الرعامسة الثلاثة الأوائل سامي سعيد الاحمد

رائد الحواري
2019 / 7 / 1

التاريخ القديم فيه الكثير من التشابه مع واقعنا اليوم، فالسياسة تبقى سياسة، وطريقة الوصول إلى الحكم والحفاظ عليه ما زالت متشابهة، حتى تناول الحروب والمغلاة في وصف الانتصارات كان مستخدما في العالم القديم كما هو الحال في أيامنا هذه، لكن العجيب في الأمر، أن دولنا القديمة كانت تتقبل الآخر، فالتعدد والتنوع كان يعد إثراء وميزة للدولة، على النقيض من دولنا التي ما زالت تفكر وتعمل بعقلية القبيلة/الطائفةـ، سنحاول اضاءة شيء مما جاء في الكتاب لتبيان صورة مختصرة عن دولنا القديمة.
الإله والدين والحكم
استخدام الرب/الإله من قبل الحاكم لتثبيت حكمه واعطاء صورة للعامة بأنه مؤمن ومخلص للرب، ومن ثم لا يجوز الخروج عليه أو انتقاده، حالة تلازم انظمة الحكم على مر العصور، عندما تم محاصرة رعمسيس الثاني من قبل الحثيين في بلاد الشام، يستعين بالإله "آمون" ليخصه من مأزق الحصار: "...وقام جلالته مثل مونتو واندفع في وسط العدو.. الحثيين الأدنياء، وكان وحيدا لم يكن معه أحد، والتفت خلفه ..وجد حوله 2500 عجلة وككل جيوش الحثيين الادناء بكل حلفائهم، ولم يبقى معي أحد من قوادي وكانت عجلاتي تفر امامهم ولم يبقى واحدة إلى جانبي، فسألت آمون أينكر الأب ابنه؟ انسيتني؟ أنا لم اخرق قوانينك، مذ ترى في هؤلاء الاسيويين، ألم أقدم لك التماثيل الكبيرة ومعبدا لملاين السنين والتقدمات والاضاحي؟ اتسمح بعد ذلك للشر أن ينالني؟ لقد قمت به لأنني احبك فانت ابي آمون.. أنا في وسط شعوب لا أعرفها وكل الأرض ضدي .. أنا حارس نفسي وليس معي أحد... انادي عرباتي ورجالي فلا يرد أحد.. وأتاني آمون لأني لجأت إليه ومد يده وأسبل علي حمايته وقال: أنا خير لك من مئات والوف متحدين معا" ص45، إذا ما توقفنا عند هذا المقطع يتبين لنا أن رعمسيس الثاني يركز على وحدته عندما تعرض للخطر، وكأنه يريد أن لا يكذبه أحدا، فهو كان وحيدا في مواجهة جيش الحثيين، حتى قواد جيشه انهزموا ولم يعد أحد معه أو عنده، هذا من جانب، ومن جانب آخر يريد أن يقول أن "آمون" هو الذي انقذه، بمعنى أن الرب الإله هو من أوجده ليكون ملكا وتم اختياره من بين كل الجيش المصري ليخصه بهذه المحبة، ونجد التقوى والورع والالتزام بتعاليم بالإله "آمون" كامله، بهذا الصورة كان يتم (اخضاع/السيطرة/أفننت) الشعب وهذا هو الحال اليوم من خادم الحرمين إلى رئيس لجنة القدس، إلى رعاية المقدسات، إلى الرئيس المؤمن.
المعارك والحرب
النظام الرسمي العربي منذ (الاستقلال) وحتى اليوم خاضع العديد من المعارك والحروب، ولكنه بنهايتها كان هو الخاسر، حتى لو كسب معرك هنا أو هناك، إلا إنه في النهاية خسر الحرب، هذا حالنا اليوم، ولكن النظام لا يترك أي مسألة دون أن يستفيد منها مجملا صورته أمام الشعب، من هنا يتم ذكر وتعظيم تلك الانتصارات المؤقتة وكأنها الفتح المبين، يحدثنا رعمسيس الثاني عن احد المعرك التي خاضها: "..سيد الآلهة كان مستعد لاصطيادهم كالطيور .. لقد دعمت حدودي عند زاهي وجهزت أمامهم الأمراء المحيطين قواد الحاميات والماريانو، وأمرت بأن تعد فوهات النهر كحائط قوي بالسفن الحربية والمراكب والغلايين والقوارب.. وجهزتها جميعا وزودتها، من قبل ومن بعد، بشجعان المحاربين الذين يحملون اسلحتهم وبالمشاة من خيرة رجال مصر حتى أصبحوا كالأسود التي تزأر فوق الجبال، وجهزت العبرات بالمحاربين الاطفاء وكل الضباط الممتازين وكانت خيولها تنبض كل اعضائها معدة لسحق البلاد الاجنبية تحت حوافرها" ص152، بهذا الشكل كان يتم وصف استعداد الجيش للحرب، فنجده جيش مستعد ومعد لخوض الحرب.
وهناك تقليل وتقزيم مكانة العدو وكأنه لا شيء أمام قوة الملك: "أنظروا: أنني قضيت عليهم وذبحتهم بضربة واحدة، أذللت المشواش والليبو والأسبات والكايكاش والشايتب والهاسا والبقان ومرغتهم في دمائهم وجعلتهم أكواما، ودتهم عن معاودة وطء حدود مصر، وأخذت ممن لم يقتلهم سيفي أسرى كثيرين مكتوفي الايدي كالطيور أمام خيلي" ص157، عدد العدو كبير جدا، فهناك سبع فرق/شعوب من العدو تم ابادتهم وسحقهم، فحتى لو كان هذا الخبر صحيح فلا يعقل أن يكونوا قد تحالفوا في جيش واحد، وخاضوا مجتمعين المعركة ضد رعمسيس الثان، لكن يبدو أنه ذكر كل من حاول الاعتداء على مصر ـ في فترات مختلفة ـ وجمعهم بهذا الشكل ليؤكد سطوته وقوته على الأعداء، وهذا ما يمارسه اليوم النظام الرسمي العربي، الذي يحاول من خلال حديثه عن الحروب أنه يقول: أنه القوة الوحيدة على الأرض التي تفتك بالأعداء.
وقد اشار الباحث "سامي سعيد الأحمد" إلى هذا الأمر عندما حلل ما جاءت به بردة رعمسيس الثالث بقوله: "هناك شك في صحة هذه الحملة لأن القسم التاريخي من بردية هاريس لا يذكر حربا في سوريةـ فضلا عن أن رعمسيس الثالث قد ذكر في قوائمه الخاصة بهذه الحرب اقواما قد اختفت منذ زمن بعيد مما يضعف الثقة بصحة هذه الحملة ولكن ربما تكون المعلومات قد استنسخت عن قوائم قديمة" ص159، الجميل في هذه الاشارة انها لا تعتبر النص مقدس والمدون منذ اكثر من ثلاثة ألاف سنة، بل قابل للنقاش والتحليل، فما بالنا، بما يقدم لنا اليوم من مدونات ومعلومات!!.
التعدد والتنوع
الديانة المصرية تتباين مع الديانة السورية/الكنعانية، ومع هذا نجد الملوك المصريين قاموا ببناء معابد كنعانية لعشتار ولبعل، وهذا يشير إلى انفتاح الدول على الديانات الأخرى، هناك أكثر من المخطوطة تذكر الديانة والآلهة السورية/الكنعانية، منها: "لقد شيد الكثير من المعابد لبعل في مصر نفسها واطلق على كبرى بناته (التي تزوجها فيما بعد) اسم بنت اناث والأخيرة هي الربة السورية المعروفة، كما دخلت إلى مصر عبادة الإله رشف رب الحرب الكنعاني والربة اشيرا التي صوروها ممتطية جوادها وتحمل في يدها حربة وعلى رأسها قبعة ويحميها درع... وشيد معبدا في الحي الجزري (السامي) للربة عشتارية بعاصمته الجديدة بررعمسيس." ص110، الانفتاح الديني يشير إلى الانفتاح الثقافي وعلى حرية المعتقد، فلم يكن في الزمن القديم مطاردة لأصحاب الديانات والعقائد الأخرى، على النقيض مما نعيشه اليوم في ظل الحاكمين بأمر الله.
الجغرافيا
التاريخ القديم ذكر مجموعة من البلدان مؤكدا على أنها كانت حاضرة وفاعلة في التاريخ القديم، منها فلسطين:
" لقد شاد جلالته لنفسه قلعة
عظيم النصر كان اسمها
أنها تقع بين فلسطين ومصر
وهي مملوءة بالزاد والقوات"صض84،
وهناك ذكر لمدن في سوريا:" دعني اخبرك عن مدينة غريبة اخرى اسمها جبيل، ماذا تشبه؟ وآلهتها؟ وهي الأخرى لم تطأها، صل، اخبرني عن بيروت، حول صيدا حول سربتا، أين يقع الليطاني؟ ماذا تشبه أورو، يقولون أن هناك مدينة أخرى في البحر تسمى صور الميناء، يؤخذ لها الماء بالقوارب وانها ثرية بالسمك مثل الرمل" ص212، هذا الذكر يؤكد على حيوية تلك المدن والبلدان، وهو رد حاسم على من يدعي أنه كان له وجود فيها. فلم يكن هناك لا عبرانيين ولا اسرائيليين ولا يهود، بل كنعانيين بنوا وشيدوا وعمروا المدن وأقاموا حضارة وثقافة ما زالت فاعلة حتى هذه الساعة.
الكتاب من منشورات دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، العراق، الطبعة الأولى 1988.