مرجعية مفهوم السلب الوجودي لصفقة القرن

حاتم الجوهرى
2019 / 6 / 29

في دراساتي العلمية لجذور الصهيونية التاريخية في الحاضنة الأوربية كشفت عن وجود تيارين رئيسيين أغفلتهما الدراسات العربية عدا بعض الشذرات المتناثرة، وهما تيار: "الصهيونية الماركسية" الذي قام على أكتاف اليسار اليهودي الروسي ودوره الأساسي في بناء الصهيونية وتنظيم أحزابها وجماهيرها وهياكلها السياسية على أرض فلسطين المحتلة، وكذلك تيار: "الصهيونية الوجودية" الذي دشن له الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر وأسس من خلاله للربط بين مقاومة الصهيونية ورفضها وبين معاداة السامية، معتبرا أن الصهيونية هى أعلى مراحل الوعي الوجودي الجماعي بالذات عند يهود أوربا والعالم..
كشفت دراستي للتيارين عن وجود مجموعة من المفاهيم النظرية المؤسسة لهما في العقلية الأوربية، والتي لن ينجح الخطاب العربي في مواجهة هذه العقلية ما لم يدرك هذه المفاهيم ويفككها بخطاب علمي موضوعي ورصين، ومن هذه المفاهيم الأساسية التي ترتبط بالظرفية التاريخية التي نمر بها الآن (مشروع صفقة القرن)؛ مفهوم "السلب الوجودي" ومفهوم "الهيمنة الوجودية"، اللذان أسس لهما سارتر في مقاربته للمسألة اليهودية/ الصهيونية.
في واقع الأمر كثيرا ما نحرث نحن العرب الماء ونقدم خطابا عاطفيا يصلح للاستهلاك المحلي، لا يقف على المحكات الأساسية التي تنطلق منها العقلية الغربية في دعمها لمشروع توطين يهود أوربا والعالم على حساب عرب فلسطين، من هنا يكون جهدنا العلمي/ الإعلامي/ السياسي بلا مكتسبات جادة في المعركة يمكن المراكمة عليها، ترتكز العقلية الغربية في دعم الصهيونية على مستوى النخب الرسمية والثقافية والسياسية ليس على الخطاب الديني التقليدي لليهودية، بل حقيقة الدعم الغربي للصهيونية يرجع لتناقضات وأزمة التجربة الأوربية في عصري الحداثة وما بعد الحداثة، وهذا هو المسكوت عنه في وعينا بالأزمة وجذورها، وسبب هزيمتنا أمام الخطاب الأوربي الذي لم نضعه أمام مسئوليته التاريخية بعد.
تناقضات الحداثة في القرن التاسع عشر والصراع بين القوميات وبين الفكر العمالي غير العرقي في روسيا، أدى لظهور تيار "الصهيونية الماركسية" وخرافته عن مشروع صهيوني لـ "الاحتلال التقدمي" لأرض فلسطين تنظمه الطليعة اليهودية الماركسية في روسيا، وتناقضات ما بعد الحداثة والصراع بين فكرة الجنس الأعلى عند هتلر وعدائه للأجناس الأخرى/ الأدني أدت في القرن العشرين لظهور تيار "الصهيونية الوجودية" في فرنسا، وخرافة تأسيس " الهيمنة الوجودية" واستعادة الوجود الجماعي ليهود أوربا على حساب العرب والفلسطينيين وسلب حقهم الوجودي.
قد يتساءل الكثيرون من العرب: كيف تملك أمريكا والغرب الجرأة لطرح أفكار صفقة القرن التي تتجور على معظم الحقوق والمطالب الفلسطينية الطبيعية، وكيف يمر ذلك الخطاب على الشعوب والنخب هناك؟ والإجابة بكل بساطة أن تلك هى عقيدتهم السياسية والفكرية المستقرة في التاريخ الحديث للإنسان الغربي وتناقضاته.. وطالما لم نواجه نحن موطن المرض ونقدم خطابا علميا موضوعيا ينقد تلك العقلية وجذورها ويفككها، فسنظل ندور وراء أعراض المرض وتمثلاته التي تخرج علينا كل فترة، وكأننا خلقنا لنكون رد فعل في حرب حضارية وثقافية ينتصر فيها صاحب المبادرة والطريق الواضح المحدد الذي لا يحيد عنه.
في هذا السياق يأتي ذلك المفهوم السارتري (نسبة إلى سارتر) عن "السلب الوجودي" للعرب وعلاقته بالصفقة المزعومة المسماة "صفقة القرن"، ولصالح التحقق و"الهيمنة الوجودية" ليهود الصهيونية، وكيف يجتمع ذلك مع كل ادعاءات الذات الغربية الحديثة عن الحرية والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها؟ تبدو صفقة القرن الآن وكأنها التمثل الكبير لما قدمه سارتر في كتابه: "تأملات في المسألة اليهودية"، عندما اتخذ التاريخ الخاص باليهود والتاريخ الخاص بأوربا كمبرر لأطروحته عن "الصهيونية الوجودية"..
فلقد اعتبر سارتر أن اليهود تعرضوا طوال التاريخ لعملية شتات و"سلب وجودي" نتيجة أن العالم كون عنهم "صورة نمطية" سلبية، وأن اليهود لم يكونوا ليتصرفوا بمثل تلك الصورة النمطية المريبة لو لم يعاملهم العالم كذلك ويفرق تجمعهم طوال التاريخ، من جهة أخرى اعتمد سارتر تاريخ أوربا الخاص فيما بعد الحرب العالمية الثانية عندما اضطهد هتلر اليهود كجنس أدنى، وطاردهم في شتى أنحاء القارة الأوربية، ليخرج سارتر من تلك التكأة بأن حل المسألة اليهودية في أوربا والعالم، يكمن في استعادة الجماعات اليهودية المتفرقة لإحساسها بالجماعة الوجودية الموحدة مرة أخرى ذات المصير المشترك، لتتخلص من عقدة "السلب الوجودي" التي طاردتهم كأفراد وشتتهم بين الأمم، ورأى سارتر أن قمة الشعور بالجماعة الوجوية مرة أخرى عند يهود أوربا والعالم، سيكون في المشروع الصهيوني وتوطين اليهود كجماعة مهيمنة في أرض فلسطين وعلى حساب العرب!
وأكد سارتر على موقفه الفلسفي من المسألة اليهودية مع تطور الاحتلال الصهيوني لفلسطين، حينما مع الحروب المتوالية وبعد 1967 أقر بحق العرب في الوجود ولكن تحت الهيمنة الوجودية ليهود الصهيونية الذين احتلوا الأرض! ولم يتمكن حتى محمود درويش من انتزاع اعتراف رمزي منه بحق الفلسطينيين الكامل عندما قابله في فرنسا أواخر حياته.
ما صفقة القرن وتجبرها وبجاحتها في تذويب الوجود الفلسطيني إذن؟ إذا لم تكن تطبيقا لفكرة "السلب الوجودي" التام للعرب تحقيقا لـ "الهيمنة الوجودية" الكاملة ليهود الصهيونية كما أسس لسارتر في العقلية الغربية! صفقة القرن تتحدث عن: لا عاصمة تاريخية، لا حدود سياسية، لا جيش، لا عودة للمهجرين/ اللاجئين، لا سيادة، لا هوية، هى باختصار تتحدث عن: اللا شيء، تتحدث عن تمام "السلب الوجودي" للعرب والفلسطينيين كما طرحه فيلسوف الحرية الفرنسي العظيم جان بول سارتر، تتحدث عن تمام "الهيمنة الوجودية" ليهود أوربا والعالم الذين احتلوا فلسطين كما طرح فيلسوف الوجودية الأول وأيقونتها.
هنا يجب علينا الطرق على الضمير الأوربي في كل المحافل الدولية وفي عقر دارهم، حيث تفكيك المسألة الصهيونية ليس إلا تفكيكا للمسألة الأوربية وتناقضاتها، وهو في حاجة منا لخطاب حضاري رئيس واعي يتفرع منه عدة خطابات ثقافية/ سياسية/ فكرية/ إعلامية، في مواجهة الذات الأوربية المركزية التي تهمش كل الذوات الأخرى، وترى في الصهيونية امتدادا لتلك الذات الأوربية المركزية المتعالية.
علينا الضرب فيما يوجع العقلية الأوربية ويقلق منامها؛ صفقة القرن هي امتداد للعقلية الاستعمارية الأوربية التي تهمش الآخر وتعتبر وجوده مجرد وجود ثانوي لتحقيق سيادتها ووجودها المهيمن، وهو ما يجب علينا تطوير خطاب ثقافي وحضاري في مواجهته، والترويج له في كافة المحافل الدولية واتخاذه تكأة سياسية/ إعلامية/ معرفية في مقاربتنا لطرح وجهة النظر العربية، واستعادة الحقوق الفلسطينية الوجودية المفترض أنها من الحقوق الأساسية في كل البروتوكولات الدولية المستقر عليها.