار الكلمة للنشر والتوزيع، غزة، فلسطين، الطبعة الأولى 2018.