حضرتُ اليوم ندوة فكرية تبحث عن حل اقتصادي للفقراء أقِيمت في أكبر نزل للأغنياء ومموّلة من الخارج!

محمد كشكار
2019 / 6 / 25

في كل ندوة فكرية أمثلُ فيها جمنة، أزدادُ فخرًا بمسقط رأسي: للمرة الثامنة عشرة يشرّفني أن أشارك باسم "جمعية حماية واحات جمنة" وبتكليفٍ من رئيسها طاهر الطاهري.
الجهة المنظمة: المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (FTDES) ومؤسسة فريدريش ايبرت مكتب تونس.
المكان: نزل أفريكا بالعاصمة.
التوقيت: 24 و25 جوان 2019.
الحضور: 100(ربعهم نساء).
عنوان الندوة: أي بديل تنموي عادل، مستدام وديمقراطي؟

1. الحصة الصباحية:
المحاضرة 1 رولاند لنتنير، أستاذ اقتصاد بجامعة السربون:
عنوانها: إستراتيجيات التنمية وإشكاليات العدالة والنجاعة.
أنقل لكم منها بعض المقتطفات التي بلغت فهمي، وهو فهمٌ محدودٌ جدًّا في علوم الاقتصاد الرأسمالي غير المحايدة التي بُعِثت خصيصًا لخدمة الأغنياء على حساب بؤس الفقراء.
عادة لا أفهم خطابات الفلاسفة وعلماء الاقتصاد إلا عندما يخرجون من التنظير المجرد والمعقد ويشرعون في الاستشهاد بأمثلة من الواقع المعيش:
مثال 1: مؤشر التنمية البشرية (IDH)، مقياس للتنمية تستعمله منظمة الأمم المتحدة عوض مؤشر الناتج المحلي الإجمالي (PIB): أقصاه يساوي 1، وتونس تحصلت على عدد 0،735 ومرتبتها الرابعة في إفريقيا بعد السيشيل وجزر موريس والجزائر (دون حجج علمية، أنا لا أصدق هذا القياس بالمقارنة بما أعاينه يوميًّا في تونس).
مثال 2 (مثال تاريخي): فورد، مُصنِّع السيارات، قرر يومًا وبصفة فجائية وأحادية ودون ضغطٍ من النقابة، قرر أن يضاعف أجر العمال شرط الانضباط في وقت الدخول والخروج، فقفز الإنتاج قفزة كبيرة.
مثال 3: دولة من الدول وعدت عمال زراعة القمح بحصة 75% عوض 50% فزاد المحصول بـ60%.

المحاضرة 2 د. عبد الجليل البدوي، مشرف على مشروع المنتدى:
عنوانها: معالم ومحتوى مشروع البديل التنموي.
أنقل لكم منها بعض المقتطفات التي بلغت فهمي:
مثال 1: الليبراليون يرفعون شعارًا رنّانًا وجذّابًا: التبادل يجلب أوتوماتيكيًّا التنمية (L’échange entraîne la croissance)! وهل لنا نحن ما نتبادله سوى المواد الخام الباطنية والفلاحية الرخيصة في الأسواق العالمية لأنها خالية من القيمة المضافة (الذكاء)؟ وهل منتوجاتنا الأخرى قادرة على المنافسة خارج أسواقنا؟ وهل هي متنوعة؟
مثال 2: ما هي مضار انسحاب الدولة التدريجي من السوق: تخليها عن سياسة الأوليات القطاعية نتج عنه غياب المجانية التامة في قطاعَي الصحة والتعليم، فدُفِعت الطبقة المتوسطة دفعًا نحو غول القطاع الخاص. تخلت أيضًا عن قطاع التخزين والتبريد للمواد الغذائية، فلم تعد قادرة على التحكم في أسعارها: سنة 1980 كانت تملك منه 80 %، سنة 2019 لم تعد تملك منه إلا 20% فقط.
مثال 3: غرقت تونس في سياسة الإغراق الاقتصادي (Dumping):
- الإغراق التجاري: مثلاً، تردي الخدمات السياحية: نزل 5 نجوم يقدّم لحرفائه غداء 4 نجوم ليستطيع الصمود أمام منافسيه.
- الإغراق الجبائي: تخفيض الضرائب على الأثرياء مما أفقَر الخزينة العامة للدولة.
- الإغراق المالي: هِجرة رؤوس الأموال.
- الإغراق البشري: هِجرة الموارد البشرية الكُفأة (هِجرة الأدمغة) وغير الكُفأة (هِجرة العمال)
- الإغراق النقدي: تخفيض قيمة الدينار.

2. الحصة المسائية:
شاركتُ في الورشة عدد 1 وعنوانها: أي إستراتيجيات من أجل تنمية جهوية بديلة؟
افتتحها رئيسُها بقراءة تقرير مكتب دراسات المنتدى، قراءة رتيبة مسترسلة دامت 40د، قراءة جلبت لي النعاس خاصة وأنا متعود على القيلولة يوميًّا (كدتُ أصيحُ في وجهه: ورشة، راهي ورشة، موش محاضرة افتتاحية!). انتهت الحصة الأولى من الورشة على الساعة 16و30د. تعبتُ ولم أعد قادرًا على مواكبة ندوة بيومين. في حصة راحة القهوة المسائية، أكلتُ ما تيسّر من الحلويات اللذيذة رغم سكري، ثم انسللتُ في لطفٍ، وقفلتُ راجعًا إلى حمام الشط، لأرفع تقريري هذا إلى "جمعية حماية واحات جمنة" وإلى لقاءٍ آخر لو بقي في العمر عمرًا آخر.

ملاحظة على الهامش: رغم أنني من المستفيدين بَطْنِيًّا، اغتظتُ كثيرًا كالعادة من "لوكس" (Luxe) الندوات في النُّزُلِ الفاخرةِ، مصاريف باهظة لا تتماشى مع فلسفة ندوة عنوانها "أي بديل تنموي عادل، مستدام وديمقراطي؟". في الكواليس، توجهتُ بلطفٍ إلى السيد عبد الرحمان الهذيلين، رئيس المنتدى (FTDES)، وسألته: كم تكلفة الندوة؟ أجابني بكل عفوية: "لا أعرف.. كل مصاريف أفريكا تكفّل بها فاعل الخير بعد موته ، المرحوم الألماني فريدريش ايبرت." قلتُ في قلبي: ربي إخلينّا الألمان ولا تكشفنا يا رحمان!

إمضائي: "وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك، فدعها إذن إلى فجر آخر" جبران