مناقشة ديوان أرملة أمير في دار الفاروق

رائد الحواري
2019 / 7 / 1

مناقشة ديوان أرملة أمير في دار الفاروق
ضمن الجلسة نصف الشهرية التي تعقدها دار الفاروق تم مناقشة ديوان "أرملة أمير" للشاعرة الفلسطينية نجاة الفارس، بحضور الشاعرة، وقد افتتح الجلسة الروائي محمد عبد الله البيتاوي قائلاً: المقصود بعنوان الديوان هي الشاعرة نفسها وزوجها الراحل، وهو يضم مجموعة من القصائد النثرية، وأعتقد أن الشاعرة استطاعت أن توصل مشاعرها وفكرتها للقارئ بطريقة سلسة وإن خلت قصائدها من الصور الشعرية تقريبًا.
ثم فتح باب النقاش فتحدث الشاعر جميل دويكات قائلاً: الديوان نثر، وللنثر جماليته الخاصة، والجمع بين النثر والشعر شيء جميل، هناك بعض الشعراء يستطيعون إيصال ما يشعرون به للمتلقي من خلال القصيدة العمودية، أو التفعيلة أو النثر، وجمالية الشعر لا تخضع للشكل بقدر قدرتها على إقناع المتلقي بالمادة المقدمة له، فإمتاع القارئ بما يقرأه من أدب هو المعيار الذي نحتكم إليه، وأعتقد أن هذا الديوان فيه من المتعة ومن السلاسة ما يفي بجعله ديوان يستحق القراءة.
ثم تحدث الشاعر عمار خليل فقال: قلت مسبقًا أن الشعر لا يكون شعرًا إلا إذا خضع لقاعدةٍ أساسية وهي (العروض)، حينها يُطلق على النص أنه شعرًا، بغض النظر عن جودته وفنيّاته. في هذا الكتاب "أرملة أمير" وعلى غلافه الخارجي كُتب "شعر" وهذا تجاوز صارخ لثوابت الشعر العربي الكبير، فما ضرَّ الكاتبة لو كتب عليه "نثرًا!!" السِّمةُ العامةُ للنّصوص هي البساطة، مع قوة الكلمة أحيانًا، بمعنى آخر أن الكاتبة تمتلك مخزونًا وخميرةً لغوية وإن كانت قليلة، ولكن عندما تُوضع هذه الكلمة في الجُمل تكون بسيطة وأحيانًا تصل إلى درجة الركاكة. إن كتابةَ النصوصِ النثريةِ ليست بالهينة والبسيطة، فهي تحتاج إلى تكثيف في الصور الفنية، وإلى انتقاء الكلمات المنسابة والغير متوقعة للقارئ، وذلك لتعويض الموسيقى الداخلية والعروض كما في الشعر العمودي وشعر التفعيلة، وهنا ليس بالضرورة الولوج إلى الرمزية والألغاز النصية، أكثر ما نحن بحاجة إلى التبسيط الـمُمتع وإلى الخيال الماتع وإلى الكلمات المتينة وإلى الوصول لحالة الدهشة والانبهار. الانفعاليةُ في معظم النّصوص موجودةً وحاضرةً بقوة، وذلك يرجعُ إلى التزام الكاتبةِ بالمناسبات والشخوص المحيطة. وإنَّ النقد الحقيقي هو الذي يدفع صاحب الكلمة إلى تطوير ذاته، وإلى المسير قُدمًا نحو تقديم الأفضل دائمًا.. وهذا ما أتمناه للكاتبة.
ثم تحدث رائد الحواري منوهًا إلى أن البساطة وسهولة تناول الديوان كافية لجعله عملاً أدبيًا يستمتع به، فالمشاعر الصادقة واللغة البسيطة مهّدت للفكرة الإنسانية التي يحملها الديوان.
وتحدث الأستاذ سامي مروح قائلاً: البساطة اللغة، والمشاعر الإنسانية، الترابط الأسري، والالتزام تجاه العائلة والوطن، كلها تجعل الديوان يحمل أفكارًا إيجابية، وقد خدمت اللغة البسيطة هذه الفكرة، وبخصوص نوع قصائد الديوان فأنا يهمني تحقيق المتعة ووجود الفكرة وطريقة تقديمها أكثر من شكل القصيدة، لكن لي ملاحظة على الديوان وهي افتقاده للصور الشعرية التي تجمل الديوان وتجعل القارئ يهيم بها.
وتحدث الشاعر مهند ضميدي فقال: حقيقةً في البداية عندما قرأت مكتوبًا على الغلاف شعر نجاة الفارس ظننت أن بين يدي ديوان شعر حقيقي، وقد تصفحت سريعًا الكتاب قبل أن أبدأ بقراءته من البداية فلم أجد شعرًا إنما كتابة نثرية أو ما يسمى قصدية نثر، وبعدما وجدت وقتًا وخلوة شرعت في القراءة ووجدت في المقدمة أنه قد تم التعريف بأن هذا ديوان قصيدة نثر وليس شعر، فسررت بهذا الاعتراف لأننا كثيرًا ما نجد رواد كتابة الكلام المنثور يسمونه شعرًا وأنفسهم شعراء، ومن هنا فإننا نرجع بالذاكرة إلى الشعر الكلاسيكي أي الشعر العمودي الموزون فنجد أنه الأساس وأن كلمة شعر تطلق على ما فيه وزن وقافية وضوابط أخرى مهمة؛ فهذه الكلمة ثقيلة ومسؤوليتها كبيرة جدًا .
هذه وجهة النظر الأولى حتى نكون قد دخلنا في فلسفة هذا الكتاب وأساسه في المجال الأدبي.
أما الثانية.. فإني سأتكلم عن مستوى ما قرأت في الديوان من وجهة نظر الشعر العمودي، حقيقة وجدت بعض قصائد النثر فيها جماليات ووجدانيات عميقة وقد وفقت الكاتبة فيها وأخرى لم تكن كذلك، فقصيدة النثر يجب أن يكون فيها عبقرية شاعر كلاسيكي وفلسفة ناقد لسان والإحساس، وجدت الإحساس والحزن والمشاعر الصادقة ووجدت بعضًا مما سبق ذكره في قصائد معينة فقط .
في هذا العصر وفي ظل البعد عن الثقافة والأدب أنا أحترم هذا التوجه رغم اختلافي مع كثير من الأدباء فيما يكتبونه وخصوصًا عندما يؤثر هذا على مركز الشعر العمودي الكلاسيكي فأنا أخشى أن يأتي يوم تندثر فيه القصيدة العمودية، وأنا لست ضد التجديد ولكن يجب أن يكون التجديد له أساس كلاسيكي الذي يعتبر العمود الفقري لكلمة شعر .
ومن هذا المنبر أدعُ كل رواد قصيدة النثر أن يستمروا في المجال الأدبي ولكن بشرط التطور دائمًا صعودًا إلى الشعر العمودي وإتقان الوزن والقافية، والأهم من ذلك المحسنات البديعية والأسس والمقومات الأخرى كالنحو وعلوم اللسان الأخرى الضرورية، ربما نحن قريبون جدًا من صحوة ثقافية سوف تأتي في الأجيال القادمة سببها رواد الأدب اليوم فهذا رجوع للمجال الأدبي أحترمه وأسعد به وأتمنى لأصحابه التوفيق للأفضل وأدعوهم للحذر من التسبب بالضرر للشعر العمودي لأنه الأساس ولا نريد محوه من الذاكرة لمجرد عدم القدرة على إتقانه .
سعدت بالتعرف على الكاتبة الصابرة والرائعة وأنا أشعر معها وأعرف جيدًا ما يفعله فقد الأحبة بالروح الإنسانية، فنحن نمر ومررنا بمثل هذه المواقف وهنا أتذكر أبيات رثائية للشاعر الجواهري قالها في رثاء زوجه.. فقال
في ذمة الله ما ألقى وما أجد * أهذه صخرة أم هذه كبد
قد يقتل الحزن من أحبابه بعدوا * عنه فكيف بمن أحبابه فقدوا
أتناول في الختام مقطع صغير وأعلق عليه ..
في قصيدة "مهلاً حبيبي" وجدت المشاعر الصادقة والجارحة والحزينة جميعها، وأردد مع الكاتبة ما قالته "دعني أتعبد في محراب عينيك أقفرت الدروب ولا ملجأ لي سواك؛ غادر النوم جفني والوحدة تقتات أعصابي... حياتي فارغة دونك "
فعلا عيون الحبيب محاريب عبادة؛ والمحب لا يعرف نومًا ويضيع بضياع حبيبه وقد ذكرني هذا المقطع بثلاثة أبيات كتبتها وذكرت فيها نفس المعاناة فقلت
أغدو لمحرابٍ ألفتُ جوارَهُ
ولقد رجوتُ أيا إلهُ رضاكا

في خلوَتي أبكي عليكِ وإنه
ما نال مني يا هوى إلّاكا

لو جئتِ محرابَ الغرامِ عَشيّةً
لَوَجدتِ دمعي يا نقاءُ هناكا
وهنا أشد على يديّ الكاتبة وأقول صبرًا على الدنيا وأسهمها، ورحم الله أمير وما الحياة إلا ومضة في عمر الكون سرنا فيها ما أحببناه وضرنا ما كرهناه ، وسينتهي دورنا وستبدأ أدوار أخرى وهذه هي قواعد اللعبة التي وجدنا فيها فجأة .
وتحدثت القاصة فاطمة عبد الله: فقالت: أقف أولاً لأقتبس نصًا من رواية (حليب أسود) للكاتبة أليف شافاك حيث تقول: (يعيش الرجال دون الشعور بالحاجة إلى تغيير ألقابهم، يعطى لهم في لحظة الولادة ما يعرفون به إلى الأبد، لقب ثابت ومراكز. إنهم يرثون ألقابهم من آبائهم الذي ورثوها من أجدادهم، ثم يمررونها بدورهم إلى أبنائهم وأحفادهم بالنسبة للنساء سواء أدركن الأمر أم غاب عنهن فإنهن رحالات بين الألقاب، يجدن ألقابهن اليوم هنا ثم يرقبنها ترحل غدًا.) وهذا حال المرأة وتعريفها في مجتمعاتنا العربية، فهي ابنة فلان، ثم زوجة فلان، ثم أم فلان، ثم أرملة فلان. وهكذا حتى إن تلاقت باسمها من فم أحدهم يوما تكاد لا تعرفه. يجد القارئ للشاعرة (نجاة الفارس) نفسه بحيرة صغيرة مستديرة لا مخرج منها ولا مدخل لها، سطحها هادئ مترقرق، يعكس نور الشمس، وضوء القمر، آمنة العمق، ترسو في أغوارها جواهر الشوق، والحنين، تحيا حبًا، وترفض الموت مللاً، فتجمع في قلبها الدافئ كل من تحب، ترسم صورهم وملامحهم، تذكر سماتهم وفضلهم، فلأمها القصيدة الافتتاحية (عيونك فجر أيامي) ص11، ولكل البنات والأبنة آيات قصيدة (من تكون) ص14، وللعم المناضل (غابت كل الأقمار) ص16، وللجدة رثاء (جدتي) ص18، أتنسم عطرك يزورني طيفك أقول انتظرني لأسرح حرير شعرك لأقبل نور جبينها أهذي والحروف لا تسعفني ارتبط دور الجدة عبر التاريخ بالطبيعة والزهد والالتفات إلى الأحفاد، فهي مصدر الحنان، وملجأ الأبناء، ودفء العائلة فالمجد ما نال مجده لولاك كم سهرت تكفكفين الدموع! يا دواء الجراح للمعلمة التي تركت أثرًا في الشاعرة (سيدة الانشراح) ص21، وللصديقة تفرد قصيدة ص25 (سبحان من سماها(. هي حورية بحر هي أيقونة عطر هي أسطورة فجر هي ملاك يحيا بيننا سبحان من سماها آمال هي للغائبة المفردة، بها تعظم وتفخم الشاعرة مكانة الصديقة، وتكرارها يؤكد على هذا التفخيم، ويشيع، الموسيقى في هذه الأبيات. قصيدة (لعيون محمد وبسمة مروة)ص28، تكرار جملة العنوان في متن القصيدة، تأكيدا لهذا الحب، .فعل القصيدة المضارع يدل على استمرارية هذا الحب ونموه نحو المستقبل. يتسع القلب بحب الوطن ومكان الإقامة (أبو ظبي) والشعراء والأسرى والشهيد. تنوعت مجموعتها بين رسائل الحب تلك وبين هموم حاضر شغل بالها (عالم قوّاد) ص78 آه أمي لو تدرين كيف تضيع البلاد كيف تنتهك حرماتها تكابلوا عليها باعوها في سوق النخاسة غريبة وحيدة مكبلة أدمتها سياط الجلاد قصيدتها (إبحار) ص 80، دعوة للمثابرة والمضي في الحياة قدما نحو الأفضل. عنوان القصيدة هو أول درجات القارئ، التي من خلالها يرتقي درجات النص، عناوين هذه المجموع الشعرية دالة، فهي من نثار القصيدة، فمنها ما ورد في ثناياها، ومنها ما تردد في مقاطعها (لعيون سامي ورؤى) ص30،و(لعيون محمد وبسمة مروة) ص28، وورد العنوان في آخر بعض القصائد (أسألك الرحيل)ص50،و(لحظة ميلاد)ص48، و(عالم قوّاد)ص79، عناوين صريحة تعلن عن النص، ولا تحتمل التأويل لدى المتلقي ولا تثير ذهنه، فسرعان ما يقبض على العنوان دون مراوغة بعد دخوله النص، وهنا يتعادل النص والعنوان فلا يكون العنوان مغري ولا يكون النص أقل إثارة. الرجل في قصيدة الشاعرة (نجاة الفارس) هو الأخ والصديق والابن والصهر، والحبيب الزوج، حيث تشيع عاطفة الحب وحلاوتها، تنشرها، فنلمس عاطفة صادقة، تصدق مقولة نزار: الحب في الأرض بعض ما تخيلنا لو لم نجده عليها لاخترعناه فزوجها هو مادة الروح المنسكبة في روحها، إليه تكتب سطورها، وبعده تعيش على الذكرى ومرارة الفقد (هيام) ص62، و(مهلا حبيبي) ص64، (فراق) ص66، و(بوح) ص82 جفت ينابيع البساتين ذبلت زهور البراري غاب عبيرها وعصافير الروح تنوح على جرحها مذ خلت الديار من خلها ولا زالت الشاعرة تحدث زوجها بأخبارها وتصور له عيشها من بعده، قصيدة (أقدار) ص89 قريبا سنسكن بيتا آخر ليتك تراه وقريبا ستصدر مجموعتي الشعرية صورتنا معا على الغلاف أنت بقمة أناقتك وأنا بقمة أحزاني هي أقدار اللغة الشعرية مألوفة، بسيطة و سهلة، قليلة الرمز، والانزياحات الشعرية تكاد تكون غير موجودة، الصور الشعرية ظاهرة دون إيحاءات لا تستفز ذهن المتلقي وتثيره، والشعر من النوع الملتزم، صادق بعاطفة الحب الظاهر البريء
أما الروائية خلود نزال فقالت، ديوان سهل الهضم، سهل وبسيط، ويمكن تناوله في وجبة واحدة وفي وقت قصير، فالديوان ممتع وملتزم اجتماعيًا وأخلاقيًا، ورغم المشاعر الجياشة التي جاءت في القصائد إلا أنها لم تنزلق إلى ما خدش الحياة وبقيت محافظة، ويمكن القول أنه ديوان الأسرة، والعائلة، والمجتمع معًا، لكنه متواضع في استخدام الصور الشعرية، التي تعد البديل الطبيعي في قصيدة النثر.
وفي نهاية اللقاء تحدثت الشاعر "نجاة الفارس" وأبدت سعادتها بهذا النقاش، وقالت وبهذا النقد البناء، الذي امتاز بالحيادية وعدم المجاملة، يستطيع الشاعر أن يقول أنه استفاد من الملاحظات التي سمعها، ورغم اختلاف وجهات النظر أحيانًا، إلا أنها تعتمد على شواهد من الديوان وهذا ما يجعلها موضوعية، وألقت قصيدة "سبحان من سماها" من الديوان.
وفي نهاية اللقاء تم تحديد الجلسة القادمة يوم السبت الموافق 13/7/2019 لمناقشة ديوان سرايا للشاعر الفلسطيني خليل عناني.