الإعلام العربي ومشكلة الوظيفة وإشكاليات السلطة

عباس علي العلي
2019 / 6 / 22

قد لا أكون إعلاميا بالمعنى الحرفي والمهني للإعلامي ولكن كل ما سأكتبه ينبع من متابعة دقيقة لما يجري في الساحة من ممارسة وطرح وسلوكيات تتعلق بالسلطة الرابعة ,وهي السلطة الإعلامية التي لها هوية محددة توصف دوما بالاستقلالية والحياد والإخلاص للحس الوظيفي دون أن تكون لعبة سياسية أو أداة بيد قوى تحاول رسم واقع مزيف أو تزيف الواقع , ووجود السلطة الرابعة المادي مؤثر وجاد في تصحيح الحراك الاجتماعي والسياسي والفكري ورفده بكل مقومات اليقظة والتحفز والدعم الذي يسبق الحدث ويعقبه ولا يترك أن تقوده الأحداث لموقع الذيلية بل دائما الأعلام هو صوت الحدث الحاضر بكل تجرد ومهنية ,للتحول من ملحق لأجهزة السلطة وقواها إلى موقع السلطة صاحبة القضية والتي تحمل بجد ومسئولية إرادة الشعب وصوته المعبر على الإعلام أن يمنح الحرية الكاملة في التعبير والتخلي التام أيضا من الارتباط بالسلطة أو الإرتهان لشروطها وأغرائاتها .
اليوم الإعلام العربي عامة والعراقي خاصة موزع بالولاءات ومشتت وفشل في أن يوجد له حضورا مميزا وطاغ بحرفيته ومهنيته التي يجب أن يكون عليها ,وهذا ليس إضعافا للأصوات الإعلامية الحرة ولا طعنا بالخيرين في الجهاز الإعلامي ولكنه واقع حال فرضته قوة المال السياسي المسنود بالسلطة بكل أشكالها، وخاصة السلطة الحكومية وبعدها سلطة رأس المال والدين والتوجه الفئوي, لكن ما زاد من أبتلاءات الإعلام في إشكالية الوظيفة والهوية والمسئولية دخول السلطة الدينية بهذا الشكل الفج والفئوي والتخريبي الذي أيقظ الكثير من التصدعات الأجتماعية والسياسية التي تمزق الأنتماء الإعلامي، وتحول الكثير من المفاهيم التي كانت من أبجديات الأعلام الحر إلى مسميات تحمل معها قوة تفجيرية وتفتيتية كادت أن تطيح بمفاهيم الوطن الواحد والمجتمع الواحد والنظرة الواحدة، إلى واقع غابة من أساس نظامها وقانونها القتال والصراع من أجل أشباه أحداث تعفنت بالتأريخ وعفنته لتعيد تمجيد قضايا تحبط كل أمل بحاضر مستقر ومستقبل أكثر إشراقا .
المشكلة متشعبة في جانب منها متعلق بالوضع المرتبك والغير قادر على التبلور بصيغة نظامية ,المجتمع العربي والعراقي خاصة في مرحلة تحولات تكوينية وإعادة قراءة ورسم الهوية الذاتية بعد فشل تأريخي للهوية القومية والوطنية القديمة تحت تأثير الضربات التي أصابت مفاصل بنيوية مهمة منه, ومن وعيه الوجودي ومن معاييره وقياساته وارتباطاته , إنه في مرحلة إعادة فرمته وتكوين لنظامه العام شكلا وكيفا وتوجهات ونظرية، وهو بذلك يصارع استحقاقات التخلف والجهل وسوء الإدارة المزمن، وأمراض تداعت جميعها لتعيد واقعنا جبرا لزمن الخيمة ومزاملة البعير في صحراء مترامية الأطراف حي لا تتوقع في أي لحظة يأتيك الغزاة من أبناء العم والجيرة.
لا نلوم الإعلامي وحده لسقوطه في هذا المستنقع الفكري ولا نلوم خضوع المؤسسة الإعلامية لسطوة القوة والمال والمؤسسة الفاسقة التي تتخذ من الدين واجهة إفساد ,بل كل اللوم يقع على المنظومة الفكرية والحضارية التي سمحت لأن تتحكم هذه القوى في مسخ صورة الإعلام العربي عامة والعراقي خاصة وتحويله لجيش من المرتدين , جيش انتهازي يذكرنا بالجيش لإنكشاري المملوكي حيث القسوة والتزمت والصرامة في تنفيذ سياسة إعلامية تجهيلية تبعد المواطن والوطن عن قضايا ملحة ومهمة ومصيرية والإنشغال في منهج إستحماري تغريبي لا يتورع في ممارسة الكذب والرذيلة وتزييف الحقائق للوصول لغايات تنتهي دوما بالدمار والاحتراب والتقتيل.
الأعلام العربي اليوم بصورة عامة والعراقي بصورة خاصة خرج من دائرة التعريف الوظيفي لمهنة الأعلام النبيلة الذي هو منظومة فكرية إنسانية تقدم المعلومة على أنها الأقرب المثلي للحقيقة، هذه الوظيفة تجعل من مهنة الأعلام مهنة خلق وأبداع وتغيير وتطور دون أن تدخل في خطاب مباشر مع المتلقي لتفرض عليه وصاية المعلم والمرشد، صحيح مثلا أن الأعلام الغربي قدم نفسه صانعا للرأي العام وموجها له بأعتباره سلطة أجتماعية توازي في قيمتها باقي السلطات الأجتماعية للدولة والمجتمع، ولكنه أيضا في جزء كبير منه كان حياديا أو على الأقل أمينا على المهنة مما يخلق توازنا بين الوظيفة وبين متطلبات السلطة الذاتية له، هذا الحال غائب تماما عن شكلية وأداء الأعلام العربي الذي في غالبه أما أجير أو مسخر أو مقموع.
إن مشكلة وإشكالية الأعلام لا تنفك أبدا عن مشاكل وإشكاليات المجتمع ولا تتقدم عليها، بل هما في ارتباط متبادل بالأثر والتأثير والعلل والأسباب، فغياب الحرية الحقيقية والديمقراطية وحقوق الإنسان بصورتها الحقيقية المنطقية تلقي بضلالها وعتمة ما تحمل من ضغوطات ونتائج على عاتق الأعلام والفكر والفن والأدب، وكل النتاج الإبداعي الإنساني وتقيده بقيود بنيوية وبنائية يتحول من خلالها وبها إلى شبح أو يكاد لا يرى إلا للفاحص العارف، كما تجر المجتمع إلى حالة من اللا توازن المفرط الذي تتراكم في زواياه كل أمراض وعلل تطيح فيه بشخصيته العامة وشخصية الفرد الذي يحاول أن يهرب من خيبة إلى خيبة تفاديا للخسارات المتعاظمة في وجوده، الإعلام يكون فاعلا وقادرا على التغير والنهوض وقيادة المجتمع نحو التحولات حينما يكون عنصرا ضاغطا على السلطة وقواها من خلال الحرية الممنوحة له وصيانة هذه الحرية من الانتهاك، وهذا ما لا تتوفر عليه واقعيات المجتمع العربي ولا سلوكيات السلطة ونظريتها السياسية.
إن مسألة النهوض بالأعلام وأدواته وتعزيز قيمه ودوره الأجتماعي مناط أولا بتعزيز حصانة الإعلامي الذاتية تجاه مغريات السلطة واتجاه الخوف والترهيب التي تمارسه ضده، وثانيا من خلال فك ارتباط الحرية بما يسمى الثوابت السلطوية والخطوط الحمر التي تضعها، المجتمع الذب فيع أعلام حر مجتمع قادر على تصحيح أخطاءه وتعزيز وجوده والعكس بالعكس، لذا تحرص الأنظمة الاستبدادية والمتوحشة في علاقتها مع شعوبها أن تضع الإعلام دائما في خانة التشكيك والضعف والهامشية في أداء رسالته، لأنها بذلك تضمن بقاءها وتقديم رؤيتها على أنها الخيار الذي لا بد منه أو خيار الخراب والفوضى.