من بشاعات سلطة بشار الأسد الأخيرة

محمود عباس
2019 / 6 / 26

مطالبة مزارعي الجزيرة وعفرين، بتسديد جزء من ديونهم، في الوقت الذي لا تزال فيه الحرائق مستعرة، بغابات زيتون منطقة عفرين (أكثر من 120 ألف شجرة زيتون مثمرة حتى منتصف حزيران) وحقول قمح الجزيرة (قرابة 45 ألف هكتار من القمح والشعير حتى 20 حزيران) ومعها العديد من بيوت المزارعين، إجحاف بحق الشعب المعاني، بل هي جريمة أخرى تضاف إلى جرائم السلطة العديدة، خاصة في هذه المرحلة، وحيث لا تزال الأعمال اللاإنسانية المفتعلة مستمرة، وعلى الأغلب أنها عملية من ضمن مخططات السلطة ومعها المتربصين بالكرد، لتهجير البقية الباقية من شعبنا، وضرب مكتسباته في هذا الجزء من كردستان.
لم تكتف السلطة عن طريق أدواتها إلى جانب فلول داعش، في حرق المحاصيل، وتواطئها مع روسيا، أمام جرائم المحتل التركي ومرتزقته في منطقة عفرين، فأضافت إليهما إصدار المرسوم الفاجر، وهي مطالبة المتضررين من المزارعين في المنطقتين المذكورتين، بدفع جزء من ديونها المتراكمة. وللتغطية على خباثة الطلب، تستخدم التحايل الاقتصادي في طريقة عرض المرسوم، وجباية الأموال، مع منية على أنها قسطت الديون إلى عشر سنوات، علما أن معظم هذه الديون تراكمت على خلفية سنوات الجفاف السابقة، وبسبب البيئة المدمرة جراء الحرب الكارثية المفتعلة بينها وبين المعارضة التكفيرية، أي السلطة قبل المعارضة التكفيرية هي المذنبة في تراكم الديون والواقع المادي المذري للمزارعين.
شعبنا في عفرين والجزيرة يواجهون اليوم مصير مؤلم كارثي، لا يقل عن جريمة المرسوم الجمهوري رقم 49 والذي قضي به على الحركة الاقتصادية في المنطقة الكردية حصراً، وجمدت، بل دمرت، على أثرها جميع المشاريع الاستثمارية وتوقفت مسيرة البناء، المتنامية حينها على خلفية الاستثمارات الذاتية، وخلفت جيوشا من الكرد العاطلين عن العمل، وموجات من الهجرة إلى الداخل السوري والخارجي، وبالتالي تحولت المنطقة من حالة ازدهار إلى منطقة تعاني أزمة اقتصادية - اجتماعية كارثية.
لقد كان إصدار ذلك المرسوم، كما هو الحالي، سابقة خطيرة، ضمن سياق سلسلة من المراسيم والقوانين والتشريعات الاستثنائية (المجحفة) في سوريا الأسد ضد شعبنا الكردي، خاصة عندما وضعت إمكانيات الحصول على الترخيص القانوني لأي بناء أو مشروع اقتصادي في المنطقة تحت أمرة المربعات الأمنية الشبه مستحيلة الحصول عليها، وهنا نذكر فقرة من المرسوم القديم (يمنع وضع أي من إشارات الدعاوى والرهن والحجوزات والقسمة والتخصص…على صحيفة العقار في المناطق الحدودية سواء أكان العقار ضمن المخطط التنظيمي للمدينة أو خارجه، إلا بعد الحصول على الترخيص القانوني من وزارة الداخلية).
واليوم كالسابق أصبح من الشبه المستحيل تأمين الأموال المطلوبة لدفع ديون المصرف الزراعي، على خلفية الكوارث الجارية المضافة إلى مآسي الحرب، وبالتالي فالمواطن الكردي حصرا، أمامه خيارين: أما ترك أرضه بوراً والعيش في فقر مدقع. أو التخلي عن وطنه وأرضه، أو لربما بيعها ومن ثم الهجرة من منطقته التي تكاد أن تكون تأمين لقمة العيش فيها من وراء العمل صعبا للغاية.
ومن المؤلم ألا يكون هناك مدافع، ولا نقول معين، للمزارعين أو المواطنين في المنطقة الكردية (نقول الكردية، والتي تشمل الكرد والعرب من أبناء المنطقة، لسببين: الأول أن مزارعي المناطق الأخرى من سوريا أصبحت شبه مدمرة كليا، ولا يتوقع أن تشملهم مثل هذا الطلب وأن كانت فهي جريمة إن لم تدرج ضمن خانة الكفر، أما المزارعون الغمريون أصحاب المستوطنات في المنطقة الكردية فجلهم لا يعانون من العوز كما يعاني الكردي، كما أن الخدمات المقدمة لهم إن كانت من قبل السلطة أو الإدارة الذاتية لا يمكن مقارنتها بما يقدم للمزارع الكردي) ليعترض على هذا المرسوم المجحف من قبل سلطة بشار الأسد، ويندد على الأقل بخباثته الواضحة من خلال إرضاخ المزارعين على دفع القسط الأول قبل أن يتمكنوا من الحصول على البذار والسماد، والمساعدة المادية للفلاحة والزراعة.
بدراسة بسيطة لخلفيات هذا المرسوم، يتبين على أنها عملية إجرامية اقتصادية- سياسية ممنهجة، تدار وبخبث ضد البقية الباقية من شعبنا الصامد على أرض الوطن، والجريمة تتجاوز من مجرد مسألة يمكن التغلب عليها بجمع التبرعات، ولا شك أن محاولات مساعدة المتضررين من أبناء شعبنا في الجزيرة وعفرين، مادياً ومعنوياً مهمة ولا بد منها، مثل (المشروع الذي يقوم به مجموعة من المثقفين والكتاب والمستقلين الكرد في أوروبا) وهو واجب على كل وطني متمكن.
لكن علينا أن ندرك أن الإشكالية أعمق وأضخم من مجرد خسائر مادية، فنحن أمام مصير أمة تسلب منه وطنه، وشعب يهجر بطرق متنوعة. لأنها تهدف إلى تجريد جنوب غربي كردستان من حضنها الكردستاني، المخطط الذي كرس لها العديد من المثقفين والسياسيين العروبيين جهودهم، بنشر كتابات تاريخية محرفة، ومرفقة بمصادر مطعونة فيها، محاولين إقناع ذاتهم قبل العالم على أن الكرد في الجزيرة هم نتيجة هجرات حديثة من شمال كردستان.
مؤشرات تبين على أن تخطيط خبيث رسم في أروقة المتربصين بالكرد، شاركت فيها سلطة بشار الأسد، وبعض المنظمات التكفيرية كالفلول المتبقية من داعش بقسميها التركي والمأمور من قبل السلطة، ويراد منه كما ذكرنا تهجير البقية الباقية من أمتنا الكردية، أو على الأقل تهجير قدر ما يمكن تهجيره، فعمليات تدمير المنطقة الكردية، بتوسيع حلقات الصراع الطائفي السني الشيعي، إلى صراع بين شعوب المنطقة، وأدراج الكرد على رأس القائمة المستهدفة، مثلما يتم في شمال أفريقيا ضد الأمازيغ والقبط، الشعوب التي كانت في مقدمة الثورات السلمية.
ومن المؤسف له، أننا كقوى كردية خارجية، لتشتتنا وخلافاتنا الداخلية، عاجزون على إقناع الدول الكبرى للوقوف ضد هذا المخطط التأمري، ولا نتعاون ونعمل بدراية، لخدمة شعبنا على أرض الوطن، كتقديم القضية الوطنية القومية على المصالح الحزبية. لذلك فإننا جميعا كحراك كردي، وليس فقط الإدارة الذاتية والمجلس الوطني، مذنبون أمام هذه الإشكالية الوطنية، والكارثة الاقتصادية التي تجتاح شعبنا الصامد على أرض الوطن.
مع ذلك فعلى الإدارة الذاتية الأكثر معنية بهذا الأمر، فهي رغم تصريحها، على أنها تقوم بجولات ميدانية لتحديد حجم الكارثة وتقديم المساعدة على أساسها، والتي هي عملية في الاتجاه الصحيح، أن تظهر موقفا واضحا من هذا المرسوم الجائر، وما يؤمل منها ألا تستمر في صمتها، وعليها أن تتعامل مع الأطراف الكردية الأخرى لإيجاد حل مناسب للمزارعين، وتعرية هذا المخطط.
كما وأن الرسالة هذه موجهة بدورها إلى الأطراف الأخرى من الحراك الكردي، ومن ضمنهم المجلس الوطني الكردي بأحزابه، ويؤمل منها ألا تقف على مضمون البيان الصادر بمناسبة مرور 45 عاما على مشروع الحزام العربي الجائر، والمندد بمشروع الغمريين البعثي والمهم إثارتها في كل آنٍ وحين، بل عليها أن تتحرك بكل ما تملكه من قوى ضد هذا المخطط أو على الأقل التنديد به، مثلما نددت على مدى السنوات الماضية بجرائم السلطة.
لا بد من إنقاذ مزارعينا بإلغاء المرسوم، أو على الأقل تجميد مطالبة المزارعين بدفع الديون، ولإنقاذ الأرض والمواطن يجب إزالتها كليا، فعملية التقسيط، وكأنها رحمة من السلطة، لا تكفي بل هي جريمة ممنهجة تطبقها عادة السلطات الشمولية لترهيب الشعب، ولا بد من إصدار مرسوم بعفو عام لكل المزارعين، بل وتقديم الخدمات الضرورية لإعادة الحياة إلى الحقول والمزارع والبيوت، علما أننا ندرك أن مثل هذا المطلب يعرض على الأنظمة الديمقراطية، والتي تقوم بالخدمات الإنسانية أمام المصائب والكوارث التي تحل بالشعوب.
وأخيرا، على الحراك الكردي في جنوب غربي كردستان بكل أطرافه، وفي مقدمتهم الإدارة الذاتية والمجلس الوطني، إعادة المطالبة بالنظام الفيدرالي لسوريا، وهو الحل الأفضل لقضايا الشعوب المضطهدة.