التنظيم والوعي السياسي في الاحتجاجات

سمير عادل
2019 / 7 / 2

اذا عقدنا مقارنة على صعيد التنظيم والوعي السياسي بين اكثر حثالات الاجنحة البرجوازية الحاكمة في العراق المتمثلة بسلطة الاسلام السياسي وبين الجماهير الغاضبة التي خرجت الى شوارع البصرة والناصرية والسماوة من اجل توفير الكهرباء والخدمات، فنجد الاولى اكثر تنظيما ووعيا لمصالحها الطبقية من الجماهير، واكثر استعدادا لاحتواء موجة الاحتجاجات الجديدة. فليس تعيين هادي العامري مسؤول هيئة اعمار البصرة قبل فترة قصيرة واعتقال الناشطين وفعالي الاحتجاجات واطلاق التهديدات ضد المتظاهرين بأخذ الموافقات الامنية قبل تنظيم اي تظاهرة تحت عناوين متهرئة وهي حماية المتظاهرين والحيلولة دون تسرب المندسين الى الاحتجاجات اعتادت ترويجها الانظمة الاستبدادية امثال نظام مبارك وبن علي والسيسي والبشير والقذافي وبوتفليقة والبرهان وغيرهم من عتاة مجرمي الحكام العرب هي جزء من استعدادات سلطة الاسلام السياسي لقمع الاحتجاجات بأشكال مختلفة للحيلولة دون تمددها وهروب اعضاء الحكومة المحلية الى بغداد مثلما حدث في صيف العام الفائت في البصرة.
كانت الاحزاب والقوى الاسلامية الشيعية تترقب منذ فترة ليست قصيرة وخاصة بعد تشكيل حكومة عبد المهدي تظاهرات البصرة، بل وكانت تنتظر بحرقة اكثر من حرقة حرارة الصيف موعد نزول الجماهير الى الشوارع كي تعيد ترتيب نفسها في المعادلة السياسية الجديدة التي ستتشكل بعد انتخابات مجالس المحافظات. وكل تلك الاحزاب التي خسرت او لم تنل حصة ترضيها في الوزارات والدرجات الخاصة، فتسعى الى فرصة لتحسين حظوظها في مجالس المحافظات بعد الانتخابات المزمع تنظيمها في خريف هذا العام. ولذلك تسعى تلك القوى وكل حسب طاقته للانخراط بالاحتجاجات ورفع شعار او المطالب العادلة للجماهير مثلما كان يفعل القذافي عندما خرج مع المتظاهرين ويهتف معهم “الشعب يريد اسقاط النظام”.
ان الاحزاب والقوى الاسلامية بجميع تلاوينها وعناوينها لا تخاف من احتجاجات الجماهير لان الاخيرة لا تريد اسقاطها واحلال بديل اخر محلها، بل تخشى في خضم المنافسة المحمومة لاستقطاع اكثر ما يمكن امتيازات ونفوذ وصفقات فساد من بعضها. فتيار الحكمة مثلا التي يتزعمه الحكيم يدرك ان الوقت لم يسعفه في البصرة للحصول على مركز محافظ البصرة، وهكذا بالنسبة لحزب الدعوة بجناحيه العبادي والمالكي ومثله بدر والفضيلة والتيار الصدري. اي بعبارة اخرى ان كل طرف من اطراف تلك القوى تريد حرف نضال الاحتجاجات باتجاه بوصلته. وعليه ان المندسين التي تتحدث عنهم قيادة عمليات البصرة على سبيل المثال وليس الحصر هم من نفس تلك الاحزاب والقوى المتصارعة على مجلس محافظة البصرة ولا دخل للجماهير فيهم. فالجماهير وبعد 7 ايلول من العام الفائت اي بعد هروب كل اعضاء مجلس محافظ البصرة وعلى راسهم العيداني وهروب المليشيات الاسلامية من المدينة بعد حرق مقراتها وبعد انسحاب الجيش من المحافظة، عادت الى بيوتها كي تثبت حسن نيتها، وهذا كان كعب اخيلها بدل ان تمسك هي بزمام ادارة المحافظة وتوفير الخدمات والكهرباء والامن والامان.
وليس هذا فحسب فمثلما حاولت نفس القوى المتصارعة في العام الفائت الحاق الهزيمة بحيدر العبادي قائد الانتصارات على داعش والقوميين الكرد كي تجرده من ولاية ثانية وتحميل كل الفساد ونقص الخدمات وقتل المتظاهرين على حكومته، تتجه نفس تلك القوى الى اسقاط حكومة عبد المهدي التي لا راس لها ولا اقدام سوى رقبة رئيس الحكومة التي تتمدد كل يوم سنتمتر واحد.
في المقابل وبالرغم من انه ليس هناك على الاقل الان من يهدد عرش سلطة الاسلام السياسي الشيعي التي تنعم بخيرات السرقة والنهب والفساد بكل انواعه الاداري والسياسي دون اي رادع، عدا الاحتجاجات الجماهيرية التي حرقت في العام المنصرم مقراتها ومكاتبها في البصرة، لكن اوضاعها في خضم التهديدات الامريكية لعرابيها في ايران لا تحسد عليها. وقد حاولت خلط الاوراق ورسم صورة اخرى للمشهد السياسي في العراق حول اندلاع الحرب بين امريكا وايران، وبأنها اي الحرب ستحرق الاخضر واليابس عسى ولعل ان لا تندلع الاحتجاجات ضدها، الا انها فشلت في مساعيها، وليس هذا فحسب بل ان جميع اطراف تلك القوى بما فيها اجنحتها المليشياتية تسعى بشكل حثيث للناي بنفسها عن ذلك الصراع وتسجيل براءة ذمة من العمليات الاخيرة ضد السفارة الامريكية والحدود السعودية. وليس اجتماع قيادات الحشد الشعبي مع عبد المهدي وتزويد حكومته بتقارير استخباراتية عن الجهات التي اطلقت الصواريخ على السفارة الاميركية في بغداد واطلاق طائرات دون طيار على السعودية الا محاولة تقديم شهادة اثبات حسن السيرة والسلوك لدى الامريكان. فنفس العبادي لم تستطع سيرته الذاتية التي كتبها خلال ولايته ان تسعفه من غضب الجماهير ولم تستطع حتى وصول داعش الى ابواب بغداد في عام 2014 وفي ذروة المعارك بين عصابات داعش ومليشيات الاحزاب الاسلامية واطلاق فتوى “الجهاد الكفائي” ان تمنع خروج مئات الاف من الجماهير في تموز من نفس العام من رفع شعار “من دخل بيها ابو العمامة صار البوك للهامة”. اي بقدر ان الاحزاب والقوى الاسلامية تحاول الاستئثار بالاحتجاجات الجماهيرية ولوي عنقها وتفريغها من مطالبها كي تعيد انتاج نفسها من جديد في السلطة بنفس القدر تغط في ازمة سياسية عميقة مردها الوضع الاقليمي وتحاول الخروج باقل الخسائر، كأن تحافظ على قدر الامكان على اكثر ما يمكن من النفوذ والامتيازات.
ما نريد قوله للجماهير وخاصة لفعالي الاحتجاجات ونشطائها ان يدركوا ثلاثة مسائل مهمة في هذه الاحتجاجات كي تتقدم خطوة الى الامام وتفرض تراجعا على قوى واحزاب الاسلام السياسي في الجولة الاولى التي تحاول ان تستاثر بالاحتجاجات؛ الاولى رفع شعار واضح والعمل على تسليح الاحتجاجات بنفس الشعار اينما كانت وهو الامان-الخدمات-توفير فرصة عمل او ضمان بطالة. ان اية شعارات خارج الشعار المطروح يجب عدم الاخذ بها مثل اسقاط المحافظ واستبدال فاسد بدل اخر ، فهي لعبة من الاعيب التيارات والاحزاب الاسلامية للنيل من بعضها والحصول على مناصب وامتيازات لصالحها. وعلى جميع فعالي الاحتجاجات ان يعوا أنهم غير ملزمين بالمشاركة في اية احتجاجات وتحت افاق القوى الاسلامية الاخرى وان لا يرضخوا الى الضغوطات الاخلاقية. فمهمتنا هو فصل افاق هذه الاحتجاجات عن افاق تلك القوى حتى ولو دعي فضحها وعدم المشاركة بها. وثانيا الدعاية المتواصلة وبشكل دؤوب في صفوف الجماهير عن وضع هذه الاحزاب والقوى الاسلامية وفضح شعاراتهم وتكتيكاتهم ومناوراتهم السياسية، علينا ان لا تنطلي علينا الاعيبهم وندرك بشكل واعي مكانتهم المهزوزة وخاصة في تلاطم الاوضاع السياسية في المنطقة ونقاط ضعفهم، فهم في وضع الدفاع وليس لهم القدرة على الهجوم مثلما كانت مسعورة في بداية غزو واحتلال العراق. اما النقطة الثالثة والمهمة فهي رفع استعداداتنا التنظيمية. فبالتنظيم ووحده التنظيم يمكن رفع الاستعداد الجماهيري. علينا ان لا ننسى ابدا التنظيم في المحلات ومناطق السكن عبر شبكات العاطلين عن العمل والنساء وعمال العقود والاجور. ان هذا العمل ليس له علاقة بوجود الاحتجاجات من عدم وجودها، بل هو عمل روتيني ودائمي يقودنا الى تنظيم اقسام واسعة من الجماهير المحرومة كي نحدث تغييرا جذريا على عالم الفساد والجور والظلم الذي فرضته علينا السياسة الامريكية اولا وبعد ذلك الاحزاب والقوى الاسلامية التي جاءت تحت حرابها الى السلطة.
ان اسقاط عبد المهدي او محافظ البصرة او الناصرية او السماوة واستبداله ليست معركتنا، ولا حربنا، ولا يعنيننا لا من قريب ولا من بعيد. ان تحقيق الشعار المذكور هو الذي يحدد بوصلتنا النضالية.