البيجيدي يتقن دور المهرج البليد

التيتي الحبيب
2019 / 6 / 23


من وحي الأحداث

فشلت الأحزاب المخزنية والممخزنة في لعب دور الوساطة بين الدولة والمواطن المتضرر والذي لم يعد يقبل بالحكرة ولا أن تضيع حقوقه. كان من المطلوب والمفروض على هذه الأحزاب أن تلعب دور حماية الدولة والنظام من سخط وغضب هذا المواطن. كان من المفروض فيها حسب ما أوكلته لها الدولة أن تواجه هذا المواطن وأن تقنعه بقبول الأمر الواقع أو بأنها هي من ستتولى الدفاع عنه عند الدولة. حاولت هذه الأحزاب أن تقوم بذلك بطريقتها لكنها فقدت المصداقية. إن المواطن تعامل مع وعود هذه الأحزاب كالتزامات صادقة، لكنه اكتشف أنه ليست إلا وعودا كاذبة ولا يهم أصحابها إلا الربح السياسي السريع وهو الحصول على أصوات الناخب ثم التفرغ لمصالح الحزب التي هي مصالح منفصلة وحتى متناقضة مع مصالح ذلك المواطن الذي أعطاه صوته. لم يصل المواطن العادي لهذا الوعي ولاتخاذ موقفه من هذه الأحزاب إلا بعد عقود من الكذب وبيع الأوهام، وبعد أن مرت حركة 20 فبراير ومعه السيرورات الثورية بمنطقتنا. اتخذ المواطن موقفه بشكل واعي وفقدت تلك الأحزاب ثقة شعبها.

هكذا وجدت الدولة نفسها بدون وسيط وبدون حواجز حافظة أو بارشوكات كما يسميها الشارع اليوم. وجدت الدولة نفسها وجها لوجه المواطنين والمواطنات المحتجين في الحراكات الاحتجاجية والحراكات الشعبية. مع سقوط الحفاظات تعرت حقيقة الدولة وتكشف وجهها البغيض، وجه القمع والمقاربة البوليسية. هكذا ظهر المعنى لظهير العسكرة في الريف وتمت الاعتقالات والاختطافات بالجملة، كما تم التعامل به أيضا في جرادة وغيرها من الحراكات الشعبية. هذه الحقيقة وقف عليها الملك في أحد خطاباته حيث اشتكى من أحزاب أغلبية حكومته ودافع عن تدخل القوات القمعية وأصبحت بذلك الدولة تمارس السياسة بدون حفاظات ايديولوجية، أصبحت تظهر كدولة الكتلة الطبقية السائدة في مواجهة أغلبية الشعب. برز الشرخ القائم بين أقلية عاجزة عن تبرير سياساتها وإظهار مصالحها كمصالح عمومية وأغلبية بدأت تميز بشكل واعي أين هي مصالحها وأين هي مصالح عدوها.

في هذه الوضعية الجديدة اهتدى حزب البيجيدي إلى طريقة مبتكرة للعب دور البارشوك. إنه اهتدى إلى حيلة جعل المشهد السياسي عبارة عن سيرك يتلهى فيه المواطنون. وكلما كان المهرج غريبا فضائحيا كلما كانت التلهية ناجحة. اختار البيجيدي أن يكون هو المهرج وأن يحتل المسرح، ولهذا نراه يتفنن في إخراج وصلات من الفضائح يكون هو بطلها أو يفتعلها أو يقبل بأن تلصق به مادامت تلك الفضائح تلهي الناس وتشغلهم عن مصادر الأزمة وأسبابها. على ما يبدو أن الأمر حصل في شأنه نوع من الصفقة مع النظام، وهي صفقة مربحة للطرفين. البيجيدي يتحول إلى بارشوك منتج للفرجة والفضائح وينال الجزاء والمقابل، والنظام يحصل على فترات الراحة السياسية وقد يلقي بمسؤولية فشلاته إلى المهرج.