قانون التداولية والمطلق المحال....

عباس علي العلي
2019 / 7 / 2

من يقرأ سيرورة التاريخ ويتمعن جيدا بدروس الماضي عليه أن يفهم حقيقة واحدة كثيرا ما رددها أباءنا وأجدادنا ببساطة ( لو دامت لغيرك ما وصلت إلك )، فمن ملك هلك ولو بعد حين ومن تغلب اليوم بفعل ما يملك من أسباب سيكون في يوم أخر ضحية أسباب أخرى فيغلب على أمره، ولم يشهد التاريخ بطوله وعرضة ثباتا لحال ولا خلودا لقوة مهما أوتيت من أسباب أو تمتعت بقدر من المقبولية، التاريخ أيضا يحدثنا أن القوة بجوهرها كائن حي مثله مثل بقية الكائنات التي تتطور وترتقي فتبلغ من القدرة التي يمكنها أن تفعل ما تريد بلا منازع عندها تبدأ بالانحدار وصولا للتلاشي والاضمحلال وكأنها لم تك يوما تلك التي بمقدورها أن تغير ما تشاء كيف تشاء.
إذا التداولية الوجودية كقانون حتمي سمة من سمات الكون الوجودي ولا ثبات في الحياة إلا للقيم التي تدفع الوجود للحركة والتجدد فهي وحدها التي توائم وتماهي قانون البقاء للأصلح، فمهما أمتلكت قوى الجمود والدعوة للتحجر من قوة وتظن أنها قادرة على الثبات ومواجهة التطور ومقارعة أسباب التغير الزمني ستجد نفسها في لحظة حرجة تاريخيا أنها أمام أستحقاقات حركة الزمن الحتمية وأقلها التلاشي والاندثار، هنا أنا لا أتشاءم ولا أتفاءل من غير أسباب واقعية سواء من الواقع الحالي أو من التجربة الكونية تأريخيا، بل أدعو الجميع للمسارعة في استقطاب لحظة المكاشفة والمصارحة قبل أن يسرقنا الزمن فنجد أنفسنا في متاهة الضياع والبحث عن مبررات الفشل وهي أمامنا بكل وضوح، وقبل أن نفقد الفرص المتوالية التي توفرها الرؤية المعمقة والأصيلة والواقعية من حولنا وفينا.
قد يكون هذا الكلام جزء من ما كتبه الكثيرون من قبلي ومنهم من أعتمد الدراسة والتحليل العلمي لحركة الوجود ومنهم من قادته دراسة التجارب البشرية من أن وعي الإنسان قيمة الزمن والتدوين ومراقبة فعل الإنسان ككائن معرفي يستخلص من تجربته دروسا وقوانين وأحكام يعتمدها في بناء الحياة ليعيش متماهيا مع واقعه ومع ما يمكن أن يوفر له قوة بقاء تجعله قابل للحركة والاستجابة للتحديات الوجودية، لكن الجديد في الأمر أنني أسوق هذا الكلام في مناسبة يعتقدها البعض أن في وجودنا الذاتي مصادر قوة كامنة ومكنونة يمكننا في أي لحظة أن نستخرجها للتوظيف وبذلك نضمن أن بقاءنا قابل بذاته للبقاء الطويل بأعتبارنا نملك ما لا يملكه غيرنا من وعد فوقي بأننا الأفضل وجودا والأكثر قدرة على التوافق مع جعلية الزمن والوجود فوقيا وغيبيا.
لا أشك لحظة أن هذا الكون المتناهي في دقة ضبطه ومحكوميته الأبدية للقانون الوجودي الأول والشامل والكلي والمطلق لا يتعارض مع فرصة الإنسان أن يكون كائنا أبديا فيه طالما أنه يعي ذلك القانون ويساير ، إنه الآن وبهذا الوصف يقدم على انتحار أكيد، إنتحار بالتصادم مع قوة لا يمكنها أن تحابي وجوده لأنه مؤمن بقيم أو محددات إيمانية فسرها أو سخرها أو ظن أنها ممكنة أن تحمية من قوة الحركة الزمنية الوجودية، حركة الزمن هذه حركية تتقدم للأمام لا يمكنها وبالمحال أن تقف ثابتة للحظة واحدة وإلا تحطم الوجود كليا من خلال اضطراب قوة القانون المسير (مطلقا وكاملا لا يقبل الاستثناء).
هنا من الواجب أن نفكر في حقيقة تكاد تكون هي الثابت الوحيد في عالم متحرك لا مستقر ولا متوقف عن الجريان للأمام، وهذه مفارقة أن يكون هناك ما يمكن وصفه بالثابت ونحن ننفي بذات الوقت قدرة الأشياء على الصمود بمواقعها ثابتة، هذه الحقيقية التي أسميها مطلقة وثابتة هي أن لا وجود لثابت في خط متحرك، بمعنى أن التداولية الوجودية تقول في قانونها العام الكلي ((أنها تنفي حدوث الثابت أو المطلق وجودا لأن في ذات كل شيء حركة وإن كنا لا ندركها ترتبط جدليا بالحركة الوجودية الشمولية الأعم ولأن الداخل الذاتي هو سر وأساس بقاء الوجود خارجا متحركا بدون توقف))، إذن ما نثبته هنا لا ننفيه لأنه يثبت الثابت وينفي قدرتنا على الاستثناء مطلقا وكاملا.
وأيضا يمكننا القول أن التداولية الوجودية تعني أن لكل لحظة تاريخية مقاسة زمكانيا بالوجود حكم خاص لكنه متسق كليا مع قانون كلي وهي من ضمن دائرة المنحى اللا متوقف والذي لا يمكنه أن يصل لنهاية لا أفتراضا ولا حقيقة، فاللحظة الماضية تدوال مكانها اللحظة القادمة حتما وهذه الأخيرة محكومة أيضا أنها ستتخلى بالتأكيد بعد بلوغها الزمكان اللحظة القادمة بعدها، في أفق لا مكان فيه للنهايات لأنه أصلا بدأ من غير نقطة ثابتة يمكن تحديدها لتأشير خط السير، وكل ما ندركه ونعرفه عن البدايات هو مجرد أفتراض قياسي أعتباطي لا حقيقة له حتى نعرف متى بدأ المكان وكيف ولد الزمان وهذه الحالية أشبه بالبحث عن مفهوم عدمي لواقع وجودي محض.
نستخلص من كل ذلك أن القانون المطلق والثابت الذي نؤمن به أن لا مطلق في الوجود، وأن ما يزعم من أنها ثوابت وإن أمتلكت القدرة على تغرير العقل البشري بهذه الثوابت ما هي إلا نسبيات لا يمكن حتى إثباتها بمعزل عن قصور العقل في إدراك هذا المحال المنطقي المطلق، وعليه فما بني على المنطق المطلق يبقى ثابتا كمفهوم متحرك لا كوجود ولا يمكننا لا جدلا ولا فعلا إثبات عكسه أو مخالفته، طالما أن جزء من وجود متحرك ذاتيا داخليا وموضوعيا خارجيا بفعل قانونه الأول الذي بدأت منه الحركة أزليا أبديا على أفتراض أننا نحدد بداية وجودية معقولة كقياس أولي وإن كان ذلك قابلا لإثبات العكس أو إثبات ما غيره.