الديمقراطية التوافقية الإشكالية والمشكلة

عباس علي العلي
2019 / 6 / 28

الديمقراطية حينما تكون خيار أساسي في بناء منظومة الدولة وشكل لإدارة المجتمع يجب أن نعود فيها إلى القاعدة الأساسية التي أنتجت كل مفاهيم الديمقراطيات وهي الرأي والرأي الاخر المبني على البحث عن أفضل الحلول التي لا تستثني الاحتمال الأخر المضاد أو المعارض، ببساطة الديمقراطية الحقيقية هي تعدد الأفكار والروى في صراع تنافسي لتقديم الأجدر المدعوم برأي عام ينحاز لما يراه قادرا على تجسيد إرادته بشكل صريح ومعبر عنه، وإلا فإن خيار التوافق على كل شيء كقاعدة هو خيار البحث عن تنازلات وخسارات متبادلة تنتهي بمشروع الديمقراطية إلى الهزالة والضبابية دون حسم كافي أو دون فيما يعرف بمشروع الأغلبية الديمقراطية.
الديمقراطية التوافقية هي نوع من أنواع الديكتاتوريات النفعية التي تقوم على قاعدة تبادل المنافع بين أطرافها من خلال مصطلح التوافقية ذاته، بمعنى أن مفهوم الاغلبية والمعارضة لا يمكن أن يكون فاعلا ولا موجود في تطبيقات هذا النوع مما يسمى جزافا ديمقراطية، القيمة الحقيقية لكل عمل ديمقراطي هو أن تكون هناك تعددية في الأفكار والوسائل والمناهج والممارسات، وبالتالي التوحد دوما خلف التوافق واعتباره محور لاسترضاء الجميع سيقتل بالتأكيد كل مسعى لتكوين رقابة ومحاسبة ونقد بأعتبار أن كل المشتركين بالأمر المتوافق عليه هو صناع والمستفيدين من ما ينتج من عمل أو طروحات سياسية، وبالتالي الكل يكون حريص على الابتعاد عن الحساب والمحاسبة والنقد والتصحيح والتغيير، وبذلك تخسر الديمقراطية جوهرها الفاعل في رسم رؤية المجتمع والتصرف بموجب ما سيكون.
قد تكون حالات من التوافقية ضرورية في وقت ما او لحالة معينة نتيجة ظرف او مجموعة أسباب تتعلق بقضية محددة قد تكون مصيرية أو تمثل غالبية الرأي العام وتوجها اجتماعيا وسياسيا غالبا، هذا لا يمكن أن يعمم أو يتخذ كقاعدة لنمطية الديمقراطية أو عنوانا لها، القاعدة الشرعية والفقهية التي تقول و (أحيانا) ((الضرورات تبيح المحظورات))، هي قاعدة استثنائية تقدر بقدرها ولا يمكن تجاوز القدر فيها، كذلك التوافق الديمقراطي الحقيقي هو حالة استثنائية تقدر بقدر الضرورة، وإلا ليس هناك عملية سياسية وطنية أو إشكالية تجمع الجميع بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم السياسية على التوافق على كل شيء، إلا إذا كان العنوان والجوهر الذي خاضت فيه الأحزاب والكتل مشروعها التنافسي قائم على مشتركات من نوع واحد، بمعنى أنها عملية سياسية أحادية الجانب ليس لها معارض أو مضاد أو هي وليدة رحم سياسي واحد، وهنا تكمن المشكلة وتتبلور الإشكالية بأن الديمقراطية التوافقية هي شكل من أشكال الديكتاتورية الفردية.
التجربة الديمقراطية العراقية لما بعد 2005 بنيت على قاعدة التوافق من خلال النص في الدستور على مبدأ التوازن والتوافيق في بناء العملية السياسية، وإن كان ذلك لا يعني أن البناء الديمقراطي المنشود في العراق من الصورة التي رسمها المشرع الدستوري أن تكون الديمقراطية النيابية ملزمة دستوريا بهذه الحالة، حينما ينص الدستور على كون نظام الحكم في العراق ديمقراطي تعددي وفي نفس الوقت يحظر على الجميع الانفراد في صياغة هذا الشكل أو إقصاء أحد أو التعامل بموازين مختلفة، فإنه يؤكد حقيقة على جذرية الفهم الديمقراطي الذي يستهدف بالنتيجة التوازن والتوافق بين مكونات الشعب، وليس بناء ديمقراطية عاجزة ومتعكزة على التوافق مما يجعلها أشبه بالعقيمة أو العرجاء في ساحة السباق.
الإشكالية التي يدير بها الكثيرون دفة الديمقراطية في العراق هو فهمهم المتشظي لمعنى أن تكون ديمقراطيا في ذات الوقت أن تكون في حياد بين مصالح الفرقاء والمصلحة الوطنية الكبرى، بمعنى أن المصالح الأخيرة هي الأجدر بالتقديم والمراعاة لأنها تضمن بالنهاية جميع مصالح الفرقاء عندما نؤسس لمفهوم سليم لحق المواطنة وتمتين الروابط البينية بين مكونات الشعب ومصالحها الخاصة، فقد قامت المنظومة السياسية العراقية بكل أطيافها ومسمياتها على قاعدة المصالح الفرعية، وبذلك تكون التوافقية المعلنة نتيجة كل لك هي توافقية تشاركية في تحصيل المكاسب الفئوية بعيدا عن المصلحة الكبرى او المصلحة الاهم والتي تتمثل بغاية العمل الديمقراطي وطنيا وشعبيا، فمن يريد تحقيق مصلحة خاصة نراه يقايض ويناور الأطراف الأخرى على ذات النط من المصالح وهنا تكمن جوهر الإشكالية.
في النظم الديمقراطية السليمة نشهد الكثير من حالات توافق ولا ننكر أيضا أن الغالب من هذه القرارات المصيرية والمهمة قد تكون أنجزت تحت مظلة التوافق الوطني، وليس تحت سطوة المصالح الفئوية والفرعية لمجموعة سياسية او دينية او عرقية، هنا أيضا تكمن عمق الإشكالية والتي تحتاج إلى إعادة هيكلة للممارسة الديمقراطية وإبعادها عن المحاصصة والتبعيض وأعتبار أن قضية الوطن ونهضته بالعمل الجمعي بمشاريع تتبنها الأغلبية وتراقبها الأقلية، ومن خلال أليات المحاسبة والنقد الديمقراطي يمكننا أن نعيد للواقع المتردي جزء من احترام الشارع وثقته، التي هزتها فضائح التوافق وتقاسم المغانم والمكاسب دون أن يرى الجمهور الشعبي جدية في معالجة قضاياه الملحة والمصيرية، ومما يؤكد هذه النتيجة هو المقاطعة الكبرى التي بلغت نسب مرعبة في المشاركة بالانتخابات وتناقصها في كل دورة عن سابقتها.
في المجتمعات الانتقالية والتي تعيش هاجس التجربة وتبني على المتراكم منها الذي ينجح في تأطير ورسم الصورة المثالية للعملية الديمقراطية، نجد أن هذه المجتمعات تعيد في كل مرة قراءاتها للواقع وتأشير حالات الخلل والفشل والإخفاق وتعيد في كل مرة شكل البناء السياسي مع الاحتفاظ بجوهر الهدف الديمقراطي، الواقع العراقي وباعتباره يمر في حالة انتقال وترسيخ للتجربة الديمقراطية نجده يعيد الفشل ويكرر نفس الاخطاء التي تتعاظم يوما بعد يوم، وذلك لخلل أساسي في الدستور وعدم القدرة حتى على إعادة قراءته ومحاولة تطوير الأليات التي تحدث الأحكام والأوصاف من خلال ما نص عليه الدستور ذاته، كما أن عدم إيمان البعض بالعملية الديمقراطية التي أتخذوا منها جسرا للوصول إلى غايات وأهداف خارج ما تنتجه العملية السياسية السليمة من تعظيم مكاسب وترسيخ أوهام جمعية، مستغلين بذلك الساحة الواسعة من المطاطية الفضفاضة التي كتبت بها أغلب مواد الدستور، وزرعت فيه الألغام التي تتفجر وتفجر كل العملية السياسية مع أي محاولة للتصحيح أو التغير أو الأبتعاد عن المفاهيم الجزئية التي يعج الكثير منها في ثنايا النصوص.