المرجعية الشيعية العراقية ودولة الكيان الموازي*

جعفر المظفر
2019 / 6 / 22

المرجعية الشيعية العراقية ودولة الكيان الموازي*
جعفر المظفر

ويوم كان هناك إنحيازان اثناء الحرب الأولى, فإن ولاء (السنة) كان قوميا في حين ان ولاء (الشيعة) ظل إسلاميا. وبهذا سوف نضع أيدينا على السبب الحقيقي لغياب مرجعية دينية سنية بعد سقوط الدولة العراقية على يد الإحتلال الأمريكي في مواجهة مرجعية دينية شيعية كانت قد أكملت بناها التحتية وتشعباتها المختلفة.
هذا السبب ببساطة هو أن السنة العراقيين لم يكونوا على تناقض مذهبي مع الدولة العثمانية أو مع الدول الإسلامية التي سبقتها لأنهم يتشاركون نفس المذهب التي تدين به السلطة.
على الطرف المقابل, ومع دول سنية إمتدت على قرون كانت قد جاوزت الأربعة عشر فإن الشيعة الذين عاشوا عصر الدولة الإسلامية السنية كانوا يتحركون في مساحة المعارضة التي أنتجت مرجعيتهم الدينية ورَعتها ورعْرعتها وإلى حد إنتاج كيان شيعي موازي يتمثل فيه أيضا فقه سياسي معارض.
لنتجرأ على الدخول في تفصيلة تاريخية على هامش محورنا هذا. ما أسميته بالكيان الشيعي الموازي لم يكن وليد تلك اللحظة ولا كان تحديدا من نتائجها. واللحظة المقصودة هنا هي لحظة تأسيس الدولة العراقية المدنية الخارجة على عصر الدولة الإسلامية.
الكيان الشيعي الموازي كان قد نشأ من خلال تطور تاريخي لمشهدين متلازمين, أولهما تطور مرجعية النجف الذي أدى إلى توسع المؤسسة الدينية بمستويات متفارقة أنتجت الآلاف من رجال الدين ومن طلبة العلم ومن المريدين والوكلاء مدعومين برجالات المنابر الحسينية المسلحين بالفقه الجعفري على المستوى الفكري وبالثقافة الحسينية ذات العمق الماساوي الشديد البناء والتأثير.
المشهد الثاني أفرزه شبه الإتفاق الذي كان قد تم في أعقاب حرب معاوية – الإمام الحسن الذي أنتج نوعا من التعايش السلمي بين السلطة الأموية بقيادة معاوية بن سفيان والسلطة الهاشمية برئاسة الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب الذي أنتج بدوره إعترافا ضمنيا بوجود كيان قدر له أن يتطور بعد ذلك لكي يتحول إلى دولة داخل دولة.
واجه الكيان الموازي خطرا أكيدا حالما إستطاعت الدولة المدنية العراقية الجديدة تأسيس مرافقها الواسعة. لقد حدث ذلك بعد الحرب العالمية الأولى التي إنزاحت عن سقوط دولة الخلافة العثمانية وتأسيس الدول "الوطنية" في المناطق العربية التي كانت تحت حكم العثمانيين.
بدأ الشيعة بالتسرب إلى مرافق هذه الدولة الجديدة فصار منهم الموظفون والعساكر والمعلمون, أي أنهم بدأوا التسرب من مساحة الكيان الشيعي الموازي إلى مساحة الدولة المدنية العليمانية مما جعل المرجعية وكيانها الموازي في مواجهة تحدٍ من نوع جديد كان أشد خطرا عليها من أخطار المواجهات المباشرة التي شُنت ضدها إبان العهود الإسلامبروطورية المختلفة (الأموية والعباسية والعثمانية).
هذا الخطر كان قد تمثل ببداية تسرب (الشيعة) من ميدان الكيان الموازي الذي كان قد تأسس إبّان العهود الإسلاإمبراطورية الثلاثة إلى ميدان الدولة الوطنية الجديدة ذات التوجه العليماني الواضح.
الدولة العليمانية ذات الكيان العابر للطائفية رفضت العمل بنظام المحميات الطائفية السابق الذي كان قد منح الطوائف من غير السنة والأديان من غير الإسلام وضعا أشبه بوضع المحميات الإجتماعية, وتوجهت الدولة الجديدة إلى المساواة بين رعاياها المختلفين أمام القانون من دون أن يعني ذلك أن المجتمع اصبح لاطائفيا أو أن رجال الدولة على المستوى الشخصي أصبحوا غير طائفيين !.

النظام المدني الجديد شكل خطرا على الكيان الشيعي الموازي بأشد مما كانت قد سلطته ضدها العهود الإسلامية السابقة وصارت المرجعية في مواجهة نزوح الشيعة من ميدانها المذهبي إلى ميدان النشاط العليماني الذي يراهن على التغيير ضمن حالة ميدان الدولة المدنية ولصالحها لا لصالح دولة الكيان الموازي ذات الطبيعة التصالحية مع سلطة الخلافة ودولتها.
وإذ لم تعد هناك تحديات مذهبية على الشكل التي كانت عليه إبان العهود الإسلامية السابقة فإن الكيان الموازي كان قد فقد قيمة وفاعلية التحديات المقابلة التي كانت قد أفلحت سابقا في رص صفوف مواطنيه ضمن مساحة دولة الكيان المذهبي, وبدأت الهوية الوطنية بالتقدم على الهوية المذهبية وإستطاع الكثير من من المحسوبين على المذهب الشيعي تصدُّر وحتى تأسيس الحركات الوطنية العلمانية العابرة للطوائف (مثال : البعثيون وكان من ضمن المؤسسين الدكتور سعدون حمادي من كربلاء والمهندس فؤاد الركابي من الناصرية, كما وكان عدد أعضاء الشيعة في القيادة القطرية للبعث التي أطاحت بعبدالكريم قاسم هو خمسة أعضاء من واقع ثمانية أعضاء كانوا يشكلون تلك القيادة, أما الشيوعيون فقد تصدر قيادتهم رجال من الشيعة كان آخرهم سلام عادل السكرتير العام للجنة المركزية الذي قتله البعثيون تحت التعذيب بعد سقوط حكم الزعيم عبدالكريم قاسم وكان في الأصل من مدينة النجف مقر المرجعية الشيعية وعاصمتها العالمية).
من الواضح أن أولئك الرجال كانوا فضلوا التغيير من داخل ميدان الدولة الوطنية العليمانية وليس من خارجها المذهبي. أما العقل السياسي لدولة الكيان الموازي الشيعي فقد ظل يعيش في ميدان الهم المذهبي الذي أنتجته الدولة الإسلامية في عصورها الثلاثة وما صارت لديها القدرة أو الحماس أو المصلحة في مغادرة ميدانها ذاك إلى ميدان الهم الوطني الجديد المتوجه لبناء مجتمع مدني متحضر.
الواقع أن جود (الشيعة) بشكل عام خارج دائرة الإحتدامات السياسية ومتغيراتها في إسطنبول وباقي مدن القرار السياسي العثماني قد جعلهم بعيدين عن تحسس إتجاهات حركة التغيير العالمي التي ستؤدي بعد ذلك إلى إنهيار الإمبراطورية العثمانية ودخول المنطقة العربية بكاملها في العصر الإنكليزي الفرنسي الذي كان من نتائجه قيام الدول العربية المتفرقة والمستقلة عن تركيا العثمانية والخارجة تماما من ميدان نفوذ الإسلام السياسي المتمثل حينها بالخلافة العثمانية قبل إنهيارها.
إن غياب نخب شيعية مثقفة في مناطق كانت تعيش الفقر المدقع والجهالة السياسية مع وجود تأثير حاسم للمرجعية الدينية في مناطق التواجد الشيعي العراقي كان قد أعدم فرص وجود شيعي مؤثر في ميدان القرار السياسي العراقي الجديد ما قبل وبعد نشوء الدولة العراقية الجديدة الخارجة توا من عباءة الخلافة العثمانية المنهارة , ومن المشاهد المفصلية التي تدعو إلى التأمل .
على العكس من ذلك فقد توفرت الفرصة للعديد من رجالات السنة العراقيين ان يكونوا في المركز من دائرة هذا الحدث الذي سيعيد ترتيب المنطقة وفق إرادة التحالف البريطاني الفرنسي. ونظرا لطبيعة دولة الخلافة العثمانية السنية المذهب فقد توفرت لعديد من العوائل السنية العراقية فرص إرسال أبنائها إلى إسطنبول الذين سيكونون بالقرب أو حتى من بين صفوف النخب السياسية التركية الرافضة لدولة الخلافة والداعية لقيام حكم علماني من شأنه أن يجعل من تركيا جزءا من العالم المتغير والمتقدم.
وإذ توفرت لهؤلاء الرجال السنة فرصة أن يكونوا جزءا أو بالقرب من الأحزاب والحركات التركية المناهضة لدولة الخلافة وذات التوجه القومي العلماني فلن يكون مبهما بعد ذلك فهم وإستيعاب لماذا كانت النخبة السياسية العراقية المرافقة للملك فيصل الأول تكاد تكون بجميع أفرادها من السنة العراقيين من دون حتى شيعي واحد.
وبهذا يمكن القول أن المرجعية كان قد فاجئها عصر الدولة العليمانية العراقية ولم يكن في مقدورها أو في صالحها الدخول فيه, وكان خطر نزوح مواطنيها عنها, بغياب عنصر التحدي المذهبي كما كان عليه قبل إنهيار دولة الخلافة الإسلامية, قد جعلها في مواجهة خطر فقدان (شعبها المذهبي).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*القسم الثاني من مقالة بنفس العنوان وسيهتم القسم الثالث منها بالصراع الشيعي – الشيعي الذي كان قد دار في السبعينات بين التيار الذي كان قد تصدره آية الله محمد باقر الصدر وبين المرجعية الشيعية بقيادة آية الله محسن الحكيم والتي تصدرها بعد ذلك آية الله الخوئي.