ماجد درباس بعد الغسق

رائد الحواري
2019 / 6 / 25

بالكتابة نواجه الظلم، ونعري النظام الرسمي العربي ونكشف أدواته الفكرية والتنفيذية، ما حدث من خراب في دولنا لا يمكن أن نمر عليه مرور الكرام، فهناك ناس/بشر ماتوا، هجروا، شردوا، ضاعوا، بسبب عقم النظام الرسمي العربي على التقدم في الاتجاه الصحيح، بسبب تفشي الفكر الديني السياسي، الذي أباح القتل والسب والتعذيب والتشريد، والذي اعتمد على افكار مضى عليها اكثر من ألف وأربعمائة سنة، فأحداث فينا وفي أهلنا ثقوبا سوداء تبتلع كل ضوء يصدر من هنا أوهناك، فأمسينا في "ظلام دامس" وتوهنا في (الصحاري) الغرب متألمين ومتحسرين على ما آلت إليه أحوالنا.
"ماجد درباس" يعبر عن هذا الواقع البائس بالأدب، الذي من المفترض أن نحيا به، لا أن يزيدنا حسرة وألم، لكن هذا هو واقعنا منذ أن ابتلينا بحكام مأجورين باعوا الوطن وخيراته، فأوصلونا إلى ما نحن فيه من بؤس، فجعلوا المواطن مجرد عبد يركض خلف لقمة الخبز، أو باحث عن الحرية في بلاد (بعيدة).
مجموعة النصوص منشورة على صفحة الأديب، متاحة لكل من يريد أن يتعرف على الألم والحسرة التي ما زالت (تخنق) ابناءنا الذين أجبروا على الهجرة من الوطن، جاء في "عند الغسق":
"ينعشني أذان الصبح في إدلب
ويَصْدَحُ ديكُ حيفا على كفَرْنُبُل
تَفترش العرافَةُ باحة العاصي
ليرتوي الشهداءَ في الكرمِلْ"
الفاتحة البيضاء والألفاظ الناصعة: "ينعشني، آذان، الصبح، إدلب، ويصدح، ديك، حيفا، كفرنبل، تفترش، باحة العاصي، ليرتوي، الكرمل" قلنا في غير هذا الموضع أن العلاقة تكاملية/جدلية بين الفلسطيني والمكان، ففي ذكر المكان يجد طاقة تعينه على المواجهة والاستمرار في مقارعة الحياة، حيث يجد (ذاته/وجوده) في المكان، لهذا يأتي على ذكره، ليشعر بأنه موجود، وما زال فيه "نسمة حياة" فليأتي "يوشع" وأتباعه لينتزعوها، إذن ذكر المكان فيه شيء من التحدي والمواجهة، فالذي شرد من وطنه غصبا ما زالت يسكنه الوطن، وما زال مسكون بالوطن، فالوطن الفلسطيني "حيفا، كفرنبل، الكرمل" حاضر ويمكننا فهم وتفسير طبيعة حضوره، لكن لماذا تناول الوطن (السوري): "إدلب، العاصي"؟ ما العلاقة بين الكرمل وحيفا من جهة وبين إدلب والعاص؟، الشاعر حامل "للمكان الأول الذي سمعه وقرأ عنه ولم يدخله جسديا، والمكان السوري "إدلب، العاصي" عاش فيه وعرف معنى ومكانة وأهمية المكان/الوطن، لهذا نجد "ماجد درباس" يجمع المكانين معا، فهو يحمل همين فلسطين وسوريا.
رغم هذا الحمل الثقيل إلا أن المكان أعطا فضاء رحب للكاتب بحيث (أنساه) الألم، وما يلفت النظر أنه يستخدم ألفاظ مذكرة بصورة كاملة إذا ما استثنينا "العرافة، باحة" فالمقطع (ذكوري) بامتياز، ومع هذا جاء بصورة بيضاء ـ إذا ما استثنينا لفظ "الشهداء" ـ فالحنين للمكان/للوطن حول قسوة (اللفظ المذكر) إلى هدوء وسكون.
"وتنثُرُ العرافةَ تراب الأتارِبْ
ينوحُ ديكُ الفجرِ في المَجْدَلْ"
وكأن هناك تضاد بين فاتحة النص وهذا المقطع، فكان هدوء وفرح "يصدح" في الفاتحة وهنا نجد سواد وقتامة: "ينوح"، ورغم أن الديك واحد، وهناك ذكر للمكان "المجدل" إلا أنه جاء بصورة تضاد، فما السبب وراء هذا التضاد؟، وهل هناك مبرر لهذا التحول؟.
"كلَ صباحٍ نودع باقة زهور
ويبكي الديك لآليءَ أريحا"
الاجابة جاءت من خلال "نودع، كل صباح" لهذا يمكننا أن نستوعب وصف الديك "ينوح، يبكي" ونتفهم لماذا كان "يصدح في حيفا" فهي المكان/الحلم الذي يجب أن يبقى بعيدا عن التلوث والتشويه، لكن في "المجدل، أريحا" حدثت عملية تحول، وزاد الألم من خلال تعدد الهجرات والترحال، فبتعد عن المركز "حيفا" وأخذته الدوامة لتحدث عن المكان (بواقعية/بموضوعية) فهو مكان يتـألم كما يتألم الشاعر.
الوقت جاء من خلال "الفجر، وصباح" والديك "ينوح، يبكي"، أليست صورة غارقة في القتامة، أن يأتي "النواح والبكاء" في "الفجر والصبح"؟، وإذا ما توقفنا عن العنوان "عند الغسق" نجد تباين بين وقت العنوان ووقت الأحداث، فهل هناك تواصل/استمرارية بين الغسق والفجر؟، أم أن الكاتب لم يعد يسيطر على الواقع/الهجرات فضاع مع الضائعين؟.
"فيكون العزاءُ في القسطل
ويلثمُ القبر مُضْغاتِ الحبالى"
يوجعنا الوصل بين البكاء والعزاء، لهذا نجده يتحول إلى الأسود القاتم، فهناك "العزاء، القبر، مضغات" وكلها تجعل المتلقي يشعر بالقسوة والألم، فلم يعد للمكان "القسطل" أثره كما كان في فاتحة النص.
"ويبقى للتراب هنيهات خجل
فتعتذرُ السماء عن التبني
لم يعُدْ للراحلين فسحات أمل"
بهذا الخاتمة يمكننا القول أن الكاتب فقد السيطرة، فلا يوجد مكان يستمد منه القوة/الطاقة ليستمر في الصمود/الثبات، لهذا جاءت خاتمته حزينة ويائسة، "فتعتذر عن التبني، لم يعد أمل" عندما فقد/نسى/تجاهل المكان، فقد الأمل وأغلقت الأبواب كافه أمامه.