الحبيب الهمامي ما بين تحليق وسفر ذات شاعرة يشدها الواقع إليه ___

نائلة الشقراوي
2019 / 6 / 25

عن دار المنتدى للنشر صدر ديوان أجمع الياقوت من حديثك للشاعر الحبيب الهمامي وهو ديوان يحتفي بقصيدة الومضة التي يعتبر الشاعر الحبيب الهمامي من روادها. والجدير بالذكر ان الومضة الشعرية من اكثر القصائد التي يصعب الاشتغال عليها وليس سهلا كتابتها اذ ان الايجاز في الكلمات في كتابة النص لا يعني انه نجاح في كتابة الومضة الشعرية فالقصائد القصيرة ايضا تعتمد على كلمات قليلة ولا تسمى ومضة .وللتذكير فإن الومضة الشعرية تعتمد كليا على الإيحاء والصورة الشعرية الواحدة والفكرة الواحدة في اختزال وكثافة للمعنى بكلمات مفتوحة على عدة دلالات التي تنتقل بالقارئ من عالم الدهشة الى عوالم الاستمتاع .يقول الشاعر الحبيب الهمامي في أحد ومضات ديوانه "يتساءلون لماذا لا يوجد نجوم في الشعر مثل نجوم الغناء مثلا، أجيب ..في الشعر هناك اقمار ..واكتفي بهذا ".لخص الشاعر بومضته هذه كونية الشعر اذ على اختلاف طرائقه (عمودي ،نثر،تفعيلة ..) هو محور الابداع والتأثير على المتلقي وان الومضة الشعرية باعتباره كاتبُها بلمعانها الخاطف للأبصار والسمع هي القمر المتوهج اشتعالا بين النجوم .الحبيب الهمامي وضع كل خبراته الشعرية في ديوانه هذا وقدم نماذج من ومضات شعرية متقنة و قريبة في اسلوبها من ملامح الشعر العربي لا الغربي ولا الياباني الذي يعتبر المنشأ الحقيقي لهذا النوع من الكتابة الشعرية .فاحتوت ومضاته مشاغل المجتمع التونسي عامة من خلال الحديث عن وضع الشاعر والكاتب ،فيقول في عنوان كبير بالديوان ،ابكي لأسباب شعرية وضمن عدة ومضات قصيرة يبكي حالة الحالم الذي يمنعه الواقع عن الحلم وعن السعادة وحتى السؤال ف :"عازف الناي محروم من الضحك أثناء العزف "و الشاعر يحترق ليضيء نفسه فيراه الٱخرون "و "التائه هو الذي يبحث عن ذاته عند الأزمات فلا يجدها "ومضات قصيرة جدا تربك قارئها وتجعله يعود الى ذاته بحثا عن مستويات التشابه بينه وبين النص ،فيجد انها تحكيه .وفي كثير من الومضات الاخرى نشعر معها ان الشاعر الحبيب الهمامي يعري الحقائق والدواخل بأسلوب على شعريته تتداخل به الحكمة والموقف .كأن يقول "الاختلاف حول شرعية أكل لحم الغزلان لا يوفر عهد الأمان لجمالية الغزالة "أو "من تربي على قول الزور لن يستطيع كتابة قصيدة واحدة حتى وان يحفظ الف ديوان شعر ".اما بالحب فالحبيب الهمامي عاشق غريب في ومضاته ،يمسك بالقلب بيد العقل فتأتي ومضاته تعبيرا عن عقلانية الحب أحيانا واحيانا أخرى استهزاء بالحب كعاطفة لا تعبر عن جوهر الشاعر ،فالحب عنده لا يحتاج عادي القول بل ينساب مع الدم في الشريان ويظهر ضمن فصيلته لذلك "كل الكلام لا معنى له ..سأعبر عنك باللغتين الرائعتين وهما ..سكوتي وصمتي "وهو هنا يقترب من المتصوف المتأمل للجمال والمتعبد في صمت والذي يترك الروح في سفرها تبحث عن الذات المناسبة لها ،"ذاتي ليست الذات المناسبة لي "وهذا دأب الشاعر السؤال المتناسل والتحليق المستمر والبحث الدائم عن حب يستبقيه ،يسكنه الوهاد ويشعره بالاستقرار ،غير انه يعلنها "علاقتنا باهتة ،فهي مجرد حبرك على ورقي" ومع ذلك فهو يقول ايضا "التراجع عن الهوى يؤدي الى الهاوية "وانه "ضد نفسه ومع السفر خارجها "ولا يخفي على متابع لتجربة الحبيب الهمامي لعلاقته الوشائجية والعميقة بزوجته الشاعرة راضية الهلولي التي يبدو انها تؤثر كثيرا في وجدانه وفي شعره وتستبقيه في مدارها طوعا رغم حلم السفر لديه فهي التي اشرقت فيه عشقا وهو الذي يجمع الياقوت من حديثها وقلبها ،فهي بلقيسه وليلاه"يقولون صباح الخير ومساء الخير ولك وحدك اكتشفت هذه التحية ..ليل الخير اقولها في كل الأوقات فمنذ أنت معي ونحن في سهر مستمر"وبنفس الوقت هي العقل الواعي به الذي يدنيه من الواقع اكثر ويتحكم بمستويات الحلم فيه دون أن يقيده عن التحليق في سماوات الشعر ليكون علامة مميزة بالشعر التونسي ومجددا به .