التاريخ يتماهى مع السرد.... (قسمت) رواية العصف الذي ضرب الكرد الفيليين

شكيب كاظم
2019 / 6 / 20

هذا هو العمل الروائي الثاني للروائية العراقية المغتربة في كوبنهاكن ومنذ سنة 1984 ، حوراء (إياد بنيان) النداوي، الصادرة طبعته الأولى عن دار الجمل سنة 2018، وقبل ذلك كنت قد سمعت عن روايتها الأولى (تحت سماء كوبنهاكن)، ولأن العراقيين يعيشون منذ عقود شتاتا هائلا، فقد أضحى من الصعوبة الإلمام بما ينشر خارج الوطن، على الرغم من وسائل الاتصال الحديثة التي قربت المسافات.

(قسمت) الرواية التي تقع في مئتين وثلاث وتسعين صفحة، تدوين سردي للحياة العراقية العاصفة، التي وزعت عذاباتها وانتهاكاتها على الأقوام التي ساكنت العراقيين أجيالا وأجيالاً، لذا رأينا تسارع وقع الهجرة واللجوء، لواذا وبحثا عن مكان يحفظ آدمية الإنسان.

(قسمت) رواية تسرد حيوات أجيال من الكرد الفيليين، الذين تعرضوا لانتهاكات خطرة وخطيرة، قد لا تحصل في أشد المجتمعات قسوة ووحشية، إنها سرد للحياة العراقية على مدى ستة عقود بدءا بسنة 1950 ، حيث تنتحر (قسمت)ابنة الملا غلام علي، بأن تغرق نفسها في ساعة نحس أو تجل ما استطاعت كبحه، كبح كوابيسه وتهيؤاته وحتى سنة 2009، ما أسلمت قسمت جسدها لماء دجلة وحدها، بل أطعمت النهر ابنتها الصغيرة والرضيع الذي كان على صدرها، فضلا عن الجنين القابع في أحشائها، كلهم ذهبوا مع مجرى النهر الواسع والسريع.

أما لماذا هذا الانتحار الصاعق؟ فالجواب يأتي في نهاية الرواية، زيادة في التشويق، وزيادة في فنية هذا السرد الرائع والجميل.

رواية الواقع

(قسمت) رواية الواقع المؤسي المداف بالفانتازيا، وعوالم الأرواح والجن و(برگة) الساكن في أحد البيوت المهدمة المهجورة، هو الوسيط بين العالمين؛ عالم الروح وعالم الواقع.

(برگة) هذا الطويل النحيف، الذي يضع عباءة نسائية على رأسه، وفيه شيىء من ميوعة وتخنث، كان الوسيط بين العالمين، وهو الذي تنبأ لهم بالمصير الذي سيعصف بهم، يوم انطلقت من حيهم رصاصات في ذلك اليوم الشباطي البارد الذي وافق منتصف شهر الصيام، ليكونوا تحت النظر وليدفعوا أفدح الخسارات.

كان الملا علي غلام، الذي سكن محلة الدهانة منذ عقود متطاولة، يعرف بحكمة الرجل الشيخ، انهم بوصفهم ملة تسكن بغداد، ليسوا سوى أقلية من غير سند أو ظهر، والافضل لهم أن يتخذوا مواقف الحياد دائما، برغم أن تفكيره هذا ورغبته في البقاء على طريقة اخفاض الرأس كي تمر العواصف لن تجدي نفعا في المستقبل، فلا أولاده ولا أحفاده ستنفعهم هذه السياسة المحايدة.

وهذا ما تنبأ لهم به ( برگة) يوم أطلقت من حيهم الرصاصات.

-- إذا كنتم تريدون نبؤة فخذوا هذه،هذا البلد لن يعيش بسلام بعد اليوم،وسيصل غبار خرابه إلى السماء، اما انتم ذاتكم فسيضعكم تحت أضراسه فخذوا حذركم!

وستتحقق نبؤة (برگة)بعد نحو عقدين من الزمان، ففي نيسان من تلك السنة التي نشبت فيها الحرب بين العراق وإيران، واجه مجيد ابن الحاج حسين كاكة زادة الصائغ والآلاف من أهله وذويه، عملية تهجير واسعة، هو الذي كان قد استطاع بجده وذكائه وقوة تحمله من تغيير حياته يوم جاء متسللا إلى العراق في سنوات مضت، من عامل اجير بسيط،الى صاحب دكان بالشورجة،فتاجر صغير وإلى مستورد، وغادر ذلك الحي الشعبي الذي كان يساكن فيه عمه الملا غلام علي الذي بنى ببنته الصغيرة مريم، غادره إلى منزل أنيق في حي جديد من أحياء شرقي العاصمة، مجيد هذا وجد نفسه وأولاده الخمسة الذين سماهم أسماء عربية: سرمد، ولؤي، ومؤيد ، وليث، واكرم مع أمهم مريم ابنة الملا غلام علي في سيارة مكشوفة الظهر تذهب بهم نحو المجهول، ولولا المصادفة وطيبة رجل الأمن الذي تولى تفتيش دارهم وتسفيرهم، وهو يرى رزمة أوراق نقدية أجنبية مع مسكوكات ذهبية، احتواها كيس تسقط على الأرض لدى بحث مريم عن ملابس لها ولأولادها، فتغاضى عنها طالبا منها اخفاءها بين طيات ثيابها علها تفيدهم في رحلتهم نحو اللااين. هذه النقود ومسكوكات الذهب، ستعبد الطريق أمام مجيد كاكة زادة، الذي تخلى عن اسمه السابق مجيد حسين الصائغ، قد زاد كآبة وسمنة وبخلا ووجوما، والذي تخلى عن كل ما يربطه بالبلد الذي سكن فيه عقودا، حتى غير أسماء أبنائه بما يناسب وضعهم الجديد؛ فسرمد أصبح فرزين، ولؤي تحول إلى اوميد، ومؤيد أضحى دلشاد، وليث أمسى فرهاد، وأكرم صار كامران، لكن ظل الأبناء يحنون إلى العراق والعيش فيه، وظلوا يتكلمون العربية في المنزل، ومشاهدة التلفاز العراقي، وتحينوا الفرص المناسبة كي يغادروا نحودول اللجوء والشتات.

زمن طويل

رواية (قسمت) من روايات الأجيال، واعني بذلك الرواية التي تمتد في الزمان طويلا كي تنقل لنا حيوات أجيال متعددة،وهذا النوع من السرد الروائي يحتاج إلى مهارة عالية،كي يستطيع السارد أو الساردة الإلمام التام بتطورات الزمان الممتد وما يتركه من تغيرات في أحوال الشخوص، هذا الامر يعيد للذاكرة رواية ( بيت الأرواح) للروائية الشيلية ايزابيل اللندي، فضلا عن رواية ( قشتمر) للنوبلي العربي نجيب محفوظ، التي تسرد مسيرة نحو قرن من زمان حي من أحياء القاهرة. فإذا تغاضينا في رواية (قسمت) عن جيل نازارة خالة الملا غلام علي، فان الرواية سرد لحيوات الملا وأبنائه من زوجته بدرية والجيل الثاني من ذرية بناته (فرصت) و( پري) وأبنائها ڤيان وسالار وازاد وصولا إلى زينب ابنة أزاد، وهو أمر عسير ويحتاج إلى مهارات عالية، ان تتمكن من متابعة خيوط الزمان وانسراباته وتقلباته على هذا المدى الطويل.

لقد جئت إلى هذا العمل الروائي الباهر متوجسا، فانا اقرأ للروائية حوراء النداوي أول مرة، وزاد في هواجسي هذه الفذلكة التي صدرت بها روايتها ومفادها ( تفاصيل هذه الرواية من وحي الخيال، وان اعتمدت على حقائق تاريخية، الا أن أي تشابه في الأحداث أو الشخصيات والأسماء من قبيل الصدفة) هذه الفذلكة تعني أن الروائية التي تنهل من الواقع تحاول التبرؤ من هذا الواقع خشية الوقوع في المحذور، وهل هناك من عمل روائي لا يعتمد على وقائع حياتية وسير ذاتية مع ترطيبها بشيء من الخيال؟ ولقد تأكد حدسي وانا اقرأ حوارا أجرته معها مجلة الشبكة العراقية) في 9 من أيلول 2018 أوضحت فيه أن سردها الروائي في ( قسمت) إنما كان امتياحا من ذاكرة جدتها؛ أم أمها الكردية الفيلية، وانها زارت تلك المحلات الشعبية، لكن مع الصفحات الأولى بدأ التوجس ينحسر ليحل محله إعجاب بهذا الذي تقرأ، ما عتم أن استمكن الذات و الذائقة ليدفعك كي تنوه بهذا العمل وتشيد، وما كنت ملتفتا إلى أقوال بعضهم ومدعياتهم، فلقد واجهت أحلام مستغانمي المدعيات ذاتها، وذهبت تلك المدعيات هباء وبقي منجز مستغانمي وإبداعها.