نزعة الأنسنة في قصيدة الشاعر شلال عنوز / هذيان عند فم العاصفة

عبد الجبار نوري
2019 / 7 / 2

نزعة الأنسنة في قصيدة الشاعر شلال عنوز ---هذيان عند فم العاصفة
عبدالجبارنوري
مقدمة /أن أنبثاق الفكر الأنسانوي كان تعبيراً عن عهد الأصلاح الديني في عهد النهضة بالتحديد في القرنين الخامس عشر والسادس عشر في الغرب الأوربي بالذات ، فقد أستطاع الأنسان هناك تأويل نصوص الكتاب المقدس من دون العودة إلى تعاليم الكنيسة التي أحتكرت عقائد الأيمان ومناهج التفسير ، من دون الشعور بالخوف بأن السلطات البابوية ستطاردهُ إذا ما خرج عن ثوابتها المبنية على تفسيرها القديم ، وبفعل الأتصال الذي بدأ مع الحروب الصليبية وتدرج مع أهل الأندلس مستمراً حتى اليوم ، توضحت ( الأنسنة ) في الغرب على أساس الأعتراف بأن الأنسان هو مصدر المعرفة ، وحدثت اللاعودة بالقطيعة دراماتيكياً بين الجذور الكهنوتية ومراجع الديانات الأخرى وغيبياتها ، بأن { الأنسنة هي ضرورة الأعتناء بمصير الأنسان } .
النص/يعتبر الشعرأرقى أشكال التعبير اللغوي ، وهو من أوائل الفنون العربية والعالمية الجميلة التي تستجيب لحاجات البشر وطموحاتهِ ، أن شعر الشاعر " شلال عنوز " شعر وجداني يصدر عن أحاسيس الشاعر وأبداعاتهِ الشخصية وتجاربه الذاتية بأعتباره أنساناً حياً واقعياً يعايشُ هموم شعبه وأستلاب وطنهِ ، فهو في دوامة تفكير مستمر يحس ويتخيّلْ لذا تألق في رسم صورة للمجتمع الذي عايشهُ متحسساً همومهُ ومستشعراً حاجاته وطموحاته ، وقد وجدتُ " النزعة الأنسانية " بأرقى صورها متماثلة مع الشعر المهجري أمثال جبران خليل جبران ميخائيل نعيمه أيليا أبو ماضي ، لنا في أستذكار صفحات التأريخ التي تزدحم في ذاكرتهِ الأدبية قامات أدبية وشعرية أمثال الجواهري والبياتي ومظفر النواب والسياب وناظم حكمت ، وشعراء الثورة الفرنسية والثورة البلشفية وثورة العشرين في العراق ومحمود درويش أيقونة المقاومة الفلسطينية .
شاعرنا عاش الغربة ليس بالضرورة في منافي خارج الحدود بل جاء من ( غماس ) أحدى مقاطعات الديوانية إلى حواضر العراق مراكز مدنها ليعايش جميع الأنظمة من الملكية عميلة بريطانيا ولثورة 14 تموز 1958 وأنفتاح أبواب الحرية وأنعتاق الكلمة الحرة مشاركاً مباديء مدرسة الحزب الشيوعي العراقي الثورية ، مسايراً لخطهِ الثوري في تحريك الشارع العراقي مكتوياً بأوجاع أنقلاب شباط الأسود 1963 وأنتكاساته وحروبه العبثية ثمّ القرن ال21 والأحتلال الأمريكي البغيض 2003 ونكوص الوطن بقيادة الدين الراديكالي .
في نص سرديات القصيدة أدخل الشاعر حكاية الترقيم في البناء المعماري لقصيدته " هذيان عند فم العاصفة " من 1—4 في بدأ كفاحه الواحد لكي يعلن أنهُ على السكة الصحيحة في حكاية القدم الأول في طريق الألف ميل والوصول الغرائبي تحت وابلٍ زخات الأوجاع المجلببة بآلام القهر والأستلابات الروحية والجسدية المرعبة ، وهي مولد الأرادة الجماهيرية في طلب التغيير المطلوب ماركسيا في حركة التناقضات الطبقية في حركة التأريخ تلك الأمنية التي يلهث ورائها الشاعر بعناد وأصرار للوصول للتغيير، بأنسياقهِ نحو الواقعية والأنطولوجية الرقمية لهندسة أفكاره الأنسانية ببرمجيات معلوماتية ذات فائدة جمة للجمهور المستلب المكتوي بعذابات الشمولية الساحقة لآدمية الأنسنة .
وللبحث عن التكامل الجمالي في قصيدة "شلال العنوز " لابدّ من البحث عن دلالات مقومات وخصائص القصيدة في أساسيات بنائها المعماري في أيماءات الأستلابات والوعي بالقهر والأرادة في التغيير والألتزام ولابد من معطرات ومطيبات في أشراقة رومانسية للحب مع نفثات تراجيدية موجعة ، وتكون نزعة الأنسنة واضحة في القصيدة لكونها ذات طابع درامي مبنية على العناصر الأساسية في الشعر التراجيدي والتي هي مركزية الأنسان والصرع الطبقي والناقضات المجتمعية ، أن التناصية السردية في أبيات القصيدة تحمل لغة الدراما المكتوية بآلام الأنسان العراقي في وجوده ومصيره خلال سرد مفعم بالموسيقى التصويرية شكلا ومضمونا معبرا عن الواقع المرير، فيستحضرها الشاعر في هذه الأبيات من القصيدة :
كان يؤميء بسبابته المبتورة
نحو فراديس الموت
لكن الريح المجنونة
كانت
تبتلع عاصفة الدُمى
وتشير للمساءات
بالبكاء
وفي الفصل الثاني من القصيدة في ممارسة معاناة مرارة الواقع في لعبة الفناء والرعب يجسدها الشاعر الذي عايش تلك الأوجاع ضمن قدره في ذلك المجتمع الأسيرفي ذاته وصيرورته ، هذيان الشاعر العنوز يتجسّرْ صداه مع الهذيان الأكبروالأعمق لذلك الجمهور من الغافلين والمحرومين والضائعين في متاهات الصراع المجنون ، فهو هذيان عند فم العاصفة ،حين يكون المستلب الضحية في لجة الغرائبية السوداوية عند فجيعة ( المنافي ) لتدق أجراس الخلاص والأنعتاق في شعار تكونوا أم لا تكونوا يقول :
في تفحم حوصلة القهر
يستفيق الرقاد بلا مئذنة
وتلد الأمهات أشباحاً من وجع
حيث تخلو الطرقات
من خطى العابرين
الجُددْ
أن الشاعر لم يتجلبب رداء الواعظ فوق خشبة ( المنبر ) بل هو ذلك الشاعر الثوري الجيفاري المؤمن بالحل الجذري وبائناً للتوفيقية ، يجسّد عذابات وحشية زمكنة المعاناة المرّة في الأغتراب القسري وهو يقول في المقطع الثالث :
وحشية الأمكنة
تأكل صراع الحنين
فتتجندل الأماني مذبوحة
على قارعات النصب
والحاكمون بأسم الله
يجتثون آخر رقصة
وفي الترقيم الرابع للقصيدة وببلاغة نقدية متمكنة من شاعر محترف للحرية تواق لوطنٍ حر وشعب سعيد مقدماً معاناته الشخصية كفرد في هذا المجتمع منتقلاً إلى السوسيولوجية الجمعية وهو في خضم العاصفة الهوجاء المرعبة ، وتألق الشاعر الأنساني شلال في الأشارة إلى الأغتراب الفكري الذي هو أقسى أنواع الأغتراب ، لابدّ من كسر القيود وأنتزاع الحرية ، فهي محاولة جادة في لغة حداثوية في التغيير وكسر القيود بشجاعة أقتحامية نادرة ، كأن القرن العشرين قرن أنعتاق ونزع جلباب الماضي ، يقول :
وحدك ---
تندب الفرج عند بوابات الغوث
أدمنتُ صلاة الغائب
حيث لا غائب يعود!!!----
في تقيّم القصيدة--- أرى :
كأن القرن العشرين قرن أنعتاق نزع جلباب الماضي والأتجاه نحو التجديد مع أبراز نظرية أمتلاك الحقيقة والتركيز على الرفض في متاهات المنافي وغرائبية الذات ، ورأيتُ في القصيدة بلاغة الخطاب ، أبدع الشاعر العنوز في تحليل العقل العراقي من خلال معايشته للعاصفة السياسية ومطباتها المرعبة في تغييب لغة الأنسنة الروحية والظواهرية في أغتيال الكلمة الحرة ، القصيدة ثرية بالثقافة الفكرية للأنسان ، وظهر لي أن الشاعر مثقف مهموم بزمكنة الواقع المرير فهو معلول بالأنسان ، والقصيدة محاولة لتحليل الأنظمة الأستبدادية الشمولية ، أيقونة الوجود الأنساني في القصيدة تعاني الغرائبية وزخات من الأوجاع ، ويسير الشاعر في تصوير غذابات وأستلابات المكان بتصوؤر درامي مشحون بالتأهب والخوف والقلق وهو ما يعرف عندهُ بالهذيان الأقوى والأكبر في أصراره مواجهة جمهوره المحروم وهو مبرر بشكلٍ غير أرادي للوصول إلى ( التغيير ) الجذري نعم التغيير الثوري الذي يأبى التوفيقية والصفقات ، وليسمح لي الشاعر بأستعارة أضواءهِ الكشافة على وضعنا المأساوي اليوم بعد عقدٍ ونيّف من الأحتلال الأمريكي البغيض أن وطننا ييع جملة وتفصيلا في العهد الأمريكي الذي يسير نحو اللاعودة من الصعوبة الحلول التوفيقية والشعبوية بل تغيير جذري بالشكل والمضمون كما يصفه الشاعر المتألق الأنساني شلال عنوز في قصيدته " هذيان عند فم العاصفة .
عبدالجبارنوري
في الثاني من تموز 2019