- سطح الدار -

سوزان العبود
2019 / 7 / 4

سطح الدار مكان متوسط الحجم ملئ بالغبار والشحار.. وأطلال الأطفال..
كل شئ هنا يذكرك بأرواح مرت وتركت ورائها تلك الأشياء المتكسرة.. هناك عند الزاوية خزان ماء متآكل أكل الدهر عليه وشرب وفي وسط المكان مدخنة مليئة بالشحار .. ، وفي زواية السطح بيت للحمام ، والذي كان غالباً بيتاً لنا نحن الصغار فقد كنا نطرد الحمام ونقيم في ذلك البيت نأكل ، ونشرب، ونلعب .. رغم منع الكبار لنا من الإقتراب لكن مقابل فتافيت الفرح تلك .. كنا نتحمل العقاب مهما كان كبيراً .
بعد سنين طويلة من الطفولة التي خلفت ورائها تلك السيوف الخشبية والرحى التي لاتعمل والأكواب المصنوعة من بقايا البلاستيك ، دهشة تسيطر  عليي كيف كنا نفرح بأبسط الأشياء .. وتملئ ضحكاتنا وصرخاتنا المرحة الدنيا بهجة وفرح .
ستة أشقياء لم يتوقفوا عن الصخب .. أنا وأخواني ثلاثاً وأولاد عمتي ثلاثاً ..
اللعب عندنا كان طقس عبادة طول النهار أيام الصيف والعطل
، خزان الماء البلاستيكي الأصفر الذي كان يومها شاباً ملئ بالماء النظيف تحمل منا ما لا يطاق فقد كنا نركض بسرعة جنونية ونرمي بأنفسنا عليه فنرتد مقذوفين في الهواء فنطير من الفرحة وتطير معها ضحكاتنا الصغيرة... مشهد يثير الضحك في نفسي عندما يتخلل ذاكرتي الآن ..
لقد تحمل منا الكثير الكثير لأنه كان يُضْحِكنا برحابة صدر ويُقبل جباهنا الصغيرة وخدودنا المتوردة بحنان .. حتى انفجر ذات يوم و رحل .. وبقيت ذكراه .
عراكنا وتحدياتنا كانت تتجلى بصراع بالسيوف الخشبية التي تتكسر عادة بعد أول ضربتين والرابح يتوج ملكاً على الجميع ..
أما المداخن فقد كانت مراكز الإنتقام ... فعندما نتعارك ونتخاصم يقوم كل من الطرفين برمي الحجارة في مدخنة الآخر لتثور المدافئ وتمتلئ المنازل بالشحار .. وعندها نتقافز مابين الضحك والبكاء  هرباً من العقاب ..
و من سطح دارنا لسطح دار الجيران تشتد الملاسنات بين الأطفال أحياناً فتصعد الأمهات لتعتذر كل جارة للأخرى عن ما بدر من الشياطين الصغار .. 
في ذلك الزمان كم تمنيت أن أكبر وأكبر ... أن تصل ساقايي الصغيرتين للأرض عندما أجلس على الكنبة كما النساء الجميلات ..
الآن بعد سنين طويلة من الشقاء، أتمنى أن تنحسر ساقاي لأعود صغيرة صغيرة .. ، ألعب على سطح الدار بقلب برئ ..
قلبي الذي تلوث مع الزمن بغبار المدينة وضجيج آلاتها ، فتحول السيف الخشبي لأداة قتل نقتل فيها بعضنا البعض بلا رحمة ، وتحولت الرحى لمطاحن تطحننا على مر الوقت مكررة دورتنا اللامتناهية في الحياة ...
سوزان العبود