ترامب وسلمان ونجله يحثّون إيران على التسلّح النووي

جلبير الأشقر
2019 / 7 / 3

لو أراد ترامب وفريقه من المعادين لإيران حبّاً بإسرائيل وبالدولارات النفطية (وليس حبّاً بالعرب أو بأهل السنّة كما يستغبي الحكم السعودي الناس بادّعائه)، لو أرادوا حثّ الحكم الإيراني وسواه من صغار خصومهم الدوليين على اقتناء السلاح النووي، لما تصرّفوا بغير الطريقة التي يتصرّفون بها.
فإن العبرة من سياستهم الخارجية لجليّة لكل ذي عقل: إزاء أسوأ الأنظمة الراهنة على وجه الأرض، ألا وهو نظام كوريا الشمالية التوتاليتاري (تعبير «الشمولي» تنقصه قوة التعبير الأصلي المشتق من قاموس إيطاليا الفاشية، غير أنه يسمح بتسمية البلد المذكور «كوريا الشمولية»)، ذلك النظام الذي يستعبد فيه شعبَه رئيسٌ مؤلّه بصورة مُهينة إلى أقصى الحدود، يتصرّف دونالد ترامب بكامل التودّد والليونة، بل وصل به الأمر إلى حدّ التصريح بأن وطأه لأرض كوريا الشمالية «شرفٌ كبير». والحقيقة أن دلالة الأمر الأولى هي مدى احتقار الرئيس الأمريكي لقيم الحرّية والديمقراطية التي طالما ادّعت بلاده تمثيلها، حيث يرى أن دوس أرض أكثر أنظمة العالم عداء لتلك القيم إنما هو أمر مشرِّف. هذا والمفعول الأول للغرام الذي وقع فيه ترامب حيال نظيره الكوري الشمولي (والقول بالغرام هو قول ترامب نفسه) إنما هو بالطبع نزع أي مصداقية عن تصريحات إدارته التي تدين باستمرار أنظمة إيران وكوبا وفنزويلا بحجة أنها استبدادية، والحال أنها واحات من الحرّية والديمقراطية قياساً بنظام بيونغ يانغ الفظيع. طبعاً، كان يكفي تودّد واشنطن للحكم السعودي كي يدحض زعمه أن سياسته الخارجية تحرّكها قيم سامية، بيد أن الحكم السعودي ذاته يظهر وكأنه ليبرالي مقارنة بكوريا الشمولية.
أما لو سأل سائلٌ ما الذي يجعل دونالد ترامب يتودّد لبيونغ يانغ بينما يكنّ شديد العداء للأنظمة الثلاثة التي ذكرنا، لما وجد غير فارق واحدٍ ذي معنى، ألا وهو حيازة كوريا الشمولية على السلاح النووي. طبعاً، قد تكون لترامب دوافع أخرى، ومنها عزمه على معاكسة كل ما قام به سلفه الرئاسي باراك أوباما، غير أن العبرة الوحيدة التي ستستخلصها شتّى الأنظمة إنما هي فائدة التسلّح النووي في ضمان أمنها. ولا شكّ في أن تهديد ترامب لإيران بأنه سوف يردّ على أي اعتداء على «أي شيء أمريكي» بقوة فائقة سوف تؤدي إلى «إفناء» مناطق بأسرها، ويشير تعبير «إفناء» (obliteration) الذي استخدمه ترامب إلى السلاح النووي بكل وضوح، إن هذا التهديد لهو بمثابة تحريض صريح لإيران على مواصلة مساعيها لاقتناء ذاك السلاح، بعد أن كانت قد جمّدتها بموجب الاتفاق الذي عقدته مع إدارة أوباما سنة 2015، الذي نقضه ترامب في العام الماضي.

وأمام سلوك ترامب، لا مناص من التساؤل حول إذا لم تكن نيّته هي بالضبط حثّ طهران على تجديد سعيها وراء التسلّح النووي، إذ إن للأمر فوائد جمّة من منظور الطاقم الحاكم حالياً في واشنطن: يتيح لهم تصعيد حملتهم على إيران بالتنسيق مع حليفهم الأقرب، بنيامين نتنياهو، ويعزّز ارتماء الحكام السعوديين في أحضانهم إلى حدّ خيانتهم المكشوفة للقضية الفلسطينية (وهو ما حرص الحكم السعودي على تجنّبه حتى وصول سلمان ونجله إلى سدّته)، وتعزيز اتكالهم على الولايات المتحدة وتبعيتهم لها مع زيادة مشترياتهم من أسلحتها، علماً أن الرياض هي أهم زبائن صناعة الأسلحة الأمريكية. فمن أكبر السخريات أن المملكة السعودية التي عجزت تحت قيادة بن سلمان عن التغلّب على القبائل الحوثيّة في اليمن، إنما تتنازع وروسيا على المرتبة العالمية الثالثة في النفقات العسكرية بعد أمريكا والصين، متقدّمة على الهند وفرنسا وبريطانيا واليابان وألمانيا، ناهيكم عن الدولة الصهيونية التي تأتي في المرتبة الـ15 بعد الإمارات العربية المتحدة. وكلتاهما، أي إسرائيل والإمارات، تنفق أكثر من إيران!
إن سياسة ترامب إزاء طهران سياسة قصيرة النظر، بل غبيّة، إذ إن مؤدّاها الوحيد سوف يكون أن إيران ستقتني السلاح النووي في نهاية المطاف، وهي تعلم أن ترامب يصعب عليه كثيراً أن يغامر بشنّ حرب عليها في حين بدأ حملته الانتخابية لولاية رئاسية ثانية. وستكون المحصّلة أن إيران سوف تحوز قوة ردع نووية لا تكمن خطورتها في التهديد بإفناء الولايات المتحدة (فهذا لن يكون بمقدور إيران أبداً) فحسب، بل في التهديد بإفناء قلب إقليم نجد في المملكة السعودية (متجنبّة الأماكن المقدّسة في الحجاز ومناطق الكثافة الشيعية) والقضاء بذلك على الحكم السعودي. وطبعاً، فإن السيناريو الكارثي القائم على تبادل الضربات النووية في منطقة الخليج يتضمّن بالضرورة انقطاع المنطقة بأسرها عن سائر العالم بسبب الأشعّة الذرّية، بما يؤدّي إلى ارتفاع صاروخي مستدام في أسعار النفط العالمية. وهذا ما سوف يشكّل حجة رادعة بالغة القوة لدى طهران مثلما يشكّل التهديد بالإفناء المتبادل لبّ الحجة الرادعة لدى كل من واشنطن وموسكو وبكين في المواجهة بينها. أما الأغبى في الحكاية الخليجية فهم الحكام السعوديون أنفسهم، الذين يحرّضون إدارة ترامب على التصعيد في وجه إيران بينما بلادهم هي الأولى على خط النار!