الشعور الديني او مظهرية الدين في الذات الإنسانية

عباس علي العلي
2019 / 6 / 23

في المباحث السابقة ركزنا على مفهوم فكرة الدين مجردة وعلى أنها موقف عقلي يتبع منطقية أملتها راهنيه وجود الكائن العاقل في واقع يثير لديه سلسلة من منتجات الوعي ,وعي بالوجود وإشكالاته ووعي بهذه المنتجات قادته للوصول إلى ما يظن أنها إجابات تقنعه على أنها كافية , أو أنها تشكل موقف من الحياة عموما.
السؤال الذي يدور الآن عن تقديم ضرورة و حتمية ممارسة التدين أم عن وجوبية وجود الدين أصلا في الحياة الإنسانية ,وعن دور كل منهم في سيرورة التكامل الإنساني في تماهيه مع الوجود ,هذا السؤال الذي يفضي للتفريق بين الدين (مجردا) كفكرة أو رؤية لها مدار عقلي مثالي فقط ,وبين التدين الذي هو ممارسة وأعتياد على العيش داخل ظاهرة أو كظاهرة رافقت الإنسان منذ أول في وجوده كائنا عاقلا واعيا ومعرفيا .
إن كان التدين لو سلمنا على حقيقته (كوعي فطري حسي في الغالب) تستحثه قوة الأنا (النفس الفاعلة ) يتحول مع تدخل فعل العقل الإدراكي إلى نوع من العلاقة الثلاثية وليست ثنائية كما يعتقد الكثيرون بين (الأنا) والــ (أنت) والـ (هو) الذي يشكل أركان نحن المجموع (الكل) الذي يؤطر كل ما في الدين من روحية وجوهر (فكر) ,النتيجة الحاسمة سيكون نوع من أنواع التلاقي مع الضرورة أو المتماشي مع واقع مبرر بضرورة التعايش .
كما أن الإيمان بوجود الدين كواقع في حياة الإنسان فاعل ومتغلغل في ذاتيات الفرد البشري يتحول مع الشعور بالضرورة الانعكاسية التي يستشعرها الإنسان إلى واقع سلوكي ينتج ظاهرة متصلة به وفي الغالب بالنتائج النهائية تنفصل عنه ,هذه الظاهرة وجودية مصنعة ولتكون شبه حتم وجودي مرتبط بالإنصياع الملجأ للوجود ويتولد به ومن خلاله ,بغض النظر عن كيفية تجسد هذا الكائن لقيمة وارتباط هذا التجسيد بالبيئة أو في خضوعه للزمن ,وليضفي على الوجود هذه النتيجة ((أن الإنسان مدني متدين واع بالطبع لكن بلا عنوان محدد ولكنه بالتأكيد له وجهة محددة)).
فكرة الدين تنطلق من حقيقة أن الشخص الذي يؤمن بتعدد وجوه الحقيقة يمكنه أن يقبل برؤية أكثر من صورة لمسمى واحد , وبالتالي فهو يشير من حيث لا يعلم على أن ما يؤمن به هو أو هي تصورات متعددة لماهية واحدة متغيرة ومتقلبة ويمكنها أن تتحمل الزمن والتطور ,لأنها تتكيف مع التغيير بما فيها من مطاطية أو لنقل من قابلية لطرح الشيء ونقيضه في آن واحد .
أما دين الفكرة عند الملحد مثلا فلا يرى إلا أن الحقيقة هي جوهر واحد يتحرك ضمن منطق يشاكل الجوهر الكلي للوجود ولا ينفصم عنه , وبالتالي كل منتج معرفي يؤكد هذه الحقيقة هو من فكرة الإلحاد أما غير ذلك فيحتاج لبرهان من ضمن روحية وجوهرية الفكرة .
كلاهما الديني والملحد يؤمنون بما يمكن أن نسميه صورة الحقيقة الذهنية وليست الحقيقة كاملة بعينها ,لأن تحديد مفهوم الحقيقة يحتاج أولا لمعيارية متفق عليها وثانيا على أطار عملي يشير ويعنون الحدود ,وهذا محال مع التناقض الحاصل بين مادية الملحد ومرونة الفكرة الدينية التي ترى أن الحقيقة أوسع من العلم وأكبر من القدرة على التحديد , فهما طرفي نقيض لا يمكن أن نتصور ولو أفتراضا أن نصنع معيارية حاكمة تغطي هدفنا لكي نمنح الإلحاد قيمة اعتبارية كاملة تؤكد أو تنفي مشروع فكرته كما هو الحال أيضا مع فكرة ومشروع الديني .
هذا التطابق بين فكرتي الملحد والديني ليس افتراضا عبثيا ولا هو تلاعب بالألفاظ ,ولكن من المؤكد أن كل تمسك شخصي قائم على الانحياز لفكرة أو رؤية أو موقف حياتي أو وجودي هو في الحقيقة نوع من أنواع التدين بمعنى التقييد به , مثلا هل يمكن للملحد أن يتنازل عن بعض القوانين الحاكمة على صياغة فكرته أو يضعها جنبا مراعاة لموقف الأخر ,بالتأكيد إذا كان ملحدا حقيقيا لا يفعلها ولا يمكن له التنازل عن ما يؤمن به و وهو بالضبط ما يفعله المتدين , فكلاهما محكوم لفكرته وكلاهما منساق مع مؤدياتها لنتائجها .
أذن نحن في جميع الحالات متدينون بشكل أو بأخر خاصة إذا أعتمدنا تعريف الدين على أنه الوثوق بالفكرة وتبنيها على أنها صورة الحق ,الملحد متدين فكري عقلي مادي علمي وجودي بامتياز لكنه أيضا قد يكون متعصبا ومتطرفا أو متساهلا بعقيدته الفكرية ,مثله مثل المتدين بدين له حضور في جزء منه عقلي وفي جزء منه خارج الحس التطبيقي لفرضيات العقل المجردة عن المثالية الأفتراضية ,في مسألة مهمة يتنافس عليها الديني والملحد وقد لا تكون متوفرة بحقيقتها أمامهما ,وهي في مسالة طرح المسميات والمفاهيم والمصطلحات وقد أشرت في ما تقدم لمفهوم فكرة الدين ودينية الفكرة , وهنا سأخوض في مفاهيم أخرى متفقين عليها بالنتائج ولكن الأختلاف يقع عندما نتعرض لها تفكيكا وترميزا وتفسيرا .
من هذه المفاهيم الفلسفية والتي هي عماد الأختلاف بين الملحد والديني وهي قضية الوجود والعدم ,وكلاهما يتمسك بنظرية طويلة عريضة تثبت مرة النفي ومرة الإثبات ليصلوا الاثنان بالنهاية إلى نتيجة واحدة تفند كل الأختلاف والتظاهر بالتناقض بينهما ,الموجود هو الظاهر بالوجود أثرا أو حسا أو الاستدلال بهما مفردا أو معا , ما يعبر عنه الفلاسفة بالماهية والمظهر والحركة الجوهرية وسلسلة العلل التكوينية التي لا تنتهي باتفاق محدد لنقطة محددة ,يعرفها الملحد هي كل ما يمكن أن تجري عليه بانطباق تام المعادلات والقوانين العلمية بدون تفاوت ولا تردد .
أذن الفرق بين فكرة المتدين عن الدين أنها تمثل الخيار الأحسن المطلق والذي لا يمكن مناقشته أو رده ,لأنها هي المطلق بلا حدود فهي ملاصقة للوعي وتتجرد بتجرده ,وعليه فكل ما يخرج عن دائرة هذه الفكرة يمثل خرق لقانون عام ورؤية يظنها تحمل الكلية التامة وتتمتع بالحدية ,في الطرف الأخر يرى في فكرة الدين هبوط العقل من مرتبة التجرد إلى هامشية الترديد الأجوف لواقع غير حقيقي ولا يمكن بأي حال أن يتحول لحقيقة , بدليل أفتراضي وتجريبي أن الإنسان يتبنى الدين لاحقا استنادا لتنامي الوعي , ولو كان الدين فكرة وجودية أصلية لكانت موجودة قبله وبعده ولا يمكن أن تتغير وتتبدل لمجرد أن العقل يختلف في تصورها .
نرى في نظر الفريقين لفكرة الدين هي نظرة واحدة من حيث جوهرها الأساس ,المتدين يسعى ومن خلال وصف الفكرة (الدين) على أنه خيار خارجي مرافق للوجود البشري ولا ينفصل عنه , نجد أن اللا ديني والملحد والناكر لقضية الدين يرى نفس النتيجة ولكن من زاوية أخرى بأن الدين طارئ عن أصل الوجود سواء المدع به فوقيا أو من أنتسب للبشر وهو بالمجل نتاج تصور الإنسان أو تأليفه لعالم مختلق قد يسميه باعث أو مرسل ,الفرق الوحيد أن الأول يراه ويصرح بإلزامتيه والأخر يرفض هذا الوصف ولكنه يقوله ضمنا في نظرته .