هل من المفروض ان من ينتقد الدين يكون ضده؟

عماد علي
2019 / 7 / 2

من يكون له المام بسيط بتاريخ الاديان و الاساطير و كيف برزت او انبثقت اي منهم في ارضية ما و الظروف الاجتماعية العامة التي كان فيها و توسع و فرض نفسه و كيف تعامل الوسط بالجديد المحتوي على القديم بلا شك. و المعلوم فانه ليس هناك اسطورة او دين او قصة خيالية او ملحمة و لم تكن لها صلة بتة باخرى سابقة لها او متزامنة معها سواء كانت في محيطها او بعيدة عنها او قريب من مرحلتها زمنيا. ولو دققنا في محتوى اي من القصص و السرد التاريخي نلمس التشابه فيما بين جميعم باختلافات بسيطة وفق المتغيرات. الفرق بين بعض و اخر هو اضفاء القدسية قط و فرض عدم المس به باي شكل كان مع التشدد في الدفاع عنه مع الاهمال التدقيق و منع التعرض للنقد في مقابل الهجوم على البعض الاخر المنافس، نتيجة الصراع و المنافسة و المماحكة و ما تفرضه مصالح من يحمل جوهر الفكر المغاير او ان كان هناك مبادرة طرح الجديد المخالف للاخر او حتى المتماهي معه دون الاعترف بذلك.
من ينتقد نصا ادبيا ليس بشرط ان يرفضه تماما، و كما هو المعلوم فان النقد هو بيان الايجابي و السلبي و الصح و الخطا و الجانب الجيد و السيء لاي نص كان و طرح الافضل او البديل ان تمكن الناقد في ذلك. ان اضفاء القدسية للنصوص وضع حاجبا كبيرا امام المتمعن و المتامل بحيث فرض الشرط الحازم عليه و الحاسم بتفكيره و ما عليه بان يكون من المفروض ان لا يحمل اي شك في تقييمه و كانه يجب ان يتقبل ما يرى دون التفكير العقلاني الذي يمكن ان يبرز لديه في اقل تفكير مجموعة من الاسالة حول المعروض للرؤية و التفحص.
المتغيرات فرضت الكثير من المعقولات امام الناظر و الناقد العقلاني بحيث لا يقدر ان يبقى ساكنا عن ما يتاكد من وجود التناقضات او بالاحرى الخلل في المعروض نتيجة عدم تصحيحه او جاء خطئا من اساه في ظروف فرضت عدم تقييم الموجود منذ قرون بعقلية متفتحة اكثر تطورا من زمن انبثاق المعروض دينا كان ام اسطورة او حتى حديثا او قصة او فكر .
و من هذا المنطلق يجب ان يفكر من يجمل العقلية السلفية بانه يفرض على نفسه ما لا يمكن لاي انسان عصري ان يفرضه على نفسه و يخدع به نفسه ما يحمل من العقلية الحداثوية غير الجامدة ان كان كذلك و هذا ما يدعيه جميعهم كما نرى في عصرنا. و عليه اصبح الدين ايديولوجيا عند من يتمسك المنتمي به دون ان يراه بعين ناقدة او عقلية باحثة في جوهره و تركيبه، و ربما يكون مفروضا عليه هذا نتيجة عوامل خاصة او عامة محيطة به و ما تفرضه عليه مصالحه و خصوصياته، و هذه حال اكثر في وقتنا.
و المغريات امام انفتاح العقل من الوسائل العلمية المتوفرة التي تطرح يوميا امام الجميع للتمعن و و تدفعه بشكل طبيعي الى التدقيق في كل ما مضى او ما سجله التاريخ و ما هو متمسك به من الافكار و النصوص الفكرية و الدينية وفق سمات و ظروف اية مرحلة برزت فيها، فلابد ان يجمع قواه و هو يفكر كابن مرحلته و يرى طريقا مناسبا لعصره، او ينتقل بنفسه لتلك المرحلة التي انبثق به المعروض المعني من التدقيق و التقييم او النقد، و عليه يمكن ان يخرج بنتيجة وهو صحة المقصود و ما يُقيم كما كان في مرحلة ولادته او انبثاقه. و عليه، عندما ينتقد احدنا الدين و اهميته و وجوب بقاءه او محاولة ازالته او تقليل افرازاته السلبية او بيان ما فيه من السلبيات و علاجها و ما ينتج من العوائق امام السير السليم للمعيشة العقلانية، فليس بشرط ان ينعت المهتم بحاقد او عدو للموجود امامه و حتى ان انتهى تاريخ صلاحيته، و كما يفعل العاطفيين من المتمسكين بما هو الخطا نتيجة الحنين للماضي كان او ظروف خاصة شخصية او التزام بالقديم لرفض الجديد و ان كان مشوها او خطا من اساسه و حتى في مرحلته او تحول لديه ما يتمسك به الى مصلحة بذاتها او الى الية او امل لتوفر المصلحة. و عليه يمكن ان نفرق بين الناقد و المنافس او المناقض لاي فكر او نص يريد تقيمه، و الاكثر تشويها لعملية النقد و بيان الفحوى لاي نص او فكر او ايديولوجيا هو فعل المتزمتين الملتزمين بما يؤمنون به او مفروض عليهم و هم عالقون في وحل الظروف الخاصة و الالتصاق بما يوفر المستلزامات الحياتية لهم.
كل فكر ولد في مرحلته و لا يمكن ان يكون صالحا لكل المراحل مهما كان جوهره، و الملاحم و الاساطير التي سجلت قبل الاديان لا يمكن ان ندعي بانها حقيقية او من رحم الحقيقة و الواقع، و هذا ما يُفرض ان يحدث من عملية التقييم الصحيح و يُنتقد و حتى يُرفض بشكل مطلق، و لكن اننا نواجه اليوم بخلو المرحلة من المنتقد المعلن و ليس هناك من يرفض او حتى يعارض على ذلك ان كان عقلانيا، عندما تتبين صحة الانتقادات اليه و بيان سلبياته، ان كان اي نص او رواية طبيعية و هي لم تضف اليه صفة التقديس،سيكون الامر طبيعيا اما الاديان التي اضفيت اليها هذه الصفة التقديسية غيرقابلة للنقد او المس بها نتيجة الخوف عليها او ضعفها او ربطها بالغيب و عدم التاكد من صلاحيتها او مقاومتها امام النقد و التفكير العقلاني، فانها فرضت على الناس باكراه و بقيت على حالها لحد الساعة، الا ان التغييرات الجوهرية في ظروف المعيشة و التقدم العلمي وفرت ساحة واسعة امام التفكير العقلاني المتفتح لاعادة النظر لكل النصوص و المتوارثات تاريخيا نتيجة ما يفرضه ماهو الصحيح فارضا نفسه على الخطأ مهما الصقت للنص او المعروض صفة القداسة و فرضت عدم المساس به او حتى انتقاده علميا حياديا. و هناك فيمكن لاي كان مهما كانت مبادئه ان ينتقد الدين اي كان وفق عقليته و امكانياته دون ان يكون ضد اي دين و حتى ان انتقد ما يتمسك و يؤمن به بذاته، فالنقد يفسح الطريق الصحيح امام الجهود المبذولة لمعرفة الصحيح و الحق، فالمنتقد للدين ليس بشرط ان يكون ضد الدين، اي دين كان، و لا ي فكر او فلسفة يمكن ان يحملها. و الاصح انه من المحتمل ان من ينتقد الدين بشكل عصري صحيح و ان بين صحته و ايجابه فانه يلتزم به اكثر ان راى بنفسه و تاكد من صحته علميا، و يمكن ان يتغير نظرته و يلتزم بالبعض المفيد و ان يرفض ما يضر، و الاهم انه فرض على نفسه ان يدخل في باب النقد بعقليته الحديثة الحالية لاضاءة طريقه كي لا يسير و كانه في القرون الغابرة على طريق حالك الظلام.