علي الوردي ومشروع جامعة الكوفة

سلمان رشيد محمد الهلالي
2019 / 6 / 20

علي الوردي ومشروع جامعة الكوفة
(حين يتم استهدافي لانني يهودية فمن السخف ان احدثهم عن كوني المانية او ماركسية) حنه ارندت
قليلون من العراقيين يعرفون ان الدكتور علي الوردي كان احد المساهمين البارزين في المشروع الذي تقدم به مجموعة من الاكاديميين والمثقفين والوجهاء المعروفين بانشاء جامعة الكوفة الاهلية تخليدا لاسم هذه مدينة التاريخية العريقة بدورها العلمي والديني والحضاري في تاريخ العراق , والتي وصفها المؤرخ الانكليزي البرت حوراني ذات يوم بانها (كامبردج العرب) او (اثينا الشرق) . وترجع فكرة انشاء جامعة الكوفة الى شيخ المعماريين العراقيين الدكتور والاستاذ في كلية الهندسة انذاك محمد مكية (1913 – 2015) (والد الكاتب والناشط في حقوق الانسان الاستاذ كنعان مكية) الذي قدم طلب الرخصة لتاسيس (الجمعية المؤسسة لجامعة الكوفة) الى وزارة الداخلية العراقية في 18 تشرين الثاني 1966 مع نخبة من المثقفين والتجار البارزين بلغ عددهم (26) شخصا هم (فضلا عن الدكتور محمد مكية) : (الدكتور علي الوردي(استاذ في كلية الاداب)والدكتور كاظم شبر (1918 – 2002)(الجراح الاختصاص واحد مؤسسي مستشقى ابن سينا الاهلي في بغداد) والسيد محمد الحيدري (عالم دين) والدكتور حسن الجلبي (استاذ في كلية الحقوق) والدكتور محمد علي ال ياسين (عميد كلية التجارة) والدكتور باقر عبد الغني (عميد معهد اللغات) والمحامي صادق كمونة والدكتور محمد علي البصام (استاذ في كلية العلوم) والدكتور فيصل ال حرج الوائلي (مدير الاثار العام) والدكتور محمد يعقوب السعيدي (وزير التخطيط)والتاجر صادق القاموسي والتاجر صبيح الشبيبي والمصرفي عباس كاشف الغطاء (مدير بنك سابق) والمحامي محمود المظفر والدكتور علي المياح (استاذ في كلية التربية) والدكتور جميل الملائكة (استاذ في كلية الهندسة) والدكتور هادي السباك (استاذ في كلية الطب) وعباس عبد اللطيف (استاذ في كلية الهندسة)والدكتور حسن النداوي (استاذ في كلية الحقوق)والتاجر حسين علي عبد الهادي والتاجر حسين الشاكري والدكتور عبد المجيد الحكيم (استاذ في كلية الحقوق) والمحامي محمود الجصاني والمهندس المدني علي حسين الربيعي والتاجر ناجي جواد الساعاتي) . وقد اكدت الجمعية : ان مقر الجامعة سيكون في قضاء الكوفة التابع انذاك لمحافظة كربلاء (قبل انفصال النجف كمحافظة مستقلة عام 1976) يكون تمويلها من خلال تبرعات المحسنين ورجال الدين والتجار المعروفين . وقد وافقت وزارة الداخلية ابان حكم الرئيس عبد الرحمن عارف (1966 – 1968) على الطلب بكتابها المرقم (2511) في الاول من تشرين الثاني 1967 بالاستناد الى قرار مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 17/10/1967 , وشكلت امناء الهيئة المؤسسة لجامعة الكوفة برئاسة محمد مكية وجميع الاسماء اعلاه - ومن ضمنهم الدكتور علي الوردي - والتي عينت بصورة مؤقته الدكتور محمد مكية رئيسا والدكتور باقر عبد الغني امينا للسر والدكتور كاظم شبر امينا للصندوق . ثم بعد ذلك انتخب الدكتور محمد مكية رئيسا والدكتور محمد علي ال ياسين نائبا للرئيس والدكتور كاظم شبر امينا للصندوق والدكتور باقر عبد الغني سكرتيرا , وجرى بعدها اختيار مجلس التخطيط العلمي لجامعة الكوفة برئاسة الدكتور حسن الجلبي ضم العديد من الاكاديميين ابرزهم : الدكتور علي الوردي والدكتور فيصل الوائلي والدكتور محمد مكية والدكتور علي المياح والدكتور جميل الملائكة والدكتور عبد الامير علاوي والدكتور عبد المجيد الحكيم .
بدا المؤسسون لمشروع جامعة الكوفة - بعد حصولهم على الموافقات الرسمية - بعملهم لتنفيذ هذا المشروع , حيث وضع المهندس الدكتور محمد مكية مخططات الجامعة على غرار الجامعات الكبرى في العالم مثل هارفارد واكسفورد . كما تم وضع النظام الاساسي للجامعة وتعيين الكليات والمعاهد التي يمكن ان تبدا بها الجامعة , ووضع الانظمة اللازمة للمناهج والقبول والامتحانات . وعقد العزم على ان تكون كلية الهندسة والعلوم والزراعة كنواة للجامعة , فيما قيل ان كلية الطب كانت من المشاريع المقترحة الاولى على اعتبار ان مستشفى ابن سينا الاهلي في بغداد سيكون مقر لها .
اتخذت الجمعية من احد المنازل في كرادة مريم مقرا لها , وفتحت باب التبرعات العينية والنقدية وقطع الاراضي وحتى الكتب والوثائق التي اشرف على تبويبها الدكتور حسين علي محفوظ . وكان اول المتبرعيين الوجيه حميد كبه الذي تبرع للمشروع بمبلغ الفي دينار (يعادل ستة الاف دولار) . فيما كان اكبر المتبرعين هو التاجر كاظم مكية الذي تبرع بمبلغ (50) الف دينار وقطعة ارض مساحتها (2500) متر في منطقة الكرادة . وتبرع من الكورد الوجيه رشيد عارف بمبلغ اربعة الاف دينار . وحصل المشروع على تاييد جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة ومن الفيلسوف الامريكي المعروف برتراند رسل والبروفسور ادمس وغيرهم . كما حصل تاييد من قبل العديد من المثقفين والادباء ورجال الدين والمراجع , فقد استقبلت الهيئة وفدا من كبار علماء جبل عامل في لبنان برئاسة السيد موسى الصدر . كما ايد المشروع بقوة الوزير الاسبق واول رئيس للمجمع العلمي العراقي الشيخ محمد رضا الشبيبي الذي اشار الى الحلة كمركز علمي وثقافي كبير ومتميز , فيما رتب السيد مهدي الحكيم (1935 – 1988) لقاء بين وفد من الجمعية برئاسة الدكتور محمد مكية والمرجع السيد محسن الحكيم الذي بارك المشروع ودعمه بقوة واهدى لمكتبة الجامعة احدى كتبه , وكذا الامر مع الشيخ اغا بزرك الطهراني الذي اهدى كتابه الشهير (الذريعة الى تصانيف الشيعة) الى مكتبة الجامعة . واما الدكتور علي الوردي فقد التقى مع الدكتور محمد مكية بالسيد ابو القاسم الخوئي في مدينة النجف الذي بارك المشروع ودعمه وناقش الدكتور الوردي في بعض كتبه الجدلية في علم الاجتماع . بدات الجمعية باقامة نشاطات ثقافية ومحاضرات ادبية وفكرية في مقر اقامتها في كرادة مريم من خلال دعوة العديد من المثقفين والباحثين والادباء ابرزهم الصحفي والكاتب المعروف جعفر الخليلي والشاعر محمد مهدي الجواهري والسيد مرتضى العسكري والشاعر محمود الحبوبي والدكتور حسين علي محفوظ وغيرهم .
وافق متصرف كربلاء بين عامي (1965 – 1968) جابر حسن الحداد على تخصيص قطعة ارض بين الكوفة والنجف (على يسار الذاهب من النجف الى كربلاء) مساحتها (4317) دونم من الاراضي الاميرية تصل في عمقها حتى نهر الفرات كمكان للمدينة الجامعية , واعطى الضوء الاخضر للتاسيس قبل الحصول على الرخصة (ويبدو ان هذا الاجراء قد اثار لاحقا غضب الاوساط البعثية اذ تم اعدامه عام 1970) . وبعد ان حصلت الجامعة على اراضي زراعية كبيرة جدا كتبرعات من المحسنين - ومنها بستان قريب من مكان الجامعة فيه مايقارب المليون نخلة - ارتات الجمعية تحويل الجامعة الاهلية الى مدينة جامعية فيها اراضي للزراعة ومرافق للصناعة وتعليم المهارات التطبيقية ومشاريع انتاجية ومساكن للاساتذة وغيرها , ومن اجل ذلك طرحت المشروع للاكتتاب العام من اجل جمع مبلغ مقداره (750) الف دينار , الا ان المؤسف له ان المبلغ الذي استطاعت الهيئة من جمعه قارب (132) الف دينار فقط , وهو بالطبع لايكفي لبناء الجامعة متكاملة , ولكن الهيئة اعتبرته خطوة اولى لبناء بعض المنشئات او الكليات الاساسية , ويمكن الاستمرار بطرح الاكتتاب وجمع التبرعات مرة اخرى , ويبدو ان العجز عن جمع الاموال الكاملة للمشروع قد اتخذها البعثيون الطائفيون حجة لالغاء مشروع جامعة الكوفة الاهلية .
فبعد انقلاب تموز 1968 وعودة البعثيين للسلطة من جديد , كان من اهم الخطوات التي اتخذوها هو الغاء فكرة تاسيس جامعة اهلية بالكوفة , تاخذ على عاتقها تنوير المجتمع الشيعي وتطويره وتخريج الكفاءات الاكاديمية والعلمية والثقافية , والنهوض بالمجتمع العراقي صناعيا وزراعيا وصحيا وتربويا . وكما ذكرنا سابقا ان الحجة التي استندت عليها الحكومة البعثية الحاكمة هو العجز عن جمع مبلغ المشروع , فيما ان السبب الحقيقي والمضمر هو الطائفية السياسية التي يتبناها الحكم القومي العنصري ورغبته باستمرار سياسية التهميش والاقصاء والمكافحة الثقافية للهوية الشيعية وتدجينها واخصائها من خلال السياسيات التي تطرحها في التربية والتعليم والقوات المسلحة , ولم تستطع الحكومة اخفاء الدافع الطائفي من الغاء هذا المشروع ومعرفتها جيدا للمكتسبات والايجابيات المتحققه من وراءه . فقد ذكر الدكتور محمد مكية ان وزير الداخلية صالح مهدي عماش قد ساله متذمرا وحانقا (لماذا جميع اعضاء الهيئة المؤسسة من الشيعة؟) وهذا يعني انه ليس الدافع الطائفي هو السبب في رفض المشروع فحسب , بل الامر اخطر من ذلك بكثير , وهو ان السلطة البعثية كانت تعرف الاصول الاجتماعية والمذهبية لجميع الاكاديميين العراقيين وتستقصي ميولهم وتوجهاتهم الفكرية والسياسية , وهو مايجعلها ان تقرب المدللين من اتباع الطائفة السنية في الجيش والمخابرات والخارجية والتعليم العالي , وتبعد الاخرين من اتباع الجماعات المذهبية والدينية والاثنية الاخرى . وهذا السؤال الخطير من عماش ينفي الاطروحة الساذجة التي تقول ان الحكومات العراقية لم تكن تميز او حتى تعرف الاصول الاجتماعيىة والمذهبية للعراقيين قبل 2003 , وان المعيار كان الخبرة والكفاءة العلمية والادارية وغيرها من الاساطير التي يرددها البعض ببغاويا ودون وعي او تحليل . ويبدو ان كل تلك الدوافع والسياسيات الطائفية جعلت صالح مهدي عماش وزير الداخلية يصدر القرار المرقم (213) في 30 كانون الثاني 1969 بالغاء مشروع تاسيس جامعة الكوفة الاهلية ومصادرة اموالها وموجوداتها وختم مقر الهيئة المؤسسة بالشمع الاحمر , بل ان السلطة بادرت الى اعتقال بعض الاعضاء المؤسسين والفاعلين في الجمعية من قبيل الدكتور محمد مكية الذي لم يتخلص فيما بعد من الاستهداف , واتهم لاحقا بالماسونية وهاجر الى خارج العراق وعاش بقية حياته في لندن . والدكتور كاظم شبر الذي زج به في معتقل قصر النهاية واطلق سراحه بوساطة الملا البرزاني . واما راعي المشروع الاول وداعمه الاساس السيد مهدي الحكيم فقد لفق عليه البعثيون تهمة التجسس لاسرائيل وحكم بالاعدام وهاجر الى خارج البلاد واغتيل في السودان عام 1988 . وقد ذكر الدكتور فالح عبد الجبار في كتابه (العمامة والافندي) – ومصادر اخرى - ان مجموع الاموال التي تم مصادرتها هو (4) مليون و(530) الف دينار عراقي واعتقد ان هذا المبلغ كبير جدا في ذلك الزمان , الا اللهم كان يشمل الاراضي الزراعية والسكنية والهدايا والتبرعات والموجودات الاخرى التي تم مصادرتها .
لم يستسلم الدكتور محمد مكية لهذا القرار المجحف والطائفي وطلب من الشاعر الجواهري التوسط لدى وزير الداخلية صالح مهدي عماش لوجود نوعا من الصداقة الادبية بينهما , الا انه تردد في القبول قائلا (ان هؤلاء لاينفع شي معهم) , ولانعرف هل طرح الجواهري الموضوع مع صالح عماش لاحقا حتى يخرج بهذا الانطباع ام استنتج خطورة الموضوع الطائفي واثارته عند البعثيين . وقد ذكر مكية ان جريدة (الثورة) الرسمية والناطقة باسم حزب البعث الحاكم قد بررت عملية الغاء المشروع ومصادرة امواله بدعوى العجز عن جمع الاموال الخاصه به , فيما يؤكد مكية ان الحكومة لم تبحث معه مطلقا قضية الاموال والعجز عن جمعها , وانما طالبت بالغاء المشروع وحل الجمعية فورا . واما الراعي الاساسي لمشروع جامعة الكوفة الاهلية السيد مهدي الحكيم فقد التقى رئيس الجمهورية احمد حسن البكر بحضور الشيخ سليمان التميمي والشيخ موسى اليعقوبي , وابلغه استياء والده المرجع السيد محسن الحكيم من هذا التصرف , الا ان المفارقة ان البكر انكر معرفته بهذا العمل او مسؤوليته عن قرار الالغاء , واكد ان عماش تصرف بمفرده (وانه مو خوش ادمي!!) – كما ذكر ذلك للحاضرين - وبالطبع ان الرئيس البكر قد كذب صراحة بهذا القول , والدليل انه لم يراجع موضوع الالغاء والمصادرة او العودة عنه . والشىء الثاني ان الدكتور محمد مكية وعندما طلب وساطة الوزير الشيوعي في الجبهة الوطنية بين البعثيين والشيوعيين عامر عبد الله العاني عام 1975 حول اعادة مشروع جامعة الكوفة , رد عليه الرئيس البكر بغضب (انت يبدو اصبحت شيعيا !!) . وذكر عامر عبد الله في سيرته (ان البكر كان متحمسا جدا لمصادرة اموال جامعة الكوفة بحيث ماكان بالامكان لاي مناقشة ان تغير فكره) وهذا يدل على مبلغ الحقد والغدة الطائفية المستحكمة على القيادات البعثية الطائفية العليا في البلاد . وللاسف ان البعض انساق الى هذه الرؤية وحمل مهدي عماش فقط مسوؤلية حل الجمعية والغاء مشروع جامعة الكوفة , وبرء الرئيس البكر وباقي الحكومة العراقية من ذلك , ومنهم الدكتور عبد الستار شنين الجنابي في دراسته (جامعة الكوفة الاهلية دراسة وثائقية) , وهو كلام غريب ان يصدر من اكاديمي يعرف جيدا ان وزير الداخلية لايستطيع اتخاذ قرار دون الرجوع لمجلس قيادة الثورة (وهو اعلى سلطة تنفيذية وتشريعية في البلاد) او رئيس الجمهورية , خاصة وان هذا القرار يمس العصب الطائفي الحساس في المجتمع العراقي وله صلة بالمرجعية العليا في البلد . وقد علق الدكتور محمد مكية على الدافع الطائفي وراء قرار الالغاء في ذكرياته (خواطر السنين) بالقول (حقيقة لم يكن ببالي وانا انوي تاسيس جامعة الكوفة باني شيعي ,ولكن ماوجهته من تعصب وتعنت ضد مذهبي ماجعلني اتذكر باني شيعي) وهو مصداق ماذكرناه سابقا ان الاستهداف والتمييز والاقصاء الطائفي هو من يحفز على انتشار الطائفية واستفحالها , وليس انتقاد الطائفية او تعريتها او فضحها .
واما الدكتور علي الوردي فقد اخذت المشاركة بالهيئة التنفيذية لمشروع جامعة الكوفة تلاحقه سنوات طويلة من السلطات البعثية , وربما كانت السبب في طلب احالة نفسه للتقاعد عام 1970 - اي بعد عام واحد فقط من قرار الغاء المشروع ومصادرته من قبل الحكومة البعثية في العراق - بل ان التقارير الامنية مانفكت تشير الى انضمامه لتلك النخبة من المثقفين الذين طالبوا بتاسيس جامعة اهلية في الكوفة . فقد اشار الملف الامني للدكتور الوردي الذي عرض وطبع في كتاب مؤخرا , ان المجلس الاعلى لامن الدولة - مكتب السكرتارية - رفع كتابا في نيسان 1979 الى وزارة الداخلية - مديرية الامن العامة - حول (بيان الراي في سفر (المدعو)(كذا) الدكتور علي الوردي الى بولونيا بناء على الدعوة الموجهة له للبقاء فيها خلال فصل الصيف والقاء محاضرات في القسم المختص بالمشاكل الاجتماعية في العراق الحديث والعالم العربي من مدير معهد الشرق الاوسط والمغرب في جامعة وراشو) . وقد ذكر في المذكرة المعلومات الاتية كقاعدة للتقييم وهى :
1 . ورد عنه بانه من ضمن اسماء التكتل الرجعي باسم جامعة الكوفة .
2 . عام 1966 انه من ضمن اللذين قدموا طلبا الى وزارة الداخلية حول السماح لهم بتاسيس جمعية في بغداد باسم الجمعية المؤسسة لجامعة الكوفة .
3 . عام 1970 انه من ضمن الاساتذة والكتاب والمحامين الذين قدموا مذكرة الى رئيس الوزراء حول اضطهاد الحركة الفكرية في العراق .
ومن خلال اعادة قراءة التقرير الامني اعلاه نخرج بحصيلة محددة : وهى ان السلطة البعثية الحاكمة لم تغفر للدكتور علي الوردي مشاركته بالهيئة المؤسسة لجامعة الكوفة رغم مرور اكثر من عشر سنين على الغاء المشروع , فمرة تصفه ب(المدعو) ومرة اخرى تصف اعضاء مشروع جامعة الكوفة ب(التكتل الرجعي) فضلا عن التحقيقات الامنية الاخرى حول ظروف سفره الى بولندا . وهذا يعني ان المشروع قد شكل عند السلطة البعثية توجسا وتحديا حقيقيا لايمكن السكوت عنه او التغاضي عن المشاركين فيه , لانهم لايريدون ان يجعلوا الشيعة في العراق ينخرطون في تنظيمات ومؤسسات اهلية واجتماعية واقتصادية وعلمية خاصة تواجه حالة التهميش والاقصاء التي تفرضها عليهم الحكومات القومية الطائفية في البلاد .
ان السبب الاساس – في اعتقادي على الاقل – الذي جعل الدكتور علي الوردي ينضم الى مشروع تاسيس جامعة الكوفة الاهلية هو معرفته بالعقدة الطائفية عند رجالات السلطة والحكم في العراق اكثرمن غيره , وكيف انهم ورثوا هذه العقدة والعقلية من الدولة العثمانية ابان هيمنتها واحتلالها للبلاد طوال مايقارب الاربعمائة عام . فقد اكد (ان عددا لايستهان به من افراد الطبقة الحاكمة في العراق هم من بقايا الجندرمة الذين ابتلى بهم الشعب العراقي في العهد العثماني ابتلاء عظيما) . وقد تميز الوردي بانه الوحيد من الكتاب العراقيين الذين يذكرون هذه العقدة وخطورتها في اغلب كتبه , ابتدا من المؤلفات التي نشرها في العهد الملكي (1921 – 1958) والعهد الجمهوري الاول (1958 – 1968) وانتهاء بالعهد الجمهوري الثاني (1968 – 2003) . فقد ادرج في كتابه (وعاظ السلاطين) بالقول (وهنا بدات الطائفية في العراق تاخذ شكلا جديدا . فبعدما كانت الطائفية نزاعا مذهبيا اصبحت الان نزاعا على الوظائف ...... وضعفت نزعة التدين في اهل العراق وبقيت فيهم الطائفية حيث صاروا لادينيين وطائفيين في ان واحد) . فيما اكد في كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) الذي صدر في العهد الجمهوري الاول بالقول(ان الشعب العراقي منقسم على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي اكثر مما في اي شعب عربي اخر – باستثناء لبنان – وليس هناك من طريقة لعلاج هذا الانشقاق اجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه حيث يتاح لكل فئة منه ان تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية) . وانتقد في كتابه (اسطورة الادب الرفيع) التسامي عن الطائفية بالقول (قد يعترض معترض فيقول : مابالك تهتم بالنزاع الطائفي في الوقت الذي ينشغل العالم فيه بالقضايا الاجتماعية الكبرى التي لايعد النزاع الطائفي تجاهها شيئا مذكورا ؟ نعم ياسيدي المعترض ان النزاع الطائفي لااهمية له في العالم المتمدن ولكنه في هذا البلد الذي نعيش فيه له كل الاهمية) .
لقد تميز الدكتور الوردي عن السديم الثقافي العراقي بان رؤيته في حل العقدة الطائفية في العراق , ليس التسامي عنها او القفز عليها - كما تفعل ذلك عادة الانتلجنسيا العراقية في مواجهة الاشكالات المستعصية التي يرزح تحت ظلها المجتمع العراقي - او الهروب منها الى فضاء المنظورات الكونية والايديولوجيات الثورية المستعارة كالماركسية والقومية او الانماط التغريبية كالوجودية والبنيوية , وانما مواجهتها وتعريتها وفضحها واقتراح الحلول العملية والناجعة لها من خلال ترسيخ القيم الليبرالية والديمقراطية والتنويرية والمناداة بها كافق من الفضاءات التي قد تفضي الى حل سحري لهذه الاشكالية المعقدة .(وهذا المنهج هو المعتمد عندنا في كتابة الموضوعات التي تتعلق بالطائفية والسائد في رؤيتنا لهذه الامور الجدلية) .
ان اهم المقاربات والنتائج التي حصلنا عليها حول اسباب تاسيس جامعة الكوفة الاهلية - من خلال كتابات الدكتور محمد مكية - والاستنتاجات الخاصة بهذا الموضوع من ناحية استقراء الواقع السياسي والاجتماعي انذاك هى :
1 . ان هدف المشروع هو مواجهة التمييز والتهميش الطائفي لمحافظات الوسط والجنوب التي كانت تفتقر للمؤسسات الاكاديمية والرصينة بالقياس الى عدد سكانها او طلبتها واضطرارها الى تعيين المدرسين والمعلمين والاداريين في دوائرها الحكومية من المحافظات الاخرى .
2 . ان من اهم اهداف تاسيس الجامعة مواجهة حالة التخلف والتاخر التي يعاني منها المجتمع العراقي - وخاصة في الوسط والجنوب - وانشغاله بالطقوسيات والغيبيات والماورائيات والرغبة بتعزيز مفاهيم الوعي والحداثة والتنوير من خلال التربية والتعليم الاكاديمي والجامعي الرصين .
3 . تقليل حالات الهجرة من الوسط والجنوب الى العاصمة بغداد من خلال ليس توفير المؤسسات التعليممية والتربوية فحسب , وانما توفير الارضية التي تؤهلهم بالتعيين في الدوائر الحكومية او تعليمهم احدى المهن الصناعية من خلال كليات ومعاهد هذه الجامعة .
4 . من اهم طموحات فريق العمل والمشرف على الجامعة المقترحة هو فتح فروع لها في محافظات العراق الاخرى في حالة نجاحها .
5 . ان من اهم اهداف الجامعة سد النقص من الكفاءات والكوادر الذي يعاني منه المجتمع الجنوبي - او الشيعي تحديدا - فكلنا نعلم ان من اهم الاعذار التي استندت عليها الحكومات القومية والطائفية في العراق لتهميش الاغلبية الشيعية عن الادارة والحكم هو الادعاء بنقص الكفاءات والمؤهلات العلمية والادارية عندهم .
6 . اعادة بعث الكوفة كمركز علمي (اسلامي وعربي وشيعي وعراقي) متميز على مدى التاريخ الحضاري (الرافديني والمسيحي والاسلامي) كان من اهم الاسباب التي ادت الى تاسيس هذه الجامعة , خاصة بعد العقود الاخيرة من تهميش هذه المركز العلمي واقصائه عن الحياة الثقافية والفكرية .
7 . ترسيخ النمط الليبرالي بالتربية والتعليم من خلال اللامركزية الادارية والعلمية والاكاديمية والابتعاد عن التوجهات التربوية القومية والثورية التي كانت تعمل بها السلطات العراقية .
8 . ان هذا المشروع يشكل ردا غير مباشرا على الدعوات الطائفية التي انتشرت في العراق بعد انقلاب شباط 1963 وانتشار مظاهر الاستهداف والتخوين ضد الاغلبية الشيعية .
9 . ان المؤسسين لهذا المشروع انكروا ان تكون هذه الجامعة بديلا عن الحوزات العلمية الدينية القريبة منها في النجف , او الرغبة بتهميشها او اضعافها او مواجهتها علميا واكاديميا .
10 . ان التوجه الفكري والسياسي لاغلب الاعضاء (26) الذين قدموا بطلب تاسيس (الجمعية المؤسسة لجامعة الكوفة) – الذين ادرجنا اسمائهم اعلاه – هو التوجه الليبرالي الديمقراطي , ويبدو ان هذا العامل الاساس الذي جعلهم يواجهون الطائفية السياسية والتربوية في البلاد . اذ لو كان هؤلاء من اتباع الايديولوجيات الثورية مثل الشيوعية والقومية والاسلامية , لما راينا عندهم تلك الواقعية السياسية والشجاعة في طرح الاشكالات الحقيقية التي يرزح تحت ظلها المجتمع العراقي .
11 . ان هذه النخبة من المثقفين والاكاديميين الذين يرجعون اجتماعيا وانثروبولوجيا للاغلبية الشيعية في العراق هم الانعكاس الحقيقي للانتلجنسيا الليبرالية والتنويرية الواعية للانسدادات الجوهرية التي تعرقل التطور الاجتماعي والتقدم الحضاري للدولة العراقية واهمها العقدة الطائفية .
12 . ان هذه النخبة استلهمت الانبعاث الشيعي الذي تبلور في العراق على هامش مرجعية السيد محسن الحكيم وماقام به من خطوات واصلاحات ثقافية وتربوية في المجتمع العراقي , واجهت حالة الاستهداف والتخوين الطائفي الي برزت بعد انقلاب شباط 1963 .
وقبل ان نختم هذا الموضوع لابد ان نشير ان هذا الموضوع يستحق ان يكون رسالة جامعية (ماجستير او دكتوراه) لما له من اهمية تاريخية وتطورات قانونية واشكالات سياسية واكاديمية وطائفية وغيرها , خاصة وان الوثائق والكتب والمجلات الخاصة بهذا الموضوع موجودة في المكتبة الوطنية واهمها :
1 . الجمعية المؤسسة لجامعة الكوفة , جامعة الكوفة فكرتها اهدافها وتاسيسها , مطبعة الازهر , بغداد 1980 .
2 . محمد مكية , خواطر السنين سيرة معماري ويوميات محلة بغدادية , تحرير رشيد الخيون , دار الساقي , بيروت , 2005 . وذكر الدكتور محمد مكية في مذكراته ان اصول عائلته ترجع الى مدينة الناصرية في محافظة ذي قار .
3 . عبد الستار شنين الجنابي , جامعة الكوفة الاهلية دراسة وثائقية , مجلة مركز دراسات الكوفة , 2010 . وهى دراسة وثائقية مهمة موجودة بالانترنت ويمكن الاعتماد عليها في التواريخ والمخاطبات الرسمية , رغم ان الدكتور اراد باي وسيلة تبرءت البعثيين والرئيس البكر من مسؤولية الغاء المشروع والقاءه على عاتق وزير الداخلية انذاك مهدي صالح عماش فقط .
4 . حيدر نزار السيد سلمان , المرجعية الدينية في النجف ومواقفها السياسية في العراق من 1958 – 1968 .
5 . صلاح الخرسان , الامام محمد باقر الصدر في ذاكرة العراق اضواء على تحرك المرجعية الدينية والحوزة العلمية في النجف الاشرف 1958 – 1992 .
6 . محمد باقر الحكيم , موسوعة الحوزة العلمية ومرجعية الامام الحكيم , الجزء الثاني .
7 . مجموعة من الباحثين , النجف الاشرف اسهامات في الحضارة الانسانية , المركز الاسلامي في انكلترا , لندن , 2000 .
8 . مجلة العدل , العدد التاسع , السنة الثانية 1967 .
9. مجلة العدل , العدد الرابع , السنة الثانية 1966 .
10 . علي المؤمن , سنوات الجمر مسيرة الحركة الاسلامية في العراق 1957 – 1987 .
11 . مهدي الحكيم , مذكرات مهدي الحكيم .
12 . سعدون هليل ( اعداد وتقديم ) , علي الوردي في ملفه الامني .
13 . حسن العلوي , الشيعة والدولة القومية في العراق .
14 . فالح عبد الجبار , العمامة والافندي سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني, منشورات الجمل , 2010 .