حفر دافئة للروائي التونسي الحبيب السالمي رواية التفاصيل المرهقة

نائلة الشقراوي
2019 / 6 / 30


عن دار الجنوب للنشر وفي اطار سلسلة عيون المعاصرة التي حرص توفيق بكار على إثرائها بأشهر واكبر المؤلفات ،صدرت رواية حفر دافئة للحبيب السالمي وهو أستاذ آداب ولغة عربية درس ويقيم بفرنسا .وقد اتخذ المؤلف دور الراوي السارد لكل الأحداث دون أن يكون شريكا فعليا فيها رغم انه شخصية واقعية بالرواية وعلاقته وطيدة بالأمكنة الذي تدور فيها الأحداث وشخوصها ،هو المرآة العاكسة لتفاصيل كثيرة حوله وما اكثر تلك التفاصيل التي حرص المؤلف على الدخول فيها والحديث عنها بما يجعلنا نقول ان الرواية هي مشروع جاهز لعمل سينيمائي كامل ومستوفي الشروط المخرج فيها هو نفسه الكاتب ،فحضور الصورة بزواياها الفنية والتصويرية طاغ ومقصود لأن الحديث عن دواخل الشخصيات لا بد من ان يمر عبر تفاصيل كثيرة متصلة بالمكان والزمان وحركة الأبطال .
الأبطال هم الفصول الثلاثة للرواية تبدو العلاقة منفصلة ما بين عادل الطالب الفقير الذي هاجر لدراسة الطب حتى يخرج من حالة الفقر المورث،وبين حمودة وحضرية الذان تركا قرية الهوارب للاستفادة مما يمكن ان يقدمه التطور العلمي بفرنسا بعد أن عجزا عن الانجاب ،ثم سعاد المرأة الشابة التي هربت من واقع المرأة الجميلة بالأرياف التونسية و لم تتسع قرية مجاز الباب لجمالها ولا لأحلامها وتطلعاتها التي خنقتها النظرات الذكورية المتحرشة وبين تلك الشخصيات الرئيسية شخصيات ثانوية أخرى تؤثث لمسرح الاحداث وقد ترتبط بعلاقات مؤثرة وعابرة بمجراها ،لكن الرابط القوي بين كل هؤلاء هو المكان ،فرنسا ليست هي دائما مدينة النور ولا الرفاهية ولا الجمال والتطور إذ لم نرَ منها في الرواية غير الجانب المظلم القذر وغير الحفر العميقة التي يهوي إليها الأبطال شيئا فشيئا ويزداد إختناقهم بمرور الوقت الذي يقضونه هناك لننتهي بنتيجة حتمية وهي الفشل والموت ،والموت هنا هو المرحلة التي تعقب تشتت ارواح الأبطال وانتقال الجذور من تربتها الاصلية الى تربة أخرى غريبة عن جوهرها تزيد غربتها من الشروخات النفسية والحيرة الوجودية ."خواء هذا اللحم. خواء كله اذا كانت الروح منهكة ممزقة مثل مرمى رصاص".
وبعد ان كان السفر والهجرة املا بالخلاص والحياة انتهى الى اخفاق و موت.وهذه الفكرة متكررة في الأدب المغاربي خاصة و وردت في مؤلفات الطاهر بن جلون (رواية ان نرحل) اذا ان الهجرة الغير ممنهجة كثيرا ما تنتهي بصاحبها الى تلك الحفر والحفر ليست الا قبورا للروح كما الجسد ،واذا كان السفر بحثا عن التغيير دون أن تراعى احكام التغيير نفسه فإنه ينتهي دائما بغربة أكبر واذا كان البحث عن الحلول غايته فالحلول المنطقية لا تأتي من الخارج وانما من الداخل من ذات الفرد ومن المكان الأقرب الى طبيعته والمتماهي مع تاريخه ،كما قالت سعاد التواقة الى الحرية والعدالة "الم يبتدأ تاريخنا المجيد بفتح مبين "فلماذا بعد أن ناضلنا من اجل الاستقلال والانعتاق من التبعية للغرب نعود إليهم باحثين عن الحلول أو نقف موقف الضعيف الساكن بين القذارات والحفر طلبا للنجاح،النجاح والخلاص يكون من داخلك ،من المكان الذي وطأته اقدام الغزاة وحرره الأجداد لذلك عاد البطل الثاني في الرواية عادل في شبه مصالحة مع النفس الى الموطن الأول له ،عاد الى الجريد وليس الى الملاسين(المكان الذي نزح إليه هو وعائلته في الصغر ) ليبدأ قصة نجاحه من هناك .
تنتهي الرواية كما بدأت بأجراس الكنيسة ،اجراس دقت في بداية الأحداث كما تدق طبول الخطر أو موسيقى بداية الفصل في المسرحيات التراجيدية تتالى بعدها الأحداث المصورة لحالة السفر المرهق للروح كما للجسد وبعد كل ذاك الرهق تدق اجراس أخرى معلنة انتهاء الفصول أو الرحلة بما لا يتوقعه القارئ من انفراج للأحداث وانما على تساؤلات أخرى متعددة ،عن جدوى السفر ؟عن معنى البحث عن الجمال ،عن المكان وعلاقته بطموحات الفرد وامكانية التغيير عبره ،عن الغربة النفسية للفرد في الداخل والخارج وأخيرا عن امكانيات الخلاص وجدواها عامة ،اسئلة يجيب عنها كل قارئ حسب رؤاه ومرجعيته النفسية والثقافية وتترك الأفق المغلق امام الأبطال مفتوحا امام قارئ الرواية ليعي ماضيه ،حاضره ومستقبله من خلال تجارب الاخرين قبل ان يبدأ تجربته أو سفره الخاص .